4.وضع ضوابط للمعاملات: فقد بين الفقهاء مجموعة من الضوابط كتحقيق العدل لضمان مشروعية المعاملة، فالمضاربة مثلًا و على النحو الذي شُرعت به تضمن تحقيق العدل بين الأطراف المشتركة فيها ( العمل و رأس المال) فليس لهما ضمان دخل دون النظر إلى نتيجة المشروع، والمتفق عليه شرعًا أن المضاربة تصبح باطلة إذا ما جعل صاحب العمل أو صاحب رأس المال لنفسه مبلغًا معينًا معلومًا.
المطلب الثاني: مذاهب الفقهاء في حكم الحديث: اختلف العلماء في حكمه:-
فقال الشافعي إن"بيعتين في بيعة"له تأويلان: (7)
أولهما: أن يقول: بعتك بألفين نسيئة وبألف نقدًا ، فأيهما شئت أخذت به ( يعني يفترقا من دون أن يحددا على أي شيء استقرا) ، وهنا توجد الجهالة بالثمن. والثاني: أن يقول: بعتك عبدي على أن تبيعني فرَسك.
وعلى أي من التفسيرين فالبيعُ فاسد. وعلة النهي والفساد:
* على الأول: عدم استقرار الثمن، وجهالته ، لما فيه من الإبهام والتعليق. فيكون فاسدًا عند الحنفية ، وباطلًا عند الشافعية ،والحنبلية ،وأجازه المالكية ، وجعلوه مثل الخيار.
* وعلى الثاني: لتعلقه بشرط مستقبلي يجوز وقوعه ، وعدم وقوعه ، فلم يستقر العقد.
وقال الحنفية: (8)
البيع فاسد؛ لأن الثمن مجهول، لما فيه من تعليق وإبهام دون أن يستقر الثمن على شيء: هل حالًا أو مؤجلًا. فلو رفع الإبهام وقبل على إحدى الصورتين، صح العقد. والعلة في تحريم بيعتين في بيعة: عدم استقرار الثمن في صورة بيع الشيء الواحد بثمنين، والتعليق بالشرط المستقبل في صورة بيع هذا على أن يبيع منه ذاك، ولزوم الربا في صورة بيع قفيز الحنطة.
وقال الحنابلة: (9)
إن هذا العقد باطل؛ لأنه من بيوع الغرر بسبب الجهالة،لأنه لم يجزم البائع ببيع واحد، فأشبه كأنه قال: بعتك هذا أو هذا، ولأن الثمن مجهول، فلم يصح كالبيع بالرقم المجهول، ولأن أحد العوضين غير معين ولا معلوم، فلم يصح كما لو قال: بعتك أحد منازلي.
وقالوا (10) :إن باعه سلعة بعشرة دنانير صحاحًا أو أحد عشر مكسرة لم يصح، مالم يفترقا على أحدهما، أو باعه بعشرة نقدًا أو عشرين نسيئة لم يصح البيع لعدم الجزم بأحدهما، وقد فسر جماعة حديث النهي عن بيعتين في بيعة بذلك لما ذكر مالم يفترقا على أحدهما فان افترقا على الصحاح أو المكسرة في الأولى، أو على النقد أو النسيئة في الثانية صح، لانتفاء المانع بالتعيين، ولا يصح البيع أيضًا إن جعل مع الثمن رطلًا من خمر أو كلبًا ونحوه. ولا يصح إن قال اشتريت بمائة على أن أراهن بها أي بالمائة التي بها الثمن،وبالقرض الذي لك أو نحوه مما له عليه من دين (هذا) الشيء؛ لان الثمن مجهول لكونه جعله مائة ومنفعة، وهي الوثيقة بالدين الأول وتلك المنفعة مجهولة ولأنه بمنزلة بيعتين في بيعة؛ لأنه باع بشرط أن يرهنه على الدين الأول، وكذا لو أقرضه بشرط أن يرهنه عليه وعلى دين له آخر كذا فلا يصح القرض؛ لأنه شرط يجر نفعًا.
وقال المالكية: (11)
وذلك يتصور على وجوه ثلاثة:
* مثمونين بثمنين: فإن ذلك يتصور على وجهين:
أحدهما: أن يقول له: أبيعك هذه السلعة بثمن كذا على أن تبيعني هذه الدار بثمن كذا، والثاني: أن يقول له: أبيعك هذه السلعة بدينار، أو هذه الأخرى بدينارين.
* مثمون واحد بثمنين: فإن ذلك يتصور أيضا على وجهين:
أحدهما: أن يكون أحد الثمنين نقدًا، والآخر نسيئة، مثل أن يقول له: أبيعك هذا الثوب نقدًا بثمن كذا، على أن أشتريه منك إلى أجل كذا بثمن كذا.
