فهرس الكتاب

الصفحة 312 من 1226

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.

عباد الله، إن نبينا جعل الربا أحد السبع الموبقات، فقال: (( اجتنبوا السبع الموبقات ) )قالوا: ما هن يا رسول الله؟ قال: (( الإشراك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا ) ) (4) [1] فجعل أكل الربا أحد السبع الموبقات المهلكات.

فيا أخي المسلم، تبصّر في مالك، تبصّر في تجارتك، تبصّر في مصالحك، فإياك أن تقدم على الربا، وإياك أن تغتر بالمرابين، وإياك أن يخدعك المرابون. إن الربا بلاء عظيم، وإن زعم أهله أنهم يحسنون، فهم يسيئون للناس.

أيها المسلم، احذر الربا، وابتعد عنه، سواء في الاعتمادات أو غيرها، لا تفتح اعتمادًا إلا على قدر ما تستطيع وتملك، وإياك أن يخدعك المصرف فيعطيك ما تريد بأسباب الربا، اتق الله وابتعد عن الربا، وارض بما قسم الله لك، قُل لاَّ يَسْتَوِى الْخَبِيثُ وَالطَّيّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ [المائدة:100] ، لا يغرنك تسهيلاتهم، فهم والله لم يسهلوا لك محبة لك، وإنما يريدون اقتناصك، فاليوم تكون الأمور سهلة، وغدًا تجتمع عليك الديون، وتتراكم عليك الديون الكثيرة، فلا تستطيع وفاءها، فتعود مفلسًا فقيرًا بعدما كنت غنيًا، فاتق الله فإنها معاملة حرّمها الله عليك، وحرمها عليك رسولك ، فابتعد عنها طاعة لله، ابتعد عنها طاعة لله وخوفًا من عقوبة الله، هكذا يكون المؤمن.

أسأل الله أن يثبت الجميع على دينه.

واعلموا ـ رحمكم الله ـ أن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ...

(1) أخرجه مسلم في الإيمان (15) من حديث جابر رضي الله عنهما.

(2) حديث لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه آخرجه مسلم في المساقاة (1598) من حديث جابر رضي الله عنهما.

(3) جزء من حديث جابر الطويل في حجة النبي ، أخرجه مسلم في الحج (1218) .

(4) أخرجه البخاري في الوصايا (2767) ، ومسلم في الإيمان (89) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 3858)

عبد العزيز بن الطاهر بن غيث

طرابلس

بلال بن رباح

الخطبة الأولى

أما بعد: نتكلم اليوم ـ بإذن الله ـ عن كبيرة من كبائر الذنوب والمعاصي، حرمها ديننا الحنيف تحريما قاطعا لما فيها من مخالفة لشرع الله وضرر وظلم للناس، وتوعد الله ورسوله مرتكب هذه الكبيرة بوعيد عظيم.

نتكلم عن معصية أكل الربا والتعامل به، فالله سبحانه أحل للمسلم أن يسعى في طلب المال من حله، وأن يتاجر بالحلال ليكسب الأموال، ولم يحل له أن يستغل حاجة المحتاجين ليضاعف أمواله أو أن يقترض بالربا، يقول سبحانه: وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة:275] .

والأصل في معنى الربا: الزّيادة، يقال: ربا الشّيء إذا زاد، ومن ذلك قول اللّه تبارك وتعالى: يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ [البقرة:276] ، أي: ينميها ويزيدها.

وهذا الربا ـ إخوة الإيمان ـ قبيح ومذموم ومحرم في كل الشرائع، قال بعض العلماء:"إنّ الرّبا لم يحلّ في شريعةٍ قطّ لقوله تعالى: وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ [النساء:161] ، يعني: في الكتب السّابقة". ولكن أهل الكتاب حرفوا كتبهم وغيروا فيها، فصار اليهود يحلون التعامل بالربا مع غير اليهود ليمتصوا ثرواتهم ويستولوا على أملاكهم، ثم توسعوا فيه حتى صاروا لا يتعاملون إلا به، ثم أفلحوا في أن يعمموه على كل العالم، فصار العالم كله يتعامل بالربا لتصب فوائده في النهاية في جيب اليهود في أكثر الأحيان.

وقد عرف عرب الجاهلية الربا وكانوا يتعاملون به، وكان إذا استدان بعضهم من بعض وحان وقت السداد يقول الدائن للمدين:"تقضي أم تُربي"، أي: إن كان لديك مالا تقضي دينك وإلا أزيدك في المدة وتزيدني في المال، ولكن العرب مع تعاملهم بهذا الربا إلا أنهم كانوا يعرفون خبثه وأنه كسب حرام، فكانوا لا يضعون أموال الربا في الأمور المقدسة لديهم، يروى عن ابن وهب بن عمرو بن عائذ وهو خال عبد الله والد النبي وكان شريفا من رجالات العرب في الجاهلية، يروى عنه أنه قال مخاطبا قريش عند إعادة بناء الكعبة:"يا معشر قريش، لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبا، لا يدخل فيها مهر بغي، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس"، وهذا أكبر دليل على خبث الربا وخسته واتفاق الناس حتى في الجاهلية على ذمه.

ثم جاء شرعنا المطهر وشريعتنا الإسلامية السمحة فحذرت من هذا الذنب العظيم وهذه المعاملة الممقوتة التي تُستغل فيها حاجة المحتاج ليُسلب منه ماله أو متاعه ويؤول إلى جيب المرابي، جاء الإسلام والناس يتعاملون بالربا فحرمه عليهم، يقول سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران:130] ، هذا تحذير من أن يملأ المسلم بطنه بكسب الربا، تحذير من أن ينبت لحم المسلم من سحت الربا وفوائده؛ لأنه بذلك لا يُنعم جسمه بل يضره ويعرضه إلى عذاب الله وعقابه، نعم يعرضه إلى عذاب الله لأن رسول الله يقول: (( لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به ) )أخرجه الترمذي عن كعب بن عجرة.

إذا نبت لحم الإنسان من سحت الحرام ومن سحت الربا ومن سحت السرقة وغيرها فإنه يهيئ هذا الجسم لعذاب النار، يهيئه ليصلى نارا حامية، فما أخبث هذا الدرهم الذي يتمتع به الإنسان في هذه الدنيا الفانية ثم يعقبه عذاب متواصل لا يطاق.

إننا ـ عباد الله ـ إذا أردنا أن نتخذ وقاية من النار وإذا أردنا أن نجعل سترا بيننا وبين النار فعلينا أن نبتعد عن الحرام وأن نتخذ من الحلال رزقا وكسبا، يقول في الحديث الذي أخرجه ابن حبان عن النعمان بن بشير: (( اجعلوا بينكم وبين الحرام سترا من الحلال ) )، أي: استعينوا بما أحل الله من رزق وكسب كي لا تقعوا فيما حرم الله.

والربا من أهم المحرمات في الكسب، بل إن الله أنذر القائمين على الربا والمتعاملين به بحرب من الله ورسوله، وهو ما لم ينذر به أي عاص بمعصية أخرى غير الربا، وهذا ينبيك بفداحة هذه المعصية، يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة:278، 279] ، قال قتادة كما في تفسير ابن كثير:"أوعدهم اللّه بالقتل كما يسمعون، وجعلهم بهرجًا ـ أي: دماؤهم مهدورة ـ أين ما أتوا، فإياكم ومخالطة هذه البيوع من الربا، فإن الله قد أوسع الحلال وأطابه، فلا يلجئنكم إلى معصيته فاقة"رواه ابن أبي حاتم. وقيل: إن معنى الآية: إن لم تنتهوا فأنتم حرب لله ولرسوله أي أعداء لله ورسوله، وروى ابن عباس أنه يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت