فهرس الكتاب

الصفحة 434 من 1226

ليست مناقشة بل هي بالأحرى عتب ، إذ كان الانطباع لدي عند قراءتي للبحث لأول وهلة أنه لم يكتب بجدية تتناسب مع موضوعه ، بل أخشى أن يكون كتب بطريقة أقرب إلى العبث وعدم الاحتفال .

لا أقصد ، وقد انتصبتم للاجتهاد في الإفتاء في مسألة ترونها جديدة وخطيرة . (ص 11) أنه كان يجب أن تطلعوا على النصوص الشرعية المتصلة بالموضوع وأن تعملوا القواعد الفقهية في الاستنباط منها ، وأن تستخدموا المقاييس والموازين الشرعية للترجيح بين الأدلة ، فأنتم معذورون في التقصير في هذا ؛ لأنه ليس لديكم الإمكانيات اللازمة لذلك .

أقول لا أقصد هذا وإنما أقصد أنه كان يتوقع منكم وقد تصديتم للكتابة في مثل هذا الموضوع أن تتقيدوا بمنهج البحث العلمي تفكيرا وتعبيرا ، الأمر الذي حرم منه هذا البحث كما يتضح من الملاحظة الثانية .

الملاحظة الثانية:

أدق وصف للبحث أنه خليط مشوش من اقتباسات أخذت من كتابة سابقة ، كانت أكثر جدية وقد حررت للهدف نفسه الذي رمى إليه البحث وهو التماس المخرج الفقهي لإباحة"الفائدة الربوية".

والإشكال جاء من أن الكتابة المشار إليها كانت عرضا لنظريات متباينة ومتعارضة فكل نظرية منها ذهبت مذهبا في التأسيس والتخريج ، وكان من المستحيل أن يجيء باحث فيأخذ بها جميعا في وقت واحد ، إنك لا تستطيع أن تصل إلى هدف واحد بالسير في إتجاهين متعارضين .

إن الباحث لم ينتبه لهذا التناقض الذي وقع فيه البحث ؛ لأنه في حمى الوصول إلى النتيجة التي قررها مسبقا لم يبال أن يصل إليها بمقدمات وهمية ، أو يكون إيصالها للنتيجة وهما ، لقد اكتفى بصورة الحجة لا حقيقتها ، عناه أن يكون يورد الشبهة ولم يهتم بإيراد الدليل .

إن الكتابة المشار إليها التي اقتبس منها هي بحث"محل العقد"في كتاب ( مصادر الحق ) للأستاذ السنهوري ، وبدون أن يشير لهذا المرجع نقل منه بالنص (1) . وقد يكون الأمر في هذا قاصرا على عدم الالتزام الخلقي لو أحسن النقل ولم ينقل بعض الأفكار نقلا خاطئا ، ولو استطاع الاستفادة من المعلومات التي تضمنها هذا المرجع ، أو من طريقة البحث التي انتهجها ، ولكن كل ذلك لم يحصل .

لقد اهتم الأستاذ السنهوري غفر الله له - كما اهتم الباحث - بالوصول إلى إباحة الفائدة ، وعرض ثلاث نظريات في الموضوع ، وجاء الباحث فاقتبس من كل هذه النظريات مع اختلافها في الأساس وتعارضها فلم يكن

(1) الصفحات رقم 4 ، 5 ، 6 فنقلها بالحرف من ( مصادر الحق) الجزء الثالث من ص 197 ، 223 ، 224 ، 225 ، 226 ، 227 ، 229 ، 242 ، 243 ، 248 .

غريبا أن يؤدي هذا الخلط المشوش من الاقتباسات إلى وقوع البحث في التناقض ، والبعد عن الطريقة العلمية .

لقد قرأت البحث عدة مرات بغرض مناقشته ، ولكني انتهيت إلى أن من المستحيل أن تناقش مناقشة علمية بحثا يبعد كل هذا البعد عن الطريقة العلمية ، ولا يلتزم بقواعد المنطق القانوني ، ورأيت أن السبيل الوحيد لمناقشة البحث ، أن أرده أولا إلى الأصول التي أخذ منها ، وأن أعرضها بالصورة التي وردت بها في مرجعه ثم أناقشها . ويتضح هذا بالملاحظة الثالثة .

الملاحظة الثالثة:

عرض الأستاذ السنهوري في مصادر الحق ثلاث نظريات لإباحة الفائدة .