* مثمونين بثمن واحد على أن أحد البَيْعَين قد لزم: فمثل أن يقول له: أبيعك أحد هذين بثمن كذا. و فيه عدة وجوه:
أما الوجه الأول: وهو أن يقول له: أبيعك هذه الدار بكذا على أن تبيعني هذا الغلام بكذا، فهو لا يجوز، لان الثمن في كليهما يكون مجهولا، لأنه لو أفرد المبيعين لم يتفقا في كل واحد منهما على الثمن الذي اتفقا عليه في المبيعين في عقد واحد.
الوجه الثاني: وهو أن يقول: أبيعك هذه السلعة بدينار أو هذه الأخرى بدينارين على أن البيع قد لزم في أحدهما فلا يجوز ، وسواء أكان النقد واحدا أو مختلفا، وخالف عبد العزيز بن أبي سلمة في ذلك، فأجازه إذا كان النقد واحدا أو مختلفا، وعلة منعه الجهل، وعند مالك من باب سد الذرائع لأنه ممكن أن يختار في نفسه أحد الثوبين، فيكون قد باع ثوبا ودينارا بثوب ودينار، وذلك لا يجوز على أصل مالك.
أما الوجه الثالث: وهو أن يقول له: أبيعك هذا الثوب نقدا بكذا أو نسيئة بكذا، فهذا إذا كان البيع فيه واجبا فلا خلاف في أنه لا يجوز وأما إذ لم يكن البيع لازما في أحدهما فأجازه مالك، وجعله مالك من باب الخيار، لأنه إذا كان عنده على الخيار لم يتصور فيه ندم يوجب تحويل أحد الثمنين في الآخر، وهذا عند مالك هو المانع، وعلة امتناعه عند مالك سد الذريعة الموجبة للربا لامكان أن يكون الذي له الخيار قد اختار أولا إنقاذ العقد بأحد الثمنين المؤجل أو المعجل ثم بدا له ولم يظهر ذلك، فيكون قد ترك أحد الثمنين للثمن الثاني، فكأنه باع أحد الثمنين بالثاني، فيدخله ثمن بثمن نسيئة، أو نسيئة ومتفاضلا، وهذا كله إذا كان الثمن نقدا، وإن كان الثمن غير نقد بل طعاما دخله وجه آخر، وهو بيع الطعام بالطعام متفاضلا.وأما إذا قال: أشتري منك هذا الثوب نقدا بكذا على أن تبيعه مني إلى أجل .فهو عند مالك لا يجوز ، لأنه من باب العينة وهو بيع الرجل ما ليس عنده، ويدخله أيضا علة جهل الثمن.
وأما إذا قال له: أبيعك أحد هذين الثوبين بدينار وقد لزمه أحدهما أيهما يختار وافترقا قبل الخيار، فإذا كان الثوبان من صنفين وهما مما يجوز أن يسلم أحدهما في الثاني فإنه لا خلاف عند مالك في أنه لا يجوز، وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: إنه يجوز، وعلة المنع الجهل والغرر.وأما إن كانا من صنف واحد فيجوز عند مالك،فإنه أجازه لأنه يجيز الخيار بعد عقد البيع في الأصناف المستوية لقلة الغرر عنده في ذلك.أ.هـ
المطلب الثالث: فقه الأحاديث الأخرى المرتبطة بالنهي عن بيعتين في بيعة:
عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله r:"من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا" (12)
أوكسهما: أقلهما (13) .
فهذا الحديث ينطبق على بيع العينة: أن يبيع شيئًا بمائة إلى أجل ثم يشتريه ممن اشتراه بثمانين نقدًا فهنا بيعتان أوكسهما الثمن الحال ، وأن اخذ بالأكثر أخذ الربا . وقد نزله الخطابي على بعض صور العينة (14) .
وهذه الصورة هي عبارة عن وسيلة تتضمن الربا المحرم ولكن بحيلة تأخذ صورة البيع حيث يعود حاصل البيعين إلى أن يبدل نقوده بنقود أكثر وهذا ما موجود في الربا فلا يكون له الحق
إلا في أوكس الثمنين وهو النقد ، فأن أصر على الزيادة فقد أربى.
وقال الخطابي وغيره يحتمل أن يكون ذلك في قصة بعينها كأنه أسلف دينارا في قفيز حنطة إلى شهر فحل الأجل فطالبه فقال بعني القفيز الذي لك على إلى شهرين بقفيزين فهذا بيع ثان قد دخل على البيع الأول فصار بيعتين في بيعة فيرد إلى أوكسهما وهو الأصل فان تبايعا البيع الثاني قبل فسخ الأول كانا قد دخلا في الربا والله سبحانه وتعالى أعلم . (15)
وهنا يأخذ شكلا آخرا الحديث فهو يدخل في ضمن صورة بيع الدين بالدين أو الكالئ بالكالئ
والذي نهى عنه الرسول r ، فعن عبد الله بن عمر ( رضي الله عنهما ) أن النبي r"نهى عن بيع الكالئ بالكالئ" ( 16) يعني: الدين بالدين.