وعلى دربه صار تلميذه محمد عبده فصاحبَ الإنجليز حتى تخذه ( كرومر ) صديقًا !! وأحل الربا في شكل صناديق التوفير ، وأباح التشبه بالكفار في الفتوى الترنسفالية ،وشارك مع المندوب السامي البريطاني اللورد كرومر في إنشاء معهد للإعداد ( الدعاة المتحررين ) ، فكان جسرا عبر عليه العدو إلى حلالنا وحرامنا ، فحلل الحرام وحرم الحلال تحت دعوى ( الإصلاح ) ، وخطط لإنشاء جامعة علمانية كانت فيما بعد جامعة القاهرة ، وكان ظهيرًا لقاسم أمين ، بل زعم البعض أن جُلَّ كتاب ( تحرير المرأة ) خُط بيدي الشيخ . [2]
لا أحد يستطيع أن يشكك في نوايا محمد عبده ، فقد كان حقيقة يريد ( الإصلاح ) ، ولكن غلبه الجهل والانبهار بالغرب ، وصار تحت ردود الأفعال فأوجد انحرافا وأحدث خرقا . [3]
ثم في خطوة أخرى جاء بعض المنهزمين .. المنبهرين وعمد إلى كتاب الله يفسره بما يتفق مع العلم الحديث ، فزعم أن الطير الأبابيل التي ترمي بحجارة من سجيل هي الطاعون ، وأن آية الدم التي أرسلت على فرعون وقومه هي البلهارسيا !!
ثم نبت في ربوعنا الدّغل ( الاشتراكية أعني ) يتاجر بالقضية الاجتماعية وفقر الجماهير وتقبلته الجماهير فانتفش وعَلَى الزرع .
وبعد حين جاءته رياح القومية الخبيثة ذات الأصل النصراني الكافر تلقحه وتنميه على بُغض الإسلام ، فأصبحت الأنظمة الجديدة لا تريد الإسلام لا في السياسة ولا في الاقتصاد ولا في أي شيء وأضحى واضحا ( أننا نحن الاسلاميين0 أشد الناس عداوة عند العلمانيين من اليهود والذين أشركوا ) ، وبات القوم وقد انسلخت من قلوبهم الغيرة على المقدسات والأعراض حتى تسائل الأحبة بكل مرارة ( لماذا .. ولماذا .. ولماذا .. ثم لماذا يصر المنافقون على الصدام مع مطلب الإسلاميين ثقافيًا وسياسيا وإعلاميًا وبوليسيًا وعسكريًا بل ووعظيًا رسميًا ) ؟؟ [4]
وليس ذاك إلا لأنهم كرهوا ما أنزل الله ).
وتحت وطئة هذه الهجمة اليسارية الشرسة عاد المنهزمون ثانية ليكتبوا عن ( اشتراكية الإسلام)
واليوم أو بالأحرى في الآونة الأخيرة انضم إلى الصحوة - دون إذن أو استشارة - فريق ينزع إلى الاجتهاد العقلاني في فهم النصوص والواقع ، كثير منهم منحدر من تجارب عقدية ومنهجية مغايرة للمنهج الإسلامي وعقيدته ، من ماركسيين وقوميين وبعثيين وليبراليين لا دينيين .
وهذا الفريق لديه جرأة عجيبة على تجاوز النص الشرعي أو تأويله إذا لم يوافق تأملهم العقلي ، ولديهم حالة من الاستعلاء على الأبناء الشرعيين للدعوة الإسلامية ممن لا يوافقونهم في نزعتهم ، ولهذا الفريق جولات على الساحة الفكرية منها جولته للطعن في رموز الأمة مثل الإمام أحمد بن حنبل وشيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله [5] ،
وهم من تكلموا في أحكام الديار وطالبوا بإلغائها [6] ،وهم من أثاروا الخلاف حول حجية السنة النبوية المطهرة .وفيهم من تكلم بأن الحجاب عادة جاهلية تخص بدو الجزيرة قبل أربعة عشر قرنا ، وجلهم انشغلوا ( بتحسين ) صورة الإسلام عن الغرب ، وتطويع الإسلام ليصبح عصريا .
وأخطر ما في أمر هذا التيار - كما يقول الأستاذ جمال سلطان - أنهم اقتربوا من بعض"المشايخ"إنسانيا وفكريًا ، وأثروا فيهم تأثيرا كبيرا ، وخاصة عندما دخلوا إليهم من باب نظر الغرب إلى الإسلام ، وتحسين صورة الإسلام أمام الإنسان الغربي الجديد ، وما تصوروه تيسيرا على الناس في الأحكام ونحوها .
وانتهى الأمر- عند هؤلاء - إلى مسخ الشريعة باسم التجديد ، وتيسر أسباب الفساد باسم فقه التيسير، وفتح أبواب الرذيلة باسم الاجتهاد، وتهوين السنن باسم فقه الأولويات ، وموالاة الكفار تحت دعوى تحسين صورة الإسلام .
ومن هؤلاء ـ المنهزمين ـ من ادعى أن ما نأخذه نحن على الشيعة من سبّهم الصحابة الكرام ، وتحريفهم القرآن ، وقولهم بعصمة الأئمة ، وحجهم للمشاهد وغيرها (خلافات على هامش العقيدة) !!
واليوم برز فريق من الذين أعمى الله بصرهم وبصيرتهم وقالوا بأن للمسلمة أن تتزوج النصراني ، ولا شيء عليها ، وشهادتها كشهادة الرجل ، ولا اعتراض إلا من كل متزمت لا يفهم الدين ... حقودٍ يكره النساء !!
ويا أذيال المنهزمين: حتى تتبعوا ملتهم !
لم يرض القوم بمحمد عبده ولا بمن خلعوا ( العَّمة ) ولبسوا الطربوش ، إنها نفوس مريضة تحمل أحقادا دفينة . وربكم أعلم بهم منكم (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ) (البقرة: 120 )
[1] هكذا أحسبهم
[2] قال ذلك نصًا الشيخ محمد اسماعيل المقدم حفظه الله في محاضرة له بعنوان المؤامرة على المرأة المسلمة ، وعلل ذلك بأن الكتاب مليء بالمسائل الفقهية التي لا علم لقاسم امين بها . وصرح بذلك الهالك أحمد لطفي السيد في مذكراته .
[3] انظر إن شئت مقدمة مقومات التصوير الإسلامي للأستاذ سيد قطب، وانظر للكاتب مقال ( محمد عبده نموذجا . من زرعه ومن جصده ؟منشور بموقع القلم .
[4] هو تساءل الدكتور عبد العزيز كامل ـ حفظه الله ـ في إحدى مقالاته بمجلة البيان .
[5] ( انظر كتاب تجديد الفكر الإسلامي لمحمد عمارة وهو عبارة عن مجموعة مقالات نشرت في مجلة العربي الكويتية )
[6] ( المسلمون وآخرون أشواك وعقد على الطريق) لفهمي هويدي )
التورق ... والتورق المنظم
(دراسة تأصيلية)
د. سامي بن إبراهيم السويلم 5/11/1426
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فقد احتل التورق حيزًا كبيرًا في التعاملات المالية المعاصرة التي تهدف إلى الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية. وقد كان التورق في الماضي تصرفًا فرديًا يقتصر على الشخص المحتاج إلى النقد. أما اليوم فقد تحول إلى عمل مؤسسي يرتبط فيه الأطراف المعنيون بعلاقات منظمة ومخطط لها لتحقيق هدف محدد وهو الحصول على النقد الحاضر مقابل نقد في الذمة أكثر منه. ويتوسط ذلك سلع أو أصول غير مقصودة لأي من الأطراف المعنية، ولا تحقق أي قيمة مضافة للنشاط الاقتصادي. وقد أثار هذا التطور الكثير من الشك حول مصداقية التمويل الإسلامي، وهل يختلف فعلًا عن التمويل الربوي، أم أنه مجرد ترتيبات شكلية لا تنطوي على مبادئ وأسس تمثل حقيقة الاقتصاد الإسلامي.
ولهذا السبب عقدت عدة ملتقيات ومؤتمرات لدراسة هذه القضية، وكان من أبرزها اجتماع مجمع الفقه الإسلامي بمكة المكرمة في 1424هـ لدراسة هذه القضية والخروج بموقف واضح منها. وكانت النتيجة التي صدر بها قرار المجمع هي منع التورق المصرفي لأنه يأخذ حكم العينة الثنائية المحرمة شرعًا.
وهذا البحث كان أحد الأبحاث المقدمة لهذا الاجتماع، سوى بعض التصحيحات والتعديلات الطفيفة التي أجريت بعد انعقاد المجمع. وقد سعى البحث لهذا الغرض إلى دراسة التورق من جذوره دراسة تأصيلية مقارنة، تتضمن تحرير محل الخلاف، وتحديد الأقوال فيها من خلال مصادرها المباشرة، ثم تتبع الأدلة لكل قول، وما يرد عليه من المناقشة والاعتراض، والجواب عنها، وذلك بموضوعية وإنصاف قدر الإمكان. ثم بعد ذلك الترجيح في ضوء أدلة الكتاب والسنة، وفي ضوء مقاصد الشريعة وقواعدها، وفي ضوء أقوال السلف والأئمة المهديين والعلماء الربانيين.