(1) نظرية الدكتور معروف الدواليبي وهو موضوع محاضرة ألقاها في مؤتمر الفقه الإسلامي المعقود في باريس عام 1951 م ، ويلخصها الأستاذ السنهوري بما يأتي:

الربا المحرم إنما يكون في القروض التي يقصد بها إلى الاستهلاك لا إلى الإنتاج ، ففي هذه المنطقة - منطقة الاستهلاك - يستغل المرابون حاجة المعوزين والفقراء ويرهقونهم بما يفرضون عليهم من ربا فاحش ، أما اليوم وقد تطورت النظم الاقتصادية وانتشرت الشركات وأصبحت القروض أكثرها قروض إنتاج لا قروض استهلاك ، فإن من الواجب النظر فيما يقتضيه هذا التطور في الحضارة من تطور في الأحكام ، ويتضح ذلك بوجه خاص عندما تقترض الشركات الكبيرة والحكومات من الجماهير وصغار المدخرين ، فإن الآية تنعكس والوضع ينقلب ويصبح المقترض وهو الشركات والحكومات هو الجانب القوي المستغل ، ويصبح المقرض أي صغار المدخرين هو الجانب الضعيف الذي تجب له الحماية ، فيجب إذن أن يكون لقروض الإنتاج حكمها في

الفقه الإسلامي ، ويجب أن يتمشى هذا الحكم مع طبيعة هذه القروض ، وهي طبيعة تغاير مغايرة تامة طبيعة قروض الاستهلاك ، والحل الصحيح أن تباح قروض الإنتاج بقيود وفائدة معقولة ، ويمكن تخريج هذا على فكرة الضرورة أو فكرة المصلحة أي تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة ، كما لو تدرع العدو بمسلم فيقتل المسلم للوصول للعدو .

(2) نظرية الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله وهي كما تتلخص من المرجع المشار إليه آنفا كما يأتي:

الربا المحرم هو ربا الجاهلية وحده ، فهو الربا الوارد في القرآن الكريم ، وهو الربا الذي يؤدي إلى خراب المدين . أما ربا النسيئة وربا الفضل الواردان في الحديث الشريف فالنهي عنهما إنما جاء للذريعة إلى الربا المحرم القطعي وهو ربا الجاهلية ، وهذه الذريعة مظنونة لا قطعية فالشيخ رشيد يرى أن بيع الأصناف الستة بمثلها مع التفاضل فضلا عن تثمير الأموال في الشركات التجارية كل هذا لا يدخل في الربا المحرم يقول:"وإنما يظهر من سبب النهي عن هذه البيوع أنه سد لذريعة الربا المحرم القطعي ، وهذه الذريعة مظنونة لا قطعية ، ومن المنهيات في الحديث ما هو محرم وما هو مكروه وما هو خلاف الأولى ."

(3) نظرية الأستاذ السنهوري غفر الله له وملخصها:

الأصل في الربا تحريم الربا في جميع صوره سواء كان ربا الجاهلية أو ربا النسيئة أو ربا الفضل على أن هناك صورة من الربا هي أشنع هذه الصور صورة الربا الذي تعودته العرب في الجاهلية ، فيأتي الدائن مدينه عند حلول أجل الدين ويقول:"إما أن تقضي وإما أن تربي". وهذا أشبه بما نسميه اليوم . . الربح المركب . . هذه الصورة من الربا في العصر الحاضر هي التي تقابل ربا الجاهلية ، وهي محرمة تحريما قاطعا لذاتها تحريم مقاصد لا تحريم وسائل .

أما الصور الأخرى من الربا ، الفائدة البسيطة للقرض وربا النسيئة وربا الفضل فهي أيضا محرمة .

ولكن التحريم هنا تحريم وسائل لا مقاصد ، بعض هذه الصور ، وهي الخاصة بالأصناف الستة وبفائدة القرض وردت بنصوص صريحة في الأحاديث الشريفة وبعضها وهي الخاصة بالأصناف الأخرى . . كان من عمل الفقهاء ، وهي تقوم على صناعة فقهية لا شك في سلامتها ، وكلها وسائل لا مقاصد وقد حرمت سدا للذرائع ، ومن ثم يكون الأصل فيها التحريم وتجوز استثناء إذا قامت الحاجة إليها ، والحاجة هنا معناها مصلحة راجحة في صورة معينة من صور الربا تفوت إذا بقي التحريم على أصله عند ذلك تجوز هذه الصورة استثناء من أصل التحريم وتجوز بقدر الحاجة القائمة فإن ارتفعت الحاجة عاد التحريم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت