فهرس الكتاب

الصفحة 435 من 1226

وفي نظام اقتصادي رأسمالي كالنظام القائم في الوقت الحاضر في كثير من البلاد . . تدعو الحاجة العامة الشاملة إلى حصول العامل على رأس المال حتى يستغله بعمله وقد أصبحت شركات المضاربة وغيرها غير كافية للحصول على رأس المال اللازم . . القروض هي الوسيلة الأولى وكذلك السندات ، والمقترض هنا هو الجانب القوي والمقرض هو الجانب الضعيف . . . فما دامت الحاجة قائمة للحصول على رؤوس الأموال من طريق القرض . . فإن فائدة رأس المال في الحدود المذكورة ونقصد بذلك ( أولا ) : أنه لا يجوز بحال مهما كانت الحاجة قائمة أن تتقاضى فوائد على متجمد الفوائد ، فهذا هو ربا الجاهلية الممقوت . ( ثانيا ) : وحتى بالنسبة للفائدة البسيطة يجب أن يرسم لها واضع القانون حدودا لا تتعداها من حيث سعرها ، ومن حيث طريقة تقاضيها ، ومن وجوه أخرى وذلك حتى نقدر الحاجة بقدرها .

وحتى بعد كل هذا فإن الحاجة إلى الفائدة لا تقوم كما قدمنا إلا في

نظام رأسمالي كالنظام القائم فإذا تغير هذا النظام ، ويبدو أنه في سبيله إلى التغيير . . . عند ذلك يعاد النظر في تقدير الحاجة فقد لا تقوم الحاجة فيعود الربا إلى أصله من التحريم . انتهى .

بعد استعراض هذه النظريات لن أناقشها من ناحية الفقه الشرعي ، وإنما أترك لرجل من أعظم رجال القانون في العالم العربي ، وهو الأستاذ السنهوري أن ينقض النظريتين الأوليين على أساس المنطق القانوني ، وقبل ذلك ألفت النظر إلى الاختلاف الكامل بل إلى التعارض بين النظريات الثلاث في الأساس الذي بنت عليه الأمر الذي لا يسمح بالجمع بينها كما فعل الباحث .

عن النظرية الأولى نظرية الدكتور معروف الدواليبي يقول الأستاذ السنهوري في المرجع السابق المشار إليه:"يؤخذ على هذا الرأي أمران:"

(1) يصعب كثيرا من الناحية العملية التمييز بين قروض الإنتاج وقروض الاستهلاك حتى تباح الفائدة المعقولة في الأولى وتحرم إطلاقا في الثانية ، قد يكون واضحا في بعض الحالات أن القروض قروض إنتاج كالقروض التي تعقدها الحكومات والشركات لكن . . . من القروض صورا أكثرها وقوعا وهي القروض التي يعقدها الأفراد مع المصارف ، فهل هي قروض إنتاج تباح فيها الفائدة المعقولة أو هي قروض استهلاك لا تجوز فيها الفائدة أصلا ؟ وهل نستطيع هذا التمييز في كل حالة على حدة فنبيح هنا ونحرم هناك ؟ ظاهر أن هذا التمييز متعذر ولا بد إذن من أحد الأمرين إما أن تباح الفائدة المعقولة في جميع القروض أو تحرم في جميعها .

(2) إذا فرضنا جدلا أنه يمكن تمييز قروض الإنتاج فإن تخريج جواز الفائدة المعقولة في هذه القروض على فكرة الضرورة لا يستقيم ؛ فالضرورة بالمعنى الشرعي ليست قائمة ، وإنما هي الحاجة لا الضرورة ، وينبغي التمييز بين الأمرين .

وعن نظرية الشيخ محمد رشيد رضا يقول السنهوري في المرجع ذاته:

غني عن البيان أن القول بأن ربا النسيئة وربا الفضل إنما نهي عنهما في

الحديث الشريف نهي كراهة لا نهي تحريم لا يتفق مع ما أجمعت عليه المذاهب الفقهية ، وقد اعترض الأستاذ زكي الدين بدوي بحق على هذا الرأي في مقاله المنشور في مجلة القانون والاقتصاد حيث قال:"إنه يتعذر التسليم بقوله بعدم دخول الأصناف الستة في الربا المحرم ؛ لأن بيع هذه الأصناف وإن كانت وسائل وذرائع إلى الربا إلا أنها وسائل وذرائع منصوصة ، ودلالة الأحاديث عليها لا تختلف فيها الأفهام ، أما قوله أن النهي عن بيع هذه الأصناف كان تورعا ؛ لإفادة أن بيعها خلاف الأولى أو للكراهة فقط لا للتحريم ، فدعوى تتعارض مع ظواهر النصوص والمأثور عن الصحابة"، ويبدو أنه يجب الذهاب إلى مدى أبعد مما ذهب إليه الأستاذ زكي الدين ، والقول بأن ربا النسيئة وربا الفضل لا يقتصران على الأصناف الستة المذكورة في الحديث الشريف بل يجاوزانها إلى ما عداهما إليه المذاهب الفقهية من الأصناف الأخرى ، وهذا هو الذي انعقد عليه الإجماع ، وإن كل ذلك ربا محرم لا مكروه فحسب ، وننتهي الآن إلى مناقشة نظرية أستاذنا السنهوري فنقول:

إذا كان الأستاذ السنهوري معذورا من جهة أنه حرر نظريته والواقع المعاش في ذلك الوقت أنه لا يوجد تطبيق مصرفي عملي إلا محكوما بأحد النظامين ؛ النظام اللاربوي الشيوعي والنظام الربوي الرأسمالي ؛ فإن الوضع الآن قد تغير ووجدت تطبيقات عملية وتجارب معاشة لنظام مصرفي ليس ربويا ولا شيوعيا هذا من ناحية ، أما من الناحية الأخرى فإن الحاجة حينما تعتبر مثل هذا الاعتبار في بعض الأحكام إنما يقصد بها الحاجة التي تفرض على الإنسان من الخارج ولا يستطيع دفعها ، أما أن يكون في إمكان الإنسان دفع الحاجة ، ثم لا ينشط لذلك فلا يجوز اعتبارها في هذه الحال وواضح بعد تغير الظروف ونجاح التطبيقات للنظام المصرفي غير الربوي أن في إمكان أي دولة إسلامية أن تحول نظامها المحلي - على الأقل - إلى نظام لا ربوي لو أرادت ذلك . وسيأتي لهذا زيادة بيان إن شاء الله .

ومن حيث بناء النظرية على التمييز بين صورة من صور الربا الجاهلية بالقول بأنها مقصودة في القرآن ، والمحرمة تحريم مقاصد وربا النسيئة - ومنه ربا القرض - بالقول بأنه ليس من الربا المقصود في القرآن ، ومحرم تحريم وسائل فهو خطأ واضح كالشمس ، ووهم زل به عالم جليل نقصد به الشيخ رشيد رضا ( وندعو الله أن يعفو عنه في جانب حسناته الجليلة والله أعلم بها ) ولكن لا يجوز تقليده في زلته ، ولو لم ترد النصوص موضحة أن ربا الجاهلية لا يقتصر على تلك الصورة لوجب أن نستيقن ذلك من طبائع الأمور وحكم العقل .

كانت مكة واديا غير ذي زرع فلم يكن اقتصاد قريش قائما على الزراعة ، وإنما كان قائما على التجارة وكانت لهم رحلتا الشتاء والصيف ، وكان منهم أصحاب الأموال ( الممولون ) وأصحاب العمل ( المحتاجون للتمويل ) وكان من الطبيعي أن يكون القرض الأداة الرئيسية للتمويل ، ولا يعقل أن الممولين من قريش لم يعرفوا إلا القرض الحسن الذي لا يكون فيه ربا .

وعندما أعلن النبي صلى الله عليه وسلم وضع ربا الجاهلية تحت قدميه الشريفتين لم يفهم أحد أبدا أنه وضع فقط صورة ( إما أن تقضي أو تربي ) وترك ربا القرض قائما غير موضوع . وحين وضع ربا العباس ، لم يكن الموضوع فقط ما كان على صورة"إما أن تقضي أو تربي"والنصوص تشهد لهذا .

فقد روى الطبري عن السدي في تفسير قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا } (1) قال: نزلت هذه الآية في العباس بن عبد المطلب ورجل من بني المغيرة كانا شريكين في الجاهلية يسلفان في الربا إلى أناس من ثقيف . . الحديث ج 6 ص 33 . كما روى عن السدي في تفسيره قوله تعالى: { وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ } (2) قال: الذي أسلفتم وأسقط الربا . ج 1 ص 27 . والسلف في اللغة هو القرض .

والعلماء عندما ذكروا صورة"إما أن تقضي وإما أن تربي"على أنها ربا

(1) سورة البقرة الآية 278

(2) سورة البقرة الآية 279

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت