إننا أمة تواجه قتلة يريدون إذلالها، وحين تكون الأمم في ساحات المواجهة فإن من العبث أن تقبل هذا اللون من العهر والطعن في الظهر على أنه وجهة نظر، فما بين الخيانة والكفر والتحريض على الأمة وما بين حرية الفكر والرأي بون شاسع يعرفه العقلاء.
قلم: ياسر الزعاترة
دراسة في الحديث النبوي الشريف
بحث تمهيدي لمرحلة الماجستير
إعداد الطالب
سيف هشام صباح
بإشراف الدكتور
مسلم اليوسف
1427-1428هـ
2006-2007م
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، و أفضل الصلاة و أتم التسليم على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، و على آله و صحبه أجمعين، و التابعين و من تبع هداهم إلى يوم الدين، و بعد:
فلقد أكرم الله جلّ و عز البشرية عامة والعرب خاصة برسالة سماوية فاضلة، أتمت الشرائع السابقة لها و أكملتها، فانتظمت فيها حياة الإنسان عبادة بانتظام العلاقة مع الخالق، و معاملة بضبط العلائق مع المخلوقات، واجتهد علماء المسلمين و برعوا في بيان الشريعة الإسلامية وتحديد العلاقات و ضبطها لتكون منهجًا للحياة يرقى في التطبيق لينتظم مع أركان هذه الشريعة.
و يأت بحثنا كواحد من المحاولات الجادة لبيان بعضٍ مما اجتهد به علماؤنا الأفاضل في حديثٍ نبويٍ تلقوه عمن أوتي جوامع الكلم سيدنا محمد r في النهي عن بيعتين في بيعة، و الاستدلال من خلاله على وجهٍ مشرق من وجوه نظرية اقتصادية إسلامية، فشرعنا الإسلامي قد حض في الكثير من مفرداته على أهمية جلب المنافع و درء المفاسد، و هذا لن يكون بحال من الأحوال إلا من خلال منهج اقتصادي أخلاقي واضح و متكامل، فاعتمد الاقتصاد الإسلامي في جوهره على الأخلاق في المحافظة على مصالح الأطراف ذات العلاقة و حقوقها. و قد بينت فيه ملامح متعددة لما فصله الفقهاء و بينوه و استدلوا به في حكمهم على البيوع الواردة في إطار الأحاديث التي بينتها السنة النبوية في النهي عن بيعتين في بيعة.
أهمية البحث و هدفه:
جاء في سنة النبي r مجموعة من الأحاديث التي تبين أمر الشارع في تشريع بعض البيوع أو النهي عنها، واجتهد علماؤنا في بيانها و بيان الأحكام المتعلقة بها، و تأتي أهمية البحث في استعراض بعض الأحاديث عن النبي r في النهي عن بيعتين في بيعة، و بعض الروايات الأخرى ذات العلاقة، مع دراسة لغوية و فقهية موجزة تعرض أراء المذاهب المعتمدة. و ذلك بغية تزويد القارئ والمهتم بالاقتصاد الإسلامي بمادة علمية تجمع في طياتها عرض و شرح تفصيلي لهذه المسألة الدقيقة فالبيوع كواحدة من المعاملات حل في أصلها، و جاء النهي عن بيعتين في بيعة لتحقيق العدالة و منع الغرر و لما فيه مصلحة المتعاقدين خاصة و المجتمع بشكل عام.
فرضية البحث
إن النهي الشرعي عن بيعتين في بيعة يحقق العدالة للطرفين المتعاقدين و يمنع الغرر.
منهجية البحث
اعتمدت في هذا البحث على منهج استدلالي استنباطي، فابتدأت بتجميع ما أوردته المراجع الأصلية من أمهات كتب الفقه عامة و كتب فقه المعاملات خاصة، و ما اجتهد به أصحاب المذاهب الأربعة المعتمدة ( الشافعي، والحنفي، والحنبلي، و المالكي ) في بيانها لأحاديث عن النبي r في النهي عن بيعتين في بيعة و ذلك في إطار اقتصادي إسلامي.
مخطط البحث
مقدمة
المبحث الأول: الأحاديث الواردة في النهي عن بيعتين في بيعة.
المطلب الأول: حديث النبي r في النهي عن بيعتين في بيعة.
المطلب الثاني: الدراسة اللغوية.
المبحث الثاني: فقه الأحاديث الواردة في النهي عن بيعتين في بيعة.
المطلب الأول: الإطار العام للفقه الاقتصادي
المطلب الثاني: مذاهب الفقهاء في حكم الحديث
المطلب الثالث: فقه الأحاديث الأخرى المرتبطة بالنهي عن بيعتين في بيعة
ثبت المصادر و المراجع
الفهرس العام
المبحث الأول: الأحاديث الواردة في النهي عن بيعتين في بيعة:
المطلب الأول: حديث النبي r في النهي عن بيعتين في بيعة:
عن أبي هريرة ( t) قال:"نهى النبي r عن بيعتين في بيعة" (1)
وفي رواية ثانية لعبد الله بن عمر (رضي الله عنهما) قال: قال رسول الله r:"مُطْلُ الغني ظلم , وإذا أَحَلْتَ على مليء فاتبعه, ولا تبع بيعتين في بيعة" (2)
وفي رواية لعبد الله بن عمرو بن العاص (رضي الله عنهما) قال:"نهى رسول الله r عن سلف وبيع، وعن بيعتين في بيعة ، وعن بيع ما ليس عندك ، وعن ربح ما لم يضمن" (3)
المطلب الثاني: الدراسة اللغوية:
* البيعة (لغة) (4) :
الصَّفقة على إيجاب البيع وعلى المبايعة والطاعة، وقد تبايعوا على كذا.
والمراد بالبيعة أيضًا: العقد و"في"إما للظرفية أو السببية، بيعتين: عقدين، والبَيِّعان: البائع والمشتري.
* البيع (شرعًا) :
عقد معاوضة مالية تفيد مِلك عين على التأبيد، أو مبادلة المال المُتقوَّم بالمال المتقوم تمليكا وتملُّكا (5) . و أضاف بعض الفقهاء الحنفية شرط التراضي، فقالوا"مبادلة المال بالمال بالتراضي" (6)
و قيد التراضي يلغي كذا نوع من العقود لافتقارها للرضا كالبيع بالإكراه.
و البيوع إما أن تكون بمبادلة النقود بسلعة، أو بمبادلة سلعة بسلعة أو بمبادلة نقد بنقد،وعناصر البيع أربعة: العاقدان (البائع والمشتري) ، و صيغة العقد (القبول و الإيجاب) ، و السلعة، والثمن.
ويتم البيع بواحد من الأشكال الآتية:
1.بالأفعال: بأن تكون السلعة مسعرة أو معروفة الثمن فيأخذ المشتري السلعة و يدفع ثمنها (المعلن عنه) للبائع دونما كلام.
2.بالأقوال: فيتساوم المشتري مع البائع على الثمن غير المعلن، و في حال الاتفاق يؤدي المشتري الثمن المتفق عليه للبائع.
3.بالأفعال والأقوال: و تجمع النوعين السابقين.
المبحث الثاني: فقه الأحاديث الواردة في النهي عن بيعتين في بيعة:
المطلب الأول: الإطار العام للفقه الاقتصادي
نظمت الشريعة الإسلامية المعاملات الاقتصادية بفقه خاص عُرف بفقه المعاملات فالمسلم يلتزم بالمأمورات الشرعية و ينتهِ بالمحظورات الشرعية، و كما أرادها الشارع لا كما حبذها المسلم أو فهمها، و ميز علماؤنا بين العبادات و العادات، فبينوا أن العبادات منصوص عليها بأمر الشارع و لا يشرع منها إلا ما شرعه الله تعالى و بينته سنة النبي r ، أما العادات فقد ظهرت تلبية لحاجات دنيوية الأصل فيها عدم الحظر و المحظور منها ما حظره الله تعالى و بينته سنة النبي r. و ليس المقصود من هذا أبدًا التضييق على الناس و إنما إيجاد إطار اقتصادي إسلامي للعلاقات يكون ضابطًا للناس و مانعًا لهم من الانزلاق في المحظورات. و من أهم أركان هذا الإطار:
1.منع بعض عمليات الاتجار أو الاستصناع المرتبطة بسلع ضارة: فبالرغم من أن الإسلام دين يحض على العمل إلا أنه قد منع العمليات المرتبطة بسلع ضارة و فاسدة و مفسدة، فمنع حيازتها و تجارتها و استصناعها كالخمرة و لحم الخنزير.
2.منع كل العمليات المشوهة لأصلها: فالغش أو الكذب سبب هام للخلاف، و لما فيهما من إضاعة للحقوق. فكان الإسلام واضحًا و رادعًا في ذلك فمن غش ليس منا، سواءًا كان الغش للمسلمين أو لسواهم.
3.منع بعض المعاملات: و قد اجتهد علماؤنا في بيان موقف الإسلام من معاملات يشوبها الغرر والربا، و ميزوا بين الضرر الذي لا يمكن الاحتراز عنه و الغرر الذي يمكن الاحتراز عنه، و ذلك بهدف منع الظلم في المعاملات بين الناس. و كذلك الأمر بالنسبة للاحتكار و ما فيه من استغلال لحاجات الناس و خاصة إذا كان متعلقًا بالأقوات.