أيها المسلمون، إن الله حرم الربا لما فيه من البلاء والفساد، قال تعالى: وَإِن تُبتُمْ فَلَكُمْ رُءوسُ أَمْوالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ [البقرة:279] ، فسمى الله الربا ظلمًا، نعم، إنه ظلم بكل ما تحمله الكلمة من معنى، إنه ظلم لمن تعامله فتأخذ منه أكثر مما تعطيه، إنه ظلم للإنسانية، ظلم للبشر. وأي ظلم أعظم من ظلم الربا؟! إنه يقسي القلب، إنه يقطع أسباب الخير وفعل الخير، إنه يسبب محق البركة، وذهاب الرزق، يَمْحَقُ اللَّهُ الْرّبَوااْ [البقرة:276] ، إنه ينشر الجريمة، ويكثِّر البطالة، ويجعل الأنانية في قلوب العباد، إنه ليس [بيعًا] ولكنه ظلم وعدوان، تتكون طبقة غنية إلى آخر الحدود، وطبقة فقيرة مدقعه، إن هذا الربا والتعامل به سبب لحلول العقوبات والمثلات، سبب لسخط الرب جل وعلا، وسبب لحصول الكساد والإفلاس والعياذ بالله. إن الله جل وعلا حرمه لما يعلم جل وعلا فيه من الفساد العظيم، وما توعد الله كبيرةً بعد الشرك ما توعد به آكل الربا، فإنه قال فيه ما قال: فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة:279] ، وقال: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِى أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [آل عمران:130-132] .
أيها المسلمون، ليس الربا عملية اقتصادية؛ ولكنها عملية ظلم وامتصاص للأموال، وأكل لها بالباطل، وقضاء على معنويات الناس، وتحطيم لقيمهم ومعنوياتهم، وجعل الأمة تعيش كسلًا وخمولًا، تُبعدهم عن المكاسب النافعة، والمشاركات الناجحة، والمضاربات المفيدة، إلى أن تجعل تلك المعاملات إنما هي ربح على الناس بغير حق.
أيها المسلم، مالك مالُك، وقد خولك الله مالا وملَّكك إياه، ولكنه جل وعلا ينهاك أن تسخِّر هذا المال في سبيل ظلم البشرية، وإنما يرشدك إلى أن يكون هذا المال مالًا نافعًا، ينفعك وينفع غيرك.
أيها المسلمون، إن الله يقول: ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الرّبَوااْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبتُمْ فَلَكُمْ رُءوسُ أَمْوالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ [البقرة:278، 279] ، وقال: ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الرّبَوااْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ، وأخبر أن الربا ممحوق البركة: يَمْحَقُ اللَّهُ الْرّبَوااْ وَيُرْبِى الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [البقرة:276] ، ورسول الله يلعن آكل الربا، ويلعن موكل الربا، ويلعن كاتب الربا، ويلعن الشاهدين على عقود الربا، كل أولئك ملعونون على لسان محمد (2) [2] .
أيها المسلم، إن دعاة الربا والمتعامل بالربا يبررون قبيح أعمالهم وظلمهم وجورهم بأن الربا إنما يحرم في الأمور الاستهلاكية، وأما الأمور الإنتاجية فلا مانع من ذلك، كل هذا من الخطأ، فالربا محرم قليله وكثيره، مع المسلم أو مع غير المسلم، لأنه ظلم واقتطاع مال بغير حق، سواء كان في الأمور الاستهلاكية أو في الأمور الإنتاجية، كل ذلك حرام في شريعة الله.
يبرِّر المرابون أعمالهم بأن التراضي بين المتعاملين يسوغ تلك المعاملة الخبيثة، فنقول: أيها المسلم، وإن حصل التراضي فذاك معصية لله، ومحادة لأمر الله، فإن الله جل وعلا حرم الربا بين المسلمين ولو تراضى المتعاملان، فإن الربا حرام وليس رضاهما بمحلٍّ ما حرم الله.
أيها المسلم، إن الربا ليس بيعًا، وقد ردَّ الله على من جعله من البيع فقال: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرّبَوااْ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرّبَوااْ [البقرة:275] .
أيها المسلم، لا يغرنك ما تقوله المصارف والبنوك بأنهم يقدمون لك سيولة لتقضي حاجتك، إنهم يقدمونها لك ولكنها بالفوائد، ولا تزال فائدة تلو فائدة حتى تكون الفوائد فوائد مركزة، تئنّ تحت وطأتها بعد حين، ترضى بها يومًا ويومًا، ثم تتابع عليك الفوائد حتى تقضي على كل ثرواتك وكل ممتلكاتك.
أيها المسلم، لا يخدعنك قولهم: إنها فرصٌ سانحة، لا وربّي، إنها شقاء وعناء، إنها ظلم لذلك الإنسان الذي يأتي وينخدع بهذه التسهيلات، ويظنها أمرًا يسيرًا، ولكن في العواقب يستبين له الضرر، ويستبين له الخطر، ويعلم أنه قد ألحق الأذى بنفسه.
أيها المسلم، إن الربا بكل صوره واجبٌ على المسلم تقوى الله والبعد عنه، نبينا حرم الربا في سنته فقال في حجة الوداع: (( ألا كل ربا من ربا الجاهلية فموضوع تحت قدمي، وأول ربا أضع من ربانا ربا عباس بن عبد المطلب ) ) (3) [3] وكان العباس رضي الله عنه قبل أن يسلم كسائر [أهل] الجاهلية عندهم ربا القرض، إذا أقرضوا الفقير قرضًا طالبوه بأن يكون هناك زيادة عند الوفاء، وكذلك إذا حلّت آجال الديون قالوا له: إما أن تقضي وإما أن تُرْبِي، إما تعطي الحق في وقته، وإما يضيف عليه فوائد مقابل التأخير. هذا الربا الذي كان في الجاهلية، فجاءت آيات القرآن تحرمه، وتمنع منه، وتحذر الأمة من شره، وأنه بلاء وظلم للعباد.
وجاءت السنة تحرم ربا الفضل بين النوعين، بين نوعي الذهب، أنه لا يباع الذهب بالذهب، إلا مثلًا بمثل، يدًا بيد، سواء بسواء، ولا تباع الفضة إلا مثلًا بمثل، يدًا بيد، سواء بسواء، ولا يباع البر والشعير والتمر والملح إلا مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد، ولو كان أحدهما أجودَ من الآخر، سدًا لباب ربا النسيئة.
إن الإسلام حرم الربا، وحرم على المسلمين التعامل به، فليتق المسلم ربه.
أيها المسلم، لا تقل: الربا عمّ شره، وعمّ ضرره، وكثر خطره، فأنا أسير مع الناس في مسارهم، لا يا أخي، أنقذ نفسك من عذاب الله، ولا يغرنك من هلك مع الهالكين، أنقذ نفسك من عذاب الله، واحذر التعامل بالربا، والله جل وعلا إذ حرم الربا فإنه ليس ضروريًا للعباد، فهناك المكاسب الطيبة الحميدة التي فيها الخير الكثير، بما يغني عن الربا لو عقل المسلمون ذلك، لو فكر المسلمون في التعاون فيما بينهم، تعاون رأس المال مع الخبرات، لأدى ذلك إلى منافع وخيرات كثيرة، ولكن الأنانية سيطرت على كثير من النفوس، فأراد مالا في البنك، يُعطى عنه كل سنة نسبة معينة، ويعدّ نفسه أنه من المرتاحين، وأنه من الغانمين، ولا يعلم أنه ممن حقّت عليه لعنة الله.
أيها المسلم، فاتق الله في نفسك، وخلص معاملاتك من الربا، وابتعد عنه بكل صورة، فإن ابتعدت عنه طاعة لله أغناك الله بما هو خير لك منه، وفتح الله عليك ما هو خير لك منه، فاتق الله أيها المسلم، وابتعد عن التعامل بالربا، واحذر كل الحذر الربا، وما يقرب إليه، ذلك علامة الإيمان. ومن وقع في الربا فليعلم أنه حارب الله ورسوله، قال بعض السلف:"جُرِّب على أكلة الربا أنهم لا يُختم لهم بخير والعياذ بالله"، أنه لا يختم لهم بخير، وأنهم عند موتهم يظهر من ندمهم وسوء حالهم ما الله به عليم.
فلنتق الله في مكاسبنا، ولنطهِّر أموالنا من الربا، فإن المسلم يجب أن يحاسب نفسه، وأن ينقذها من عذاب الله.
اسأل الله أن يطهر مكاسبنا من كل خبيث، وأن يحفظنا بالإسلام، ويعيذنا من تلك المعاملات الخبيثة، إنه على كل شيء قدير.