فهرس الكتاب

الصفحة 300 من 1226

أيها الناس لقد جرم الله تعالى الربا في كتابه وفي سنة رسوله وأجمع على ذلك علماء المسلمين في كل عصر وفي كل مصر لم يختلف منهم في تحريمه اثنان قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله [البقرة:278-279] . وأي جرم في المعاملة أبلغ من معاملة يكون فيها الإنسان معلنا بحرب الله رسوله . وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (( لعن رسول الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء ) )رواه مسلم. ولقد بين رسول الله ما يكون فيه الربا وكيف يكون ففي صحيح مسلم عن عبادة بن الصامت أن النبي قال: (( الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مِثْلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد ) ). وله من حديث أبي سعيد أن النبي قال: (( فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء ) ).

فبين رسول الله في هذا الحديث أنه لا يجوز بيع الذهب بالذهب إلا بشرطين، الأول: أن يكونا سواء في الوزن لا يزيد أحدهما على الآخر، والثاني: أن يكون ذلك يدا بيد بمعنى أن يسلم كل واحد من الطرفين لصاحبه ما بادله به قبل أن يتفرقا فإن زاد أحدهما على الآخر فهو ربا والعقد باطل، وإن تفرقا قبل القبض من الطرفين فالعقد باطل، وهو من الربا أيضا، وهكذا إذا بيعت الفضة بالفضة أو البر بالبر أو الشعير بالشعير أو التمر بالتمر أو الملح بالملح فلا بد من هذين الشرطين: التساوي والقبض من الطرفين فلو باع صاعا من بر بصاع منه وزيادة فهو ربا ولو كانت القيمة واحدة، وعلى هذا فإذا كان عند امرأتين حلي وأحبت إحداهما أن تبادل الأخرى فلا يجوز إلا أن يوزن حلي كل واحدة منهما فيكونا سواء وأن تتقابضا قبل التفرق، وأجاز بعض العلماء التبادل مع زيادة أحدهما على الآخر إذا كان مع الناقص شيء يقابل الزيادة أما إذا بيع الذهب بالفضة فإنه لا يشترط التساوي وإنما تشترط التقابض قبل التفرق بحيث يقبض البائع الثمن كاملا ويقبض المشتري ما اشتراه كاملا، فلو باع شخص سوارين من ذهب بمائتي ريال وكل واحد يساوي مائة فأعطاه المشتري مائة ريال وأخذ السوارين وقال آتي لك بعد قليل ببقية الثمن فهذا حرام عليهما ولا يصح البيع إلا في سوار واحد فقط أما السوار الثاني فبيعه باطل لأن ما يقابله من الثمن لم يقبض.

ولقد بلغني أن الصواغ وتجار الحلي يبيعون الحلي بالدراهم ولا يقبضون الثمن من المشتري وهذا حرام عليهم وحرام على المشتري وهو من الربا الملعون فاعله على لسان محمد وفي ظني أن بعضهم لا يدري على حكم هذا المسألة وإلا فلا أظن أن مؤمنا بالله واليوم الآخر يعلم أن هذا ربا ثم يتعامل به لا سيما وأن في التقابض سلامة من الربا ومصلحة للطرفين فالبائع ينتفع بنقد الثمن ويسلم من مماطلة المشتري أو نسيانه أو إعساره المشتري يفك ذمته بتسليم الثمن وخلو ذمته من الطلب. وقد يفتي بعض المتعاملين بهذا نفسه فيقول: أنا لم أبع ذهبا بفضة وإنما بعت ذهبا بقرطاس فنقول هذه الفتوى غلط فإن هذه الأوراق جعلت نقدا وعملة بين الناس بمقتضى قرار الحكومة فلها حكم ما جعلت بدلا عنه فإذا جعلت بدلا عن الريالات الفضية كان لها حكم الفضة وكل أحد يعلم بأن هذه الأوراق النقدية ليس لها قيمة باعتبار كونها ورقا فالأسواق مملوءة من قصاصات الورق التي بقدر ورقة النقد وليس لها قيمة أصلا بل هي ملقاة في الزبل للإتلاف والإحراق . فاتقوا الله عباد الله وسيروا في عباداتكم ومعاملاتكم وجميع تصرفاتكم على شريعة الله ولا تتبعوا أهواءكم فإن الله يقول: ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين [القصص:50] .

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 343)

عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري

المدينة المنورة

قباء

الخطبة الأولى

أما بعد:

فقال الله تبارك وتعالى: وقال ائتوني به استخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم [يوسف:54] .

هذه بداية مرحلة جديدة في قصة يوسف عليه السلام، وطويت مرحلة، فلم يعد للقصة بعد ذلك أي ذكر للعزيز وامرأته فهنا مرحلة مطوية، هي مرحلة المحنة والابتلاء وفيها تجلى صبر يوسف وإصراره على عدم المعصية، وتجلى فيها عقله وحكمته وحسن تصرفه وتدبيره - وانتهت تلك المرحلة وطويت وجاءت المرحلة الجديدة، مرحلة التمكين، تتمثل فيها العاقبة الحميدة للمتقين وعناية الله تعالى وحمايته للصابرين، ونصرته لعباده الصالحين - وها هو يوسف يخرج من جوف المحنة وظلمات السجن معززا مكرما عظيم المكانة في القلوب، فها هو الملك نفسه يستخلفه لنفسه لما رأى من أمانته وعفته وموهبته وإخلاصه، فإن الغالب على أحوال الناس أن من كان منهم صاحب موهبة وخبرة يكون بلا أمانة وإخلاص وإن من كان منهم ذا تقوى وورع يكون بلا موهبة وخبرة، وأما إذا تواجدت الصفتان في شخص واحد فيكون نادرا. ولذلك استخلص الملك يوسف عليه السلام لنفسه وعزم على الاستفادة منه والاستعانة به، من خبرته وأمانته ولقد كان في أمس الحاجة إليه، فغالب الحاشية والموظفين منافقون ومرتشون سراقون.

ويبدو أنه كان ملكا حكيما وإن كان وثنيا كافرا، ومن عقله عرف قيمة هذا الشخص فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين أي لما كلمه وسمع منه، وقد كان يسمع عنه واشتد شوقه إليه وليس من رأى كمن سمع، فلما شاهده زادت هذه الشخصية كبرا وعظمة في نفسه. فاختار يوسف المالية، خزائن الأرض، ولكنه ما اختار ذلك إلا بعد أن رأى عزم الملك على توليته، فلا يقال كيف طلب الوزارة لنفسه ونحن نعلم أن طلب الإمارة منهي عنه في شريعتنا، ومن طلب الإمارة أو المناصب لا يولى إياها في شريعتنا، ولكن يوسف ما طلب هذه المسؤولية الشائكة إلا بعد أن عرض عليه الملك ذلك. إنه اختيار مدروس، فإن يوسف كان على علم بما ينتظر هذا المجتمع من كوارث نتيجة للفساد في هذا المجتمع من نهب ورشوة وفرض إثاوة وغير ذلك من أسباب مما يؤدي إلى انهيار الدول.

واختياره ذلك يدل على أنه عليه السلام لم ينظر لهذا المنصب نظرة رجل مهتم بالمنصب والمغنم ولكن نظرة رجل صاحب رسالة يريد الإصلاح، لذلك نظر إلى ذلك التمكين الذي عرض عليه - فاختار أصعب منصب وأشق مهمة في هذا المجتمع وهو التصدي للفساد وخاصة الفساد الاقتصادي الذي نخر في المجتمع.

وهكذا يجب أن يكون لنا في ذلك القدوة وخاصة أصحاب المراتب القيادية فإن المنصب والوظيفة ليست فرصة للنهب والسرقة والاختلاس، بل إنها مهمة وأمانة كلفت بها، فيجب أن تنظر إليها نظرة إصلاح.

الخطبة الثانية

أما بعد:

فإن الربا يجر على المجتمع المصائب الآتية:

اللعنة الإلهية أو الطرد من رحمة الله عز وجل، أعلن ذلك الصادق الأمين حينما قال في الحديث الذي نوهنا به سابقا (( لعن الله آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه ) ) (1) [1] فجميع من عمل به مطرودون من رحمة الله والعياذ بالله.

آكل الربا ومن يتعامل به حجز لنفسه مكانا في جهنم، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (( كل جسد نبت عن السحت فالنار أولى به ) ) (2) [2] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت