كما حرص البحث على ربط الأحكام الشرعية بمعانيها وغاياتها، وربط المفاهيم الفقهية بالمعاني الاقتصادية، وذلك للتمييز بين حقيقة البيع المشروع وبين حقيقة الربا، وتوظيف ذلك في تقييم الحيل الربوية عمومًا، وليس التورق فحسب. فنحن بحاجة إلى منهجية مطردة وأصول كلية تضبط التعاملات المالية لنتوصل من خلالها إلى مواقف أقرب إن شاء الله إلى الصواب وإلى الحق الذي ينشده الجميع.
والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل.
د. سامي بن إبراهيم السويلم 27/1/1426
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
يمثل النهي عن الكالئ بالكالئ أحد المعالم البارزة من معالم قواعد التبادل في الاقتصاد الإسلامي. وذلك أن المبادلات المالية إما أن تكون حاضرة البدلين، أو مؤجلة أحد البدلين، أو مؤجلة كلا البدلين. والقسمان الأولان جائزان باتفاق الفقهاء، بينما القسم الثالث، وهو الكالئ بالكالئ، ممنوع بالاتفاق. وهذا يعني أن الكالئ بالكالئ يمثل نظريًا ثلث المبادلات المالية. واتفاق العلماء على منعه، خلفًا عن سلف، مع كثرة الفروع والصور التي تنبني على هذه المعاملة، يتطلب دراسة عميقة من أجل فهم قواعد التشريع في هذا الجانب الجوهري من جوانب النشاط الإنساني. وبالرغم من ذلك فإن الدراسات التي عنيت بهذا الحكم، تدليلًا وتعليلًا، لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة.
أضف إلى ذلك أن كثيرًا من الدراسات المعاصرة ركزت عنايتها على دراسة الربا وجوانبه الفقهية والاقتصادية. ومع التقدم الملموس في هذا الجانب، إلا أن فهم الأصول الاقتصادية والفقهية للمبادلات الممنوعة، بما فيها الربا، يتطلب دراسة مقارنة بين العقود الممنوعة، خاصة تلك التي اتضحت معالمها، وانعقد الإجماع على حكمها، بحيث يسهل على الباحث الانطلاق من أرضية ثابتة وواضحة لتحليل الموضوع.
إن كمال الشريعة الإسلامية يستلزم خلوها من التناقض، وهذا يعني أن هناك أصولًا مشتركة تحكم المبادلات المالية، وتحدد معالم النظام الإسلامي للتبادل. ولذلك فإن الاتجاه الذي بدأ يظهر نحو إباحة عقد الكالئ مطلقًا، مع كونه يمثل مخالفة صريحة للإجماع والنصوص القاضية بتحريم هذا العقد، فإنه، كما سيتضح من البحث، يمثل تناقضًا ظاهرًا بين موقف هؤلاء الكتاب من تحريم الربا وفي نفس الوقت إباحة الكالئ، وهذا التناقض يمثل أحد جوانب الخلل في معالجة أصول المعارضات الممنوعة وفي فهم نظرية الإسلام في التبادل.
ومما يلفت النظر في هذه القضية أن الفقهاء عبر القرون لم يعترضوا على منع عقد الكالئ بالرغم من النقد الموجه لبعض أدلة تحريمه. حتى جاء هذا العصر، وبدأت بعض الآراء تستشكل هذا المنع، وتدعو إلى إباحته جملة وتفصيلًا.
والحقيقة أن نشوء هذه الآراء في هذا العصر ليس غريبًا إذا أخذنا في الاعتبار أن القيم الرأسمالية استطاعت أن تبسط هيمنتها على الحياة الاقتصادية اليوم، وازدهرت من ثم تجارة الديون، وتعددت أنواع المداينات، وفرضت نفسها في واقع الحياة العملية، حتى أضحت محورًا رئيسًا من محاور النشاط الاقتصادي اليوم أكثر من أي وقت مضى. في هذه الأجواء وجد كثير من الباحثين أن منع الكالئ بالكالئ يصادم واقعًا ملموسًا، ويقف سدًا أمام كثير من التعاملات التي استجدت في هذا العصر. ولما كانت هذه المستجدات مبنية على مسلّمات وأسس منافية للأسس الإسلامية للاقتصاد، لم يكن مستغربًا أن تظهر الدعوة لإباحة هذا النوع من التعامل والتشكيك أو الإعراض عما أطبقت عليه الأمة أكثر من ألف عام.
لهذه الأسباب جميعًا، تبدو الحاجة ماسة لدراسة عقد الكالئ دراسة تحليلية مقارنة، تستوعب أولًا الأدلة الشرعية على منعه، ثم تتلمس ثانيًا الأصول والأسس التي يمكن أن يستند إليها هذا المنع، ومقارنة ذلك بالعقود الممنوعة الأخرى، خاصة الربا. وهذه الدراسة تعتبر خطوة في هذا المضمار.
منهج البحث:
وقد انطلق البحث من المبدأ القاضي بأن أي نظرية في الاقتصاد الإسلامي يجب أن تحقق شرطين أساسيين:
الأول: ألا تخالف الأحكام الشرعية الثابتة بالنص أو الإجماع.
الثاني: أن تكون سالمة في ذاتها من التناقض.
ولذلك اشتمل البحث على قسمين: الأول يتتبع الأدلة الشرعية، من الكتاب والسنة والإجماع المتعلقة بحكم بيع الكالئ، والخروج بتصور واضح لموقف الشريعة من هذا العقد بحيث يكون هذا الموقف هو الأساس الذي ينطلق منه التحليل.
والقسم الثاني خاص بدراسة أوجه التعليل، الفقهي والاقتصادي، لموقف الشريعة المطهرة من هذا النوع من التبادل. ولذلك اعتمد البحث منهج المقارنة بين عقد الكالئ والبيوع الممنوعة الأخرى. وذلك لأن الافتراض الجوهري الذي سار عليه البحث هو أن البيوع الممنوعة ترجع إلى أصول مشتركة كلية تحكمها وتنظمها جميعًا. وهي فرضية اعتمدها عدد من الفقهاء على سبيل المثال الإمام أبو بكر ابن العربي (1) ، وبناء على ذلك فأي تعليل مقترح لمنع بيع الكالئ يجب أن يكون منسجمًا مع قواعد المبادلات إجمالًا، وألاّ يتخلف أثره إذا وجد في عقد آخر. بعبارة أخرى، فإن التعليل المطروح يجب أن يسلم من التناقض.
كما انطلق البحث من مسلمة أن"النقل الصحيح لا يعارض العقل الصريح"فما استقر عليه حكم الكالئ في الشرع المطهر، لابد أن يكون مصلحة راجحة. ولهذا الغرض تطلب البحث دراسة أوجه المصالح والمفاسد الاقتصادية التي يمكن أن يحققها، وذلك للوصول إلى تقويم متوازن للعقد.
ويخلص البحث إلى أن عقد الكالئ بالكالئ قد استقر الإجماع على منعه، وأن قواعد المبادلات وأصولها تأبى جوازه، كما أن المفاسد التي يمكن أن تترتب عليه تتجاوز المصالح المرجوة منه. والاحتياجات التي يمكن أن يلبيها العقد يمكن تحقيقها بصيغ أخرى مشروعة تتلافى ما فيه من السلبيات.
والله الهادي إلى سواء السبيل.
(1) في أحكام القرآن 1/244، والقبس في شرح موطأ مالك بن أنس 2/787.
تقويم نظام"هبة الجزيرة"
د. سامي بن إبراهيم السويلم 27/9/1425
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإن تقويم نظام شركة"هبة الجزيرة"يتلخص في مقامين:
الأول: حقيقة النظام والهدف المقصود منه.
الثاني: حكمه وفقًا للقواعد الشرعية.
المقام الأول: حقيقة النظام والمقصود منه
بناء على الشرح المقدم في موقع الشركة، فإن العميل يشتري قرصًا ممغنطًا بخمسمائة ريال، ثم بعد فترة يمنح حافزًا قدره 700 ريال عن كل قرص اشتراه بحسب"قوة السوق"، ثم بعد فترة أيضًا وبحسب"قوة السوق"، يمنح المتسوق مبلغ 15000 ريال، وذلك"هبة من الشركة"على حد تعبير الموقع.
فالعميل إذن يدفع 500 ريال مقابل القرص من جهة، والحوافز والهبات التي تشكل في مجموعها 15700 ريال. ولا نحتاج لكبير عناء لنعرف ما هو مقصود العميل من الشراء. فالقرص قيمته 500 ريال، أما"الهبة"فتبلغ 15000. وكل عاقل يبحث عن مصلحته يدرك أن هذه"الهبة"أكثر قيمة وأجدى اقتصاديًا من القرص. فالمقصود الأهم والأعظم من الشراء هو الهبة. أما القُرص فإما أن يكون غير مقصود أصلًا، أو على أحسن الأحوال مقصودًا بحسب قيمته. فإذا كانت قيمة القُرص 500 والهبة 15000، فسيكون القُرص مقصودًا بنسبة 3%، وهي نسبة 500/15500، أما الهبة فستكون مقصودة بنسبة 97%.