الثاني: المساكين وهم الذين يجدون من كفايتهم النصف فأكثر ولكن لا يجدون ما يكفيهم سنة كاملة فيكمل لهم نفقة السنة 00 وإذا كان الرجل ليس عنده نقود ولكن عنده مورد آخر من حرفة أو راتب أو استغلال يقوم بكفايته فإنه لا يعطى من الزكاة لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب".
الثالث: العاملون عليها وهم الذين يوكلهم الحاكم العام للدولة بجبايتها من أهلها ، وتصريفها إلى مستحقيها ، وحفظها ، ونحو ذلك من الولاية عليها ، فيعطون من الزكاة بقدر عملهم وإن كانوا أغنياء .
الرابع: المؤلفة قلوبهم وهم رؤساء العشائر الذين ليس في إيمانهم قوة ، فيعطون من الزكاة ليقوى إيمانهم ، فيكونوا دعاة للإسلام وقدوة صالحة ، وإن كان الإنسان ضعيف الإسلام ولكنه ليس من الرؤساء المطاعين بل هو من عامة الناس ، فهل يعطى من الزكاة ليقوى إيمانه ؟
يرى بعض العلماء أنه يُعطى لأن مصلحة الدين أعظم من مصلحة البدن ، وها هو إذا كان فقيرًا يعطى لغذاء بدنه ، فغذاء قلبه بالإيمان أشد وأعظم نفعًا ، ويرى بعض العلماء أنه لا يعطى لأن المصلحة من قوة إيمانه مصلحة فردية خاصة به.
الخامس: الرقاب ويدخل فيها شراء الرقيق من الزكاة وإعتاقه ، ومعاونة المكاتبين وفك الأسرى من المسلمين .
السادس: الغارمون وهم المدينون إذا لم يكن لهم ما يمكن أن يوفوا منه ديونهم ، فهؤلاء يعطون ما يوفون به ديونهم قليلة كانت أم كثيرة 000 وإن كانوا أغنياء من جهة القوت ، فإذا قدر أن هناك رجلًا له مورد يكفي لقوته وقوت عائلته ، إلا أن عليه دينًا لا يستطيع وفاءه ، فإنه يُعطى من الزكاة ما يوفي به دينه ، ولا يجوز أن يسقط الدين عن مدينه الفقير وينويه من الزكاة .
واختلف العلماء فيما إذا كان المدين والدًا أو ولدًا ، فهل يعطى من الزكاة لوفاء دينه؟ والصحيح الجواز .
ويجوز لصاحب الزكاة أن يذهب إلى صاحب الحق ويعطيه حقه وإن لم يعلم المدين بذلك ، إذا كان صاحب الزكاة يعرف أن المدين لا يستطيع الوفاء .
السابع: في سبيل الله وهو الجهاد في سبيل الله فيعطى المجاهدون من الزكاة ما يكفيهم لجهادهم ، ويشترى من الزكاة آلات للجهاد في سبيل الله .
ومن سبيل الله: العلمٌ الشرعي ، فيعطى طالب العلم الشرعي ما يتمكن به من طلب العلم من الكتب وغيرها ، إلا أن يكون له مال يمكنه من تحصيل ذلك به .
الثامن: ابن السبيل وهو المسافر الذي انقطع به السفر فيعطى من الزكاة ما يوصله لبلده .
فهؤلاء هم أهل الزكاة الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه ، وأخبر بأن ذلك فريضة منه صادرة عن علم وحكمة والله عليم حكيم .
ولا يجوز صرفها في غيرها كبناء المساجد وإصلاح الطرق ، لأن الله ذكر مستحقيها على سبيل الحصر ، والحصر يفيد نفي الحكم عن غير المحصور فيه .
وإذا تأملنا هذه الجهات عرفنا أن منهم من يحتاج إلى الزكاة بنفسه ومنهم من يحتاج المسلمون إليه ، وبهذا نعرف مدى الحكمة في إيجاب الزكاة ، وأن الحكمة منه بناء مجتمع صالح متكامل متكافئ بقدر الإمكان ، وأن الإسلام لم يهمل الأموال ولا المصالح التي يمكن أن تبنى على المال ، ولم يترك للنفوس الجشعة الشحيحة الحرية في شُحها وهواها ، بل هو أعظم موجه للخير ومصلح للأمم .
والحمد لله رب العالمين .
د. نهى قاطرجي
إذا كانت قراءة تاريخ الأمم والشعوب مفيدة من أجل الاطلاع على أخبارهم وأخذ العبر منها، على اعتبار المثل المعروف"التاريخ يعيد نفسه"، فإن قراءة التاريخ الإسلامي تفيد في استرجاع أسباب القوة المطلوبة لقيادة العالم من جديد، وهذا يتطلب كما هو معروف امتلاك الشروط الموضوعية التي وضعها الله عز وجل في اطار سنن ونواميس ثابتة لا تتغير .
ومما يؤكد على أن الإسلام هو المؤهل لهذه المهمة أمران: الأول صراع الحضارات التي ركّزت عليه الدول الغربية مدركة من خلاله أن الإسلام بما يمثله من تكامل ورقي هو العدو الوحيد لها، والثاني الفساد والعدوان على الناس وعلى الأموال والأعراض التي انتهجته تلك الدول مطبقة بذلك لسُنة الأفول التي جعلها الله عقابًا للمخالفين ، قال تعالى:"وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا".
هذا وقد أكّد كثير من المفكرين القدامى والمحدثين على حقيقة هذه السنن، فقال ابن خلدون في هذا المجال:"العدوان على الناس في أموالهم وحَرُمِهِم ودمائهم وأسرارهم وأعراضهم ... يفضي إلى الخلل والفساد دفعة واحدة وتنتقض الدولة سريعًا بما ينشأ عنه من الهرج المفضي إلى الانتفاض".
وقال المفكر الغربي"برتراند رسل": إن بقاء السيادة إلى الأبد ليس قانونًا من قوانين الطبيعة واعتقد أن الرجل الأبيض لن يلقى أيامًا رضية كتلك التي لقيها خلال أربعة قرون .
من هنا فإن إجراء مقارنة بسيطة بين ماضي المسلمين وحاضرهم أمر ضروري من أجل ادراك سنن الله عز وجل في النصر، والخلاص من الثقافة الانهزامية التي تتهم الإسلام بالنقص والتخلف، بينما الحقيقة كما قال المفكر"محمد أسد"أن الإسلام كان وسيبقى كاملًا بنفسه، إلا أن ما نحتاج إليه فعلًا،"هو إصلاح موقفنا من الدين، لمعالجة كسلنا وغرورنا وقصر نظرنا وبكلمة واحدة، معالجة مساوئنا نحن لا المساوئ المزعومة في الإسلام، ولكي نصل إلى احياء أسلامي فإننا لا نحتاج إلى أن نبحث عن مبادئ جديدة في السلوك نأتي بها من الخارج، إننا نحتاج فقط إلى أن نرجع إلى تلك المبادئ القديمة المهجورة فنطبقها من جديد".
ومن الاختلافات التي يمكن تسجيلها بين مسلمو اليوم ومسلمو الأمس ما يلي:
1-التمسك بالوحي الإلهي: الذي عنى به المسلمون الأوائل كل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم عن طريق الوحي، إن كان ما ورد في القرآن الكريم أو في سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية، والتي بذل المسلمون من أجل حفظها من التحريف والتدليس الغالي والرخيص من المال والوقت والجهد، وأوجدوا لأجلها العلوم الشرعية مثل علم مصطلح الحديث وعلم الجرح والتعديل، كل هذا تطبيقًا لشرع الله عز وجل الذي أورد في محكم تنزيله:"ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا".
وهذه الوحدة في مصادر الشريعة لم تعجب بعض المستغربين من أبناء المسلمين اليوم الذين دعوا إلى الفصل بين القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة فتقبلوا الأول على أن يتعاملوا مع نصوصه معاملة تاريخية، ورفضوا الآخر بحجة ضعف الأحاديث والتشكيك بالرجال، يقول"جمال البنا"في هذا المجال: إن النهوض بالإسلام يكون بالعودة"إلى القرآن الكريم مباشرة، دون تقيّد بتفسيرات المفسِّرين، وضبط السُنة بمعايير من القرآن إذ ثبت أن السند لا يمكن أن يكون معيارًا لأنه جزء من عملية الوضع التى فشت في الحديث فلم يبق إلا الاحتكام إلى القرآن. ولما كانت السُنة مبينة للقرآن، فمن البديهى أنها تلتزم"
بالقرآن. وأخيرًا عدم الالتزام بالأحكام الفقهية التى وضعها أئمة المذاهب الأربعة أو غيرهم"."
من هنا كانت الدعوة إلى فتح باب الاجتهاد الذي أرادوا من وراءه إعادة قراءة النصوص القرآنية قراءة جديدة بعيدة عن أدوات الاجتهاد وهي العلم بالكتاب والسنة واللغة العربية والإجماع الذي يمثل هوية الإسلام والمقاصد الشرعية من حفظ للنفس والعقل والدين والعرض والمال .