وعَنْ أَبِى نَضْرَةَ قَالَ قُلْتُ لأَبِى سَعِيدٍ أَسَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِى الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ قَالَ سَأُخْبِرُكُمْ مَا سَمِعْتُ مِنْهُ جَاءَهُ صَاحِبُ تَمْرِهِ بِتَمْرٍ طَيِّبٍ - وَكَانَ تَمْرُ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- يُقَالُ لَهُ اللَّوْنُ - قَالَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا التَّمْرُ الطَّيِّبُ » . قَالَ ذَهَبْتُ بِصَاعَيْنِ مِنْ تَمْرِنَا وَاشْتَرَيْتُ بِهِ صَاعًا مِنْ هَذَا. قَالَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « أَرْبَيْتَ » . قَالَ ثُمَّ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ فَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ أَرْبَى أَمِ الْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَالذَّهَبُ بِالذَّهَبِ. (1)
و عَنْ نَافِعٍ قَالَ كَانَ رَجُلٌ يُحَدِّثُ ابْنَ عُمَرَ بِحَدِيثٍ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ فِى الصَّرْفِ - قَالَ - فَقَدِمَ أَبُو سَعِيدٍ فَنَزَلَ هَذِهِ الدَّارَ فَأَخَذَ ابْنُ عُمَرَ بِيَدِى وَيَدِ الرَّجُلِ حَتَّى أَتَيْنَا أَبَا سَعِيدٍ فَقَامَ عَلَيْهِ فَقَالَ مَا يُحَدِّثُنِى هَذَا عَنْكَ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ نَعَمْ بَصُرَ عَيْنِى وَسَمِعَ أُذُنِى - وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى عَيْنَيْهِ وَأُذُنَيْهِ - فَمَا نَسِيتُ قَوْلَهُ بِأُصْبُعَيْهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ نَهَى عَنْ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ بِالْوَرِقِ إِلاَّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ « أَلاَ لاَ تَبِيعُوا غَائِبًا بِنَاجِزٍ وَلاَ تُشِفُّوا أَحَدَهُمَا عَلَى الآخَرِ » . (2)
وعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنِى نَافِعٌ قَالَ بَلَغَ ابْنَ عُمَرَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ يَأْثُرُ حَدِيثًا عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- فِى الصَّرْفِ فَأَخَذَ يَدِى فَذَهَبْتُ أَنَا وَهُوَ وَالرَّجُلُ فَقَالَ مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِى عَنْكَ تَأْثُرُهُ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- فِى الصَّرْفِ فَقَالَ سَمِعَتْهُ أُذُنَاىَ وَوَعَاهُ قَلْبِى مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « لاَ تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلاَّ مِثْلًا بِمِثْلٍ وَلاَ الْفِضَّةَ بِالْفِضَّةِ إِلاَّ مِثْلًا بِمِثْلٍ وَلاَ تُفَضِّلُوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ وَلاَ تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ » . (3)
بَابُ الرِّبَا الرِّبَا بِكَسْرِ الرَّاءِ مَقْصُورَةٍ مِنْ رَبَا يَرْبُو وَيُقَالُ الرَّمَاءُ بِالْمِيمِ وَالْمَدِّ بِمَعْنَاهُ ، وَالرُّبْيَةُ بِضَمِّ الرَّاءِ وَالتَّخْفِيفِ وَهُوَ الزِّيَادَةُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى { اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ } وَيُطْلَقُ الرِّبَا عَلَى كُلِّ بَيْعٍ مُحَرَّمٍ ، وَقَدْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي الْجُمْلَةِ وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي التَّفَاصِيلِ ، وَالْأَحَادِيثُ فِي النَّهْيِ عَنْهُ وَذَمِّ فَاعِلِهِ وَمَنْ أَعَانَهُ كَثِيرَةٌ جِدًّا وَوَرَدَتْ بِلَعْنِهِ وَمِنْهَا .
( 781 ) - عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ {: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: آكِلَ الرِّبَا ، وَمُوكِلَهُ ، وَكَاتِبَهُ ، وَشَاهِدَيْهِ وَقَالَ: هُمْ سَوَاءٌ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ - وَلِلْبُخَارِيِّ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ( عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَقَالَ: هُمْ سَوَاءٌ } .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِلْبُخَارِيِّ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ ) أَيْ دَعَا عَلَى الْمَذْكُورِينَ بِالْإِبْعَادِ عَنْ الرَّحْمَةِ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى إثْمِ مَنْ ذَكَرَ وَتَحْرِيمِ مَا تَعَاطَوْهُ وَخَصَّ الْأَكْلَ لِأَنَّهُ الْأَغْلَبُ فِي الِانْتِفَاعِ ، وَغَيْرُهُ مِثْلُهُ ، وَالْمُرَادُ مِنْ مُوكِلِهِ الَّذِي أَعْطَى الرِّبَا لِأَنَّهُ مَا تَحَصَّلَ الرِّبَا إلَّا مِنْهُ فَكَانَ دَاخِلًا فِي الْإِثْمِ .
وَإِثْمُ الْكَاتِبِ وَالشَّاهِدَيْنِ لِإِعَانَتِهِمْ عَلَى الْمَحْظُورِ ، وَذَلِكَ إذَا قَصَدَا وَعَرَفَا بِالرِّبَا وَوَرَدَ فِي رِوَايَةٍ لَعْنُ الشَّاهِدِ بِالْإِفْرَادِ عَلَى إرَادَةِ الْجِنْسِ .
فَإِنْ قُلْتَ حَدِيثُ { اللَّهُمَّ مَا لَعَنْت مِنْ لَعْنَةٍ فَاجْعَلْهَا رَحْمَةً } أَوْ نَحْوُهُ وَفِي لَفْظٍ"مَا لَعَنْت فَعَلَى مَنْ لَعَنْت"يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَدُلُّ اللَّعْنُ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى التَّحْرِيمِ وَأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ حَقِيقَةَ الدُّعَاءِ عَلَى مَنْ أَوْقَعَ عَلَيْهِ اللَّعْنَ قُلْت: ذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَ مَنْ أَوْقَعَ عَلَيْهِ اللَّعْنَ غَيْرَ فَاعِلٍ لِمُحَرَّمٍ مَعْلُومٍ أَوْ كَانَ اللَّعْنُ فِي حَالِ غَضَبٍ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(1) - مسند أحمد برقم ( 11373) صحيح
(2) - مسند أحمد برقم ( 11791) صحيح
تشف: تزيد وتفضل = الناجز: الحاضر =الورق: الفضة
(3) - مسند أحمد برقم ( 11805) صحيح
الناجز: الحاضر
شرح النووي على مسلم - (ج 5 / ص 444)
2964 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( وَلَا تُشِفُّوا بَعْضهَا عَلَى بَعْض )
هُوَ بِضَمِّ التَّاء وَكَسْر الشِّين الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد الْفَاء ، أَيْ لَا تُفَضِّلُوا ، وَالشِّفّ بِكَسْرِ الشِّين ، وَيُطْلَق أَيْضًا عَلَى النُّقْصَان ، فَهُوَ مِنْ الْأَضْدَاد ، يُقَال: شَفَّ الدِّرْهَم بِفَتْحِ الشِّين يَشِفّ بِكَسْرِهَا إِذَا زَادَ وَإِذَا نَقَصَ ، وَأَشَفَّهُ غَيْره يَشِفّهُ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ )
الْمُرَاد بِالنَّاجِزِ الْحَاضِر ، وَبِالْغَائِبِ الْمُؤَجَّل ، وَقَدْ أَجْمَع الْعُلَمَاء عَلَى تَحْرِيم بَيْع الذَّهَب بِالذَّهَبِ أَوْ بِالْفِضَّةِ مُؤَجَّلًا ، وَكَذَلِكَ الْحِنْطَة بِالْحِنْطَةِ أَوْ بِالشَّعِيرِ ، وَكَذَلِكَ كُلّ شَيْئَيْنِ اِشْتَرَكَا فِي عِلَّة الرِّبَا ، أَمَّا إِذَا بَاعَ دِينَارًا بِدِينَارٍ كِلَاهُمَا فِي الذِّمَّة ، ثُمَّ أَخْرَجَ كُلّ وَاحِد الدِّينَار ، أَوْ بَعَثَ مَنْ أَحْضَرَ لَهُ دِينَارًا مِنْ بَيْته وَتَقَابَضَا فِي الْمَجْلِس فَيَجُوز بِلَا خِلَاف عِنْد أَصْحَابنَا ؛ لِأَنَّ الشَّرْط أَنْ أَلَّا يَتَفَرَّقَا بِلَا قَبْض ، وَقَدْ حَصَلَ ، وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْد هَذِهِ: ( وَلَا تَبِيعُوا شَيْئًا غَائِبًا مِنْهُ بِنَاجِزٍ إِلَّا يَدًا بِيَدٍ )
وَأَمَّا قَوْل الْقَاضِي عِيَاض: اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز بَيْع أَحَدهمَا بِالْآخَرِ إِذَا كَانَ أَحَدهمَا مُؤَجَّلًا أَوْ غَابَ عَنْ الْمَجْلِس ، فَلَيْسَ كَمَا قَالَ ؛ فَإِنَّ الشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه وَغَيْرهمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى جَوَاز الصُّوَر الَّتِي ذَكَرْتهَا ، وَاَللَّه أَعْلَم .
(4) - سبل السلام - (ج 4 / ص 162)