فهرس الكتاب

الصفحة 433 من 1226

ولنفرض أن في التجربة المصرفية الإسلامية المعاصرة ما فيها من الملاحظات والثغرات فهل بناء على ذلك ترفض التجربة كلية ويطرد البديل الإسلامي أم تعالج وتقوم وتطور؟ وهل قامت إحدى الدول بمثل تلك الدراسات الجادة وعمل التطوير السليم وأعطت ذلك ما يستحقه من جهد وعناية؟ وهل نجد من أجهزة الإعلام والتوعية توجها صادقا حقيقيا نحو هذا البديل؟

وهل هناك أعمال جادة من قبل الجامعات ومراكز البحث العلمي حيال هذا البديل وتلك التجربة؟ وإذا كان هناك مثل ذلك فهل وجد الأذن الصاغية من قبل المسؤولين؟ وهل من الصواب أن يغلق الباب أمام الموضوع إلى أن يكتمل وينضج؟ وإذا فعلت ذلك كل دولة إسلامية فأين يتم ذلك؟ إن الصدق مع النفس مطلوب في كل شأن من شؤوننا وعلينا أن نتحراه وإن رأينا فيه الهلاك فإن فيه النجاة .

هذا تعليق سريع على البديل الإسلامي وإلى أي مدى يمكنه أن يلبي مصلحة الأمة الإسلامية .

نعود إلى خلاصة الباحث فقد بقي فيه نقطتان:

الأولى: هي القيمة المالية للزمن في النشاط الاقتصادي ، وقد ذكرها الكاتب مدعما بها وجهة نظره وبالتأكيد فإن ما قدمه في هذا الصدد يحسب عليه ولا يحسب له ، وإضافة هذه الفقرة زادت الكلام وهنا على وهن . ذلك أنه باتفاق العلماء فإن للزمن قيمة مالية معتدا بها شرعا في النشاط الاقتصادي ، فالثمن المؤجل يمكن شرعا أن يكون أكبر من

الحال والثمن في السلم يمكن أن يكون أقل من الثمن في غيره ، الإسلام لم يعتد بأي قيمة مالية للزمن في مجالات أخرى من أهمها الدين والقرض ففيه خمسة حالة تساوي تماما خمسة مؤجلة ، وكيلوجرام حال يعادل كيلو قمح مؤجلا تماما بتمام . ومعنى ذلك أننا نحتكم للإسلام في الاعتداد بالقيمة المالية للزمن من عدمه . وكم كان حريا بالأخ الكاتب أن يدرك أن القرض بزيادة هو إعمال للقيمة المالية للزمن ، فهل الشرع بذلك؟ ولو تأمل الكاتب الأقوال العديدة التي نقلها في الصدد عن الفقهاء لاتضح له أنهم قالوها في معرض تحريم الربا في معرض تجويزه وإباحته . وإلا لجاز شرعا بيع خمسة بستة مؤجلا التساوي في القيمة المالية بين خمسة حالة وستة مؤجلة لكن ذلك بنص الحديث الشريف ، وهناك دراسات حديثة توضح تلك المسألة على حقيقتها (1) .

الثانية: وهي النقطة الأخيرة في بحث الأخ الكاتب وتتعلق بتقلب وتدهور قيمة النقود بفعل التضخم المستمر . ويخلص من ذلك إلى أنه من العدل إباحة الفائدة قائلا:"ولذلك لا يستطيع أحد الآن أن القيمة العددية للنقود معبرة عن قدرة اقتصادية أو قوة شرائية يتعين المدين أن يردها كاملة ، ولذلك فإن المهلة الممنوحة للمدين في القرض لم تفوت على الدائن مكسبه فحسب بل إن هذه المهلة بل إن هذه المهلة تسبب له خسارة مالية بسب نقص القوة الشرائية لديه ، ومن ثم فهناك توازن ضار بالدائن الأمر الذي نستخلص منه ضرورة الترخيص بالقرض بفائدة لأنه من العدل والإنصاف أن يشترك الدائن والمدين معا في احتمالات التقلبات النقدية وذلك بأن يتحمل الدائن نقص قيمة النقود ,"

(1) من ذلك كتاب تمويل التنمية في الاقتصاد الإسلامي لكاتب هذه الورقة نشر مؤسسة الرسالة .

والمدين بأن يدفع الفوائد وبذلك تتحقق أهداف الفائدة العامة خارج نطاق أي تحريم"."

أما أن قيمة النقود تتعرض للتقلب الدائم فهذا ما لا شك فيه لأنه حقيقة قائمة ، لكن علاج ذلك من خلال الفائدة غير صحيح شرعا واقتصادا . وهناك أبحاث متخصصة في ذلك (1) يمكن للكاتب الرجوع إليها وهل يجادل الأخ الكاتب بأن الفائدة ذاتها هي أحد العوامل الأساسية وراء هذا التقلب المستمر في قيمة النقود؟ وكنا نود من الكاتب أن يعمل فكره ليجد لنا علاجا ناجعا لهذه المشكلة صحيحا شرعا بدلا من القول باستخدام أداة مجمع على حرمتها وضررها الاقتصادي أبلغ من نفعها إن كان لها نفع . ثم إن الترخيص هو تشريع ، ومن الذي يملكه هل أنا أو هو أو أحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالاعتماد القوي الواضح على نص شرعي وإذا كان من يملكه لم يفعله فهل الشريعة جاءت لعصر دون عصر؟ ويختم الكاتب كلامه بالتوجه بالدعوة الملحة لأهل الخبرة والرأي والإفتاء للتعاون من أجل الوصول إلى إجماع في الرأي حول الأعمال المصرفية . ونحن نضم صوتنا لصوته لكنا نذكر الكاتب بالقرار الذي اتخذه مجمع البحوث الإسلامية بتحريم الفائدة على الدين بالإجماع ، وكذلك بالعديد من الفتاوى التي صدرت عن الرئاسة العامة للإفتاء بهذا الشأن .

وبعد فهذا تعقيب أو رد على ما قدمه الكاتب ويمكن إجمال هذا كله في كلمة؛ لقد تصور الباحث أن الربا المحرم قطعيا فقط هو ربا الجاهلية المذكور في القرآن الكريم وليت الأمر وقف عند هذا الحد بل

(1) انظر في ذلك للكاتب بحث ''تقلبات القوة الشرائية للنقود وأثر ذلك على الائتمان الاقتصادي والاجتماعي''. مجلة المسلم المعاصر العدد 41.

قد استند إلى مقدمات واهية في تحديده لربا الجاهلية؛ لقد حدده بزيادة طارئة لمدين محتاج للصدقة . ومعنى ذلك أن الزيادة الأصلية ليست محرمة لأنها ليست من ربا الجاهلية وهو بذلك يخرج قسما كبيرا من ربا الجاهلية أو ربا النسيئة من نطاق الحرمة ، كذاك فإنه يقيده بما إذا كان المدين أقل غنى من الدائن وأنه تجوز عليه الصدقة وأي صورة لا تحقق ذلك لا تدخل في نطاق ربا الجاهلية وهكذا فهو لم يقصر الربا المحرم على ربا النسيئة حسب بل قصر الحرمة على بعض صور ربا النسيئة . وقد ثبت لنا كل ذلك غير صحيح ، كما ثبت أيضا أن الإيداع المصرفي الذي هو باعتراف خبرائه من باب القرض هو صورة طبق الأصل من صور ربا الجاهلية وقد أجمع العلماء بكافتهم على حرمة الزيادة المشترطة على الدين أو القرض بغض النظر عن كون القرض لغرض إنتاجي أو استهلاكي وعن كون المدين أكثر غنى أو أقل غنى من الدائن .

وفي النهاية يهمني أن أؤكد أنني ما قصدت بذلك تعريضا أو سوء ظن بالكاتب أو بغيره بل كل القصد أن أسهم بما لدى من معرفة ضئيلة في هذا الموضوع عسى أن يكون فيها ولو بعض الصواب فينتفع بها الناس في دنياهم وأخراهم .

وإنني أهيب بالأخ الكريم أن يتقي الله تعالى فينا وفي عمله ووظيفته وبدلا من هذا الجهد الذي أقل ما يمكن أن يوصف بأنه جهد ضائع . ومضيع لمجهود الغير بدلا من ذلك نهيب به أن يبذل جهدا فعالا ومؤثرا في إبراز مساوئ الفائدة بأسلوب تحليلي ثم في تطوير الأسلوب البديل الذي يحقق أعلى فعالية اقتصادية في إطار من الشريعة الإسلامية . والله تعالى نسأل أن يهدينا جميعا سواء السبيل .

شوقي أحمد دنيا من أفذاذنا العلماء الشيخ محمد بن إبراهيم

حول بحثه: موقف الشريعة الإسلامية من المصارف

مجلة البحوث الإسلامية - (ج 23 / ص 121)

رد الشيخ صالح بن عبد الرحمن الحصين

على الدكتور إبراهيم الناصر

حول بحثه: موقف

الشريعة الإسلامية من المصارف

كان الدكتور إبراهيم الناصر قد دفع البحث الذي كتبه بعنوان"موقف الشريعة الإسلامية من المصارف"إلى صالح الحصين ، وطلب منه أنه يكتب ملاحظاته على البحث بكل صراحة وبدون مجاملة ، فكتب له رسالة مطولة نقتطف منها ما يأتي مع ملاحظة أنا حافظنا على عبارات الأصل عدا حالات نادرة اقتضى حسن السياق تغيير اللفظ مع بقاء المعنى .

الملاحظة الأولى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت