فهرس الكتاب

الصفحة 247 من 1226

فالأموال بأيدي المرابين، وهم أجرؤ الناس على الذنب، بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم، حيث جعل أيسر الربا كأن ينكح الرجل أمه، فهل ثمة جرأة كهذه على الذنب ؟..

وهل يكون للمرابي بعد هذا ضمير أو خلق؟..

إنه الآن يملك المال الكثير، الذي يكفي شعبا كاملا، فماذا يفعل به؟..

إنه لا يخاف الله ولا يعرف الحلال من الحرام..

إنه يسعى في كل مفسد ومدمر، وهل شيء أفسد من الربا؟...

فالذي وقع فيه لا يمتنع من أن يقع في غيره من أنواع المحرمات المفسدة..

يوظف ماله الذي جناه من الحرام في الحرام، فمثله لا يوفق إلى خير، وهل يوفق إلى خير من أعلن استعداده لحرب الله ورسوله؟..

فمثله جدير بأن يغرق المجتمع بأنواع من الفساد الفكري والخلقي، ويسخر ماله في إفساد أخلاق الناس، فيجلب للناس كل ما يضرهم ولا ينفعهم من اللهو واللعب والفتنة والفساد، فليس شيء ممنوع عنده، فقد تخطى الحواجز كلها وانطلق يجري وراء الشيطان، يركع له ويسجد..

إن الربا سبب غلاء الأسعار، وما يترتب عليه من شظف العيش وتعذر الحصول على متطلبات الحياة، والحرمان ـ تبعا لذلك ـ من الضرورات الأساسية كبناء المسكن والزواج، وذلك يفضي إلى كثرة الفساد الخلقي، حيث لا يجد الشاب مالا يتزوج به ويقيم مسكنا يسكن فيه، فينصرف عنه، فتقل نسب الزواج، والنتيجة كثرة الفواحش والآثام، حيث يحرم الشاب والفتاة من تلبية حاجة الغريزة لقلة المال، وهم يجدون في ذات الوقت أنواعا من الفساد متيسرا بفعل أولئك المرابين..

كيف ترتفع الأسعار بفعل المرابين؟.

يأتي صاحب مشروع غذائي مثلا، يقترض من أهل الربا ليقيم المشروع، فيقرضوه مقابل الفائدة في كل عام، وكلما تأخر في السداد زادت الفائدة، فيبدأ في المشروع وقد وضع في حسابه عند بيعه للسلعة أن يكون فيها الربح بالإضافة إلى الفائدة، أي أن الفائدة يتحملها المستهلك حين شرائه للسلعة لا المقترض، فتمضي المدة المحددة فلا يسدد فتزداد الفائدة عليه، وهو لا يهمه ذلك، لأنه يضيفها إلى ثمن السلعة، ليتحملها المستهلك، ليرتفع سعرها..؟!!!!!!!

وهكذا.. كلما تأخر في السداد زادت الفوائد عليه..فيضيفها إلى ثمن السلعة، فيزداد سعرها..

فمن الذي تحمل تسديد تلك الفوائد الربوية؟..

ليس المقترض، بل المستهلك..

ومن هنا نفهم لماذا تزداد أسعار المواد كل يوم..

إن الزيادة الربوية تذهب إلى خزانة المرابين، والناس يعيشون الهم وهم يراقبون ارتفاع أسعار السلع، ولا يملكون ردها أو إيقافها، ولا يملكون كذلك الإعراض عن شرائها، فهي حاجات أساسية لا يمكنهم الاستغناء عنها، فتأكل كل مدخولاتهم، فلا يجنون إلا الحسرة والفقر والألم..

وأما أكلة الربا فهم في النعيم والخيرات يتقلبون، وليست تلك الخيرات من عرقهم ولا من كدهم واستحقاقهم، بل هم يأكلون كد وعرق واستحقاق غيرهم..

هم كرجل سمين، ملء أناقة وفخامة، أتى إلى طفل فقير يتيم، لا يملك إلا ثوبا خلقا، وجسدا ضعيفا، في يده كسرة خبر يريد أكلها ليسد جوعته، فاختطفها قبل أن تصل إلى فمه، ليأكلها، ويترك الضعيف يتلوى من الجوع…

أفلا يستحق اللعنة، والحرب من الله؟..

هذا استحق اللعنة، لأن فعل هذا بفرد واحد، فكيف من يفعل ذلك ليل نهار بآلالاف وملايين البشر يتركهم عالة جوعى فقراء لا يملكون أبسط متطلبات الحياة؟…

إن الحياة المبنية على الأخوة والرحمة هي الحياة الطيبة، وإن الفقير والمحتاج إذا وجد من يتصدق عليه بهبة أو قرض حسن لا ربا فيه، يطمئن إلى إخوانه، وتنتشر فيهم المودة والرحمة والتعاون على البر والتقوى..

أما إذا صارت الحياة مليئة باستغلال الظروف الحرجة وحاجات الناس وأكل أموالهم بالباطل، وصار الهم في سرقة الأموال باسم الفائدة والخداع والحيلة انقلبت كئيبة فاسدة لا تصلح للعيش ولا للبقاء، ولذا قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون * واتقوا النار التي أعدت للكافرين وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون} ..

والربا مهما زادت وحصلت فإنها غير مباركة، بل هي ممحوقة، والمرابي نهايته وخيمة، وعاقبه الخسران، فكم من مراب أكل الربا سلط الله عليه من يأخذ ماله ويكف يده ويذله بعد العزة ليموت بحسرته، كما أكل من قبل أموال الناس وأماتهم جوعا وحسرة، والجزاء من جنس العمل، ولا يظلم ربك أحدا، قال تعالى: { يمحق الله الربا ويربي الصدقات} ..

وقال: { وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون} .

وأخيرا نقول: المفاهيم عند كثير من الناس منقلبة:

يرون الزاني والسارق وشارب الخمر فيرحمونه أو يزجرونه، لأنه عاص، ويرون آكل الربا، فيوقرونه ويعظمونه، ويفسحون له المجلس..

ولو قايسنا بين ذنب الزاني وشارب الخمر والسارق وذنب المرابي، لكان ذنب المرابي أضعاف ذنوب أولئك..

كيف وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الربا سبعون حُوبا، أيسرها أن ينكح الرجل أمه..؟؟!!!...

فالمرابي أشد أصحاب الكبائر جرما، فاعرفوا ذلك..

وصاحب الربا يعامل كسائر أصحاب الكبائر من حيث النصح والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، والزجر والهجر، إن كان فيه جدوى..

أبو سارة

د. يوسف بن عبدالله الأحمد

أستاذ الفقه المساعد بجامعة الإمام . الرياض

السؤال:

ما حكم الاكتتاب في شركة المراعي ؟ وهل هي تتعامل بالربا ؟ .

الجواب: بعد الاطلاع على القوائم المالية للشركة ، تبين أن الشركة تقرض وتقترض بالربا ، ومجموع القروض الربوية من البنوك الربوية (535000000) ريالًا سعوديًا ، والودائع الربوية في البنوك التجارية (46109000) ريالًا سعوديًا .

وعليه فإن الاكتتاب أو المساهمة فيها محرم شرعًا ؛ لأن السهم ملك مشاع في الشركة ؛ فأي نشاط للشركة فالمساهم شريك فيه .

قال الله تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ" (البقرة 278، 279 ) . و عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال:"لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه . وقال: هم سواء"أخرجه مسلم .

ولعل من المهم أن أنبه في الجواب على هذا السؤال على الأمور الآتية:

أولًا: أدعو جميع الشركات إلى ضرورة التزام شرع الله تعالى في معاملاتها ، وأن تضع لجنة شرعية ترشح من قبل الجهات العلمية كدار الإفتاء أو المجمع الفقهي أو الأقسام العلمية في الكليات الشرعية ، وليس انتقاءً من الشركة .

ثانيًا: توعية الناس بمطالبة الشركات باللجان الشرعية ، وأن يعرفوا سبب امتناع الشركة من وضع اللجنة الشرعية .

ثالثًا: أنشأ بعض أهل العلم المعاصرين قولًا جديدًا في التفصيل بين الربا الكثير والربا اليسير ؛ فإن كان الربا قليلًا في الشركة جاز المساهمة فيها وإلا فلا ، وحددوا الربا اليسير وفق الشروط الآتية:

1.ألا يتجاوز إجمالي المبلغ المقترض بالربا عن الثلث ، والرأي الآخر ألا يتجاوز 25% من إجمالي موجودات الشركة .

2.ألا تتجاوز الفوائد الربوية أو أي عنصر محرم عن 5% من إيرادات الشركة .

3.ألا يتجاوز الإقراض بالربا أو أي استثمار أو تملك محرم عن 15% من إجمالي موجودات الشركة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت