فهرس الكتاب

الصفحة 537 من 1226

فقد تبين أن صورة الرواية الثانية من خلال تطبيقها في صورة بيع العينة أو صورة بيع الدين بالدين ففي كلا الحالتين إن لم نأخذ بأوكس الثمنين فان الحالة ستؤول إلى الربا الفاحش وان البيع يتضمن العلة الربوية.

ويتوجه الحديث إلى معنى آخر من الصور أي نحو البيع الذي يتم على سعرين أو ثمنين من دون تعيين واحد منهما وهذا ما تكلمنا عنه في تفسير حديث النهي عن بيعتين في بيعة فان إضافة أوكسهما أو الربا يتوافق مع فكرة السعرين إما النقد أو النسيئة فأيهما شئت أخذت فان هنا العلة لم يتم تحديد أي السعرين تم الأخذ به ويغادر المجلس المتعاقدان دون الاتفاق على أي الثمنين ويفترقا على الإبهام والجهالة في المثمن وعدم استقرار الثمن ، فان أتى بعد مدة وطلب المشتري أخذ المثمن بسعر النقد ورفض البائع ذلك فعليه أن يعود إلى أوكسهما ( انقصهما) وهو النقد فان أبى إلا النسيئة فالموضوع دخل في حيز الربا، كأنه أخذ الزيادة في بيع النسيئة كمنفعة يشترطها دون رضى الطرف الآخر ؛ وبذلك لا يصح البيع .

وفي رواية أخرى تسند الحديث الذي يدعم فكرة وقوع المتعاقدان في الربا هو ما رواه عبد الله بن مسعود (t) ، قال:"الصفقة في الصفقتين ربا"، وقال"صفقتان في صفقة ربا". (17)

وفي رواية أخرى عنه في نفس الصدد قال:"لاتحل صفقتان في صفقة إن رسول الله r، لعن آكل الربا، وموكله، وشاهديه، وكاتبه". (18)

الصفقة: البيعة ، صفقتان: بيعتان .

وقد ورد تفسير في الرواية الأولى والثانية لمعنى الصفقتان في صفقة وهو أن يقول الرجل: إن كان بنقد فبكذا ، وإن كان بنسيئة فبكذا. (19)

وقال سفيان:"يقول: أن باعه بيعا ، فقال: أبيعك هذا بعشرة دنانير ، تعطيني بها صرف دراهمك". (20)

وقال سماك:"الرجل يبيع البيع ، فيقول: هو بنساء بكذا وكذا ، وهو بنقد بكذا وكذا*. (21) "

وتكون شبهة الربا واضحة ، ووجه ذلك أنه إذا ملك السلعة أو العين بدينار نقدًا وبدينارين لأجل وقد وجب عليه أحدهما كأنما وجبت عليه بدينار نقدًا فأخره فجعله بدينارين إلى أجل ، أو كأنما وجبت عليه بدينارين إلى أجل فعجلهما فجعلهما بدينار نقدا (ضع وتعجل) .

وان الزيادة هنا في بيع النسيئة تصبح في محل ربا لان التحديد لم يكن واضح ، والجهالة في عدم التقدير ، فقد كان القول في محل الصفقتان في صفقة من باب أكل الربا .

وقد نقل عن زين العابدين علي (t) انه كان يرى حرمة بيع الشيْ بأكثر من سعر يومه لأجل النساء، على الرغم من أن هذه الصورة مشروعة في الصحيح من قولى العلماء .

والموضوع هنا يدخل في أمر البيع بالتقسيط والذي أجازه الكثير من أهل العلم وفرقوه عن بيعة في بيعتين التي تتجه إلى منحى الربا .

وقد قال الثوري:"إذا قلت: أبيعك بالنقد إلى كذا ، وبالنسيئة بكذا وكذا ، فذهب به المشتري، فهو بالخيار في البيعين ما لم يكن وقع بيع على أحدهما ، فإن وقع البيع هكذا، فهذا مكروه، وهو بيعتان في بيعة، وهو مردود ، وهو الذي ينهى عنه ، فإن وجدت متاعك بعينه أخذته ، وإن كان قد استهلك فلك أوكس الثمنين وأبعد الأجلين. (22) "

وفي رواية أخرى تتعلق بنفس الموضوع الذي نبحث فيه وهو النهي عن بيعتين في بيعة:

فعن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده (رضي الله عنهما) قال: قال رسول الله r:"لا يحل سلف وبيع , ولا شرطان في بيع , ولا بيع ما ليس عندك , ولا ربح ما لم تضمن".

أخرجه الخمسةوصححه الترمذي والحاكم (23)

وهذا الحديث هو صورة من صور البيعتين في بيعة أو يدخل ضمن محتواها.

وقد أختلف في تفسيرها: (24)

فقيل: هو أن يقول بعت بكذا نقدأ. وبكذا نسيئة ، فيكون كالبيعتين في بيعة ، وهو مروي عن زيد بن علي وأبي حنيفة.

وقيل هو أن يقول: بعتك هذه السلعة على أن تبيعني السلعة الفلانية بكذا،

وقيل: هو أن يشترط البائع على المشتري أن لا يبيع السلعة ، أو لا يهبها.

ولا يخفى القول أن القول الثاني إنما هو بيع مجزوم بشرط واحد ليس بشرطين فهو من قبيل النهي عن بيع وشرط ، وان القول الثالث: لو اشترط أحد الشرطين يفسد البيع ، فلا موضع لذكر الثاني، فالراجح هو الأول لأنه تحقق فيه ظرفية العقد لشرطين يدور العقد بينهما.

ولتوضيح الشروط يقتضي الأمر أن نشير لتقسيماتها فهي تنقسم إلى ثلاثة أنواع كما وردت في المذاهب

أولا: الشرط الصحيح: وهو ما يقتضيه العقد ، أو يلائمه أو ورد به الشرع أو العرف

ثانيا: الشرط الباطل: وهو ما كان فيه ضرر لأحد المتعاقدين ، كأن يشترط على المشتري ألا يبيع سلعة ، ومثل اشتراط الولاء للبائع في بيع العبد ، فهذا الشرط باطل والعقد صحيح.

ثالثًا: الشرط الفاسد:وهو الذي لا يقتضيه العقد ولا ورد به الشرع، ولاجرى به العرف، لكن فيه منفعة لأحد المتعاقدين ، كشراء الدقيق على شرط أن يخبزه ، والدار على أن سكناها شهرًا أو سنة ولم يكن بذلك عرف، وكذا شراء الدابة على أن يستخدمها البائع أسبوعا أو شهرًا، وليس فيها أي عرف.فجميع هذه الشروط وأمثالها فاسدة والعقد يفسد بها عند الحنفية على اصطلاحهم (25) . وان فساد العقد عند الحنفية يعني البطلان عند غيرهم ؛ لأن الفساد والبطلان واحد عند غير الحنفية ، سوى قول عند الحنابلة يصح العقد بشرط واحد فيه منفعة لأحد المتعاقدين ويبطل بشرطين. (26)

أما ما يخص الحديث الذي نحن بصدده فان خلاصة القول فيه أن المراد من (( شرطان في بيع ) )هو نفس معنى (( بيعتين في بيعة ) )وهو أن بيعه السلعة بثمنين أي شرطين واحد مؤجل وواحد معجل، وكذلك أن يبيعه السلعة بثمن مؤجل ب (200) مثلًا، ثم يعود ويشتريها من نفس الشخص نقدًا ب (150) ، فهذا البيع معروف ببيع العينة، فهو (( بيعتين في بيعة ) )ويتحقق به (( له أوكسهما أو الربا ) )، وهذا هو (( الشرطان في بيع ) )، وقد تبين انه احد ذرائع الربا من خلال سياق الحديث فقد جاء بعد (( لايحل سلف وبيع ) )لمافيه من شبهة الربا.

وكلا التفسيرين لشرطان في بيع مقبول،وهما ممنوعان، لاشتمال كل منهما على الربا، ففي التفسير الأول أن اخذ ببيع النسيئة بدون النقد فتحقق معنى الربا، وفي التفسير الثاني هو بيع ربوي واضح من خلال شراء نقدًا بأقل من سعر بيعها مؤجلًا وان الفرق بين البيعين الذي سيتحصل عليه البائع في فترة انقضاء الأجل هو الفائدة المادية أو الانتفاع المحرم بعينه وعلى ضوء ذلك يكون الشرطان في بيع في محل شبهة الربا.

بيع التقسيط أو البيع لأجل وبماذا يختلف عن (( بيعتين في بيعة ) ):

لابد كان من التطرق اولًا إلى موضوع بيع التقسيط أو البيع لأجل بسعر أعلى من سعر النقد أو الحال، ولذلك سنورد آراء العلماء في هذا البيع، فقد كانوا يمثلون اتجاهين في بيع التقسيط (27) :

الأول: اتجاه المانعين (وهم قلة) :

أنكر بعض العلماء مشروعية بيع التقسيط أو لأجل وهم زين العابدين علي بن الحسين،والناصر والمنصور بالله،والهادوية،والإمام يحيى،واحتجوا بما رواه أبو داؤد عن أبي هريرة (t) قال:قال رسول اللهr"من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا".أي (( انقصهما أو أقلهما ) ).

الثاني: اتجاه المجيزين (وهم جمهور العلماء) :

منهم زيد بن علي والمؤيد بالله،والمذاهب الأربعة (الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة) ،ويعتبرون أن البيع لأجل أو البيع بالتقسيط جائز ولو كان بسعر أعلى من سعر النقد، أي بثمن مؤجل أو مقسط يزيد على سعر البيع بالثمن المعجل، بأن يكون البيع بثمن أكثر من ثمن السلعة الذي تباع به نقدًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت