(25) أخرج البخاري هذه الرواية عن سليمان بن حرب وعن شعبة عن سعيد بن بردة عن أبيه ، وأخرجه أيضًا عن أبي كريب عن أبي أسامة عن بريد عن أبي بريدة ، وليس فيه ذكر القرض ولا ذكر الربا ، ولكن قال ابن حجر: ووقعت هذه الزيادة في رواية أبي أسامة أيضًا كما أخرجه الإسماعيلي من وجه عن أبي كريب شيخ البخاري لكن باختصار عن الذي تقدم (فتح ص 262-ج13) وأخرج البيهقي عن أحمد بن عبد الحميد عن أبي أسامة عن عبد الله بن أبي بردة عن أبيه وزاد فيه عن رواية البخاري ولفظه فقال: إنك في أرض الربا فيها فاش ، وإن من أبواب الربا أن أحدكم يقرض القرض إلى أجل فإذا بلغ أتاه به وبسلَّة فيها هدية فاتقِ تلك السلَّة وما فيها . وأخرجه أيضًا عن شعبة باختلاف يسير ولفظه: على رجل دين فأهدى إليك حبلة من علف أو شعير أو حبلة من تبن فلا تقبله ؛ فإن ذلك من الربا . قال ابن حجر: في رواية أبي أسامة ذكر الربا لكن فيه اختصار عن رواية شعبة وما روى البيهقي عن أبي أسامة فيه زيادة عن رواية شعبة فافهم .
(26) قال ابن عابدين: لأن قول الصحابي إذا كان لا يُدرك بالرأي - أي بالاجتهاد - له حكم المرفوع (رسم المفتي ص41) وسيجيء أن في هذا الحديث مجال القياس أكثر .
(27) (ص 149ج 3) .
(28) هذا دليل على أن الزيادة في القرض ليست بربا ، ولو كانت ربا لم يفترق حكمها حين الاشتراط وعدمه كما مر عن العلامة ابن عابدين ، وأيضًا هذا مقتضى إطلاق الأحاديث في هذا الباب حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الفضل ربا) مطلقًا بدون تقييد شرط وعدمه .
(29) واعلم أن العلامة العيني بعد شرحه للبخاري بكثير من الزمان شرح الهداية حين بلغ من عمره تسعين سنة ، واعترف فيه بأنه لم يثبت في هذا الباب النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو المعتبر لأنه آخر أقواله ويؤيده الدليل .
(30) (عمدة القاري ص 689 ج - 5) .
(31) هذا التفسير خلاف ما عليه الجمهور فلابد له من بيان .
(32) مسلم ص 29 - ج2 .
(33) فيه أنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الزيادة في القرض ، وليس فيه أنه كان مع شرط أو بدون شرط فمن ادعى الحرمة بالشرط لا بد عليه من بيان ؛ لأن الأحاديث في هذا الباب مطلقة ؛ ولا يجوز تقييدها بدون مخصص .
(34) أخرجه البيهقي بسند إبراهيم بن سعد عن إدريس بن يحيى عن عبد الله بن عياش ، وعبد الله بن عياش منكرالحديث ، وإبراهيم لم يعرف حاله ، وكذا حال إدريس ، ويمكن أن يكون إدريس بن يحيى الخولاني ، ذكره ابن حبان في ثقاته وقال له: مستقيم الحديث إن كان دونه ثقة وفوقه ثقات .
مجلة المنار - (ج 192 / ص 11)
( كنا شرعنا في كتاب بحث فياض في تحرير حقيقة الربا وأحكامه وما
يتعلق به من الأحكام المالية في العقود والشركات والمصارف وغيرها ؛ لكثرة ما
يستفتينا الناس فيها من الأقطار المختلفة ، بدأناه برسالة الاستفتاء في حقيقة الربا
التي نشرتها حكومة حيدر آباد الآصفية الهندية ووزعتها مطبوعة على أشهر علماء
الأقطار الإسلامية ، وسألتهم عن رأيهم في إفتاء مفتيها في المسائل الأربع التي
حصرت الموضوع فيها ، وقفينا عليها بتخطئة ما اعتمده محرر هذه الرسالة في
حقيقة الربا ؛ بناء على مذهب الحنفية وبنى عليه فتواه ، وبينا آراء محققي
المفسرين من علماء مذاهب السنة في القرآن والشيعة وأقوال المحدثين والفقهاء ،
وجعلنا نتيجة هذه النقول بيان حقيقة الربا القطعي المنصوص فيه ، وهو ربا النسيئة ،
وعقدنا بعده فصلًا مهمًّا في إلحاق الفقهاء ذرائع الربا وشبهاته بالقطعي والظني
المنصوص ، وإبطال دليلهم على هذا الإلحاق . وانتهى بنا البحث إلى الوعد بالكلام
على الحِيَل في الربا وغيره في أول المجلد 31 ( ص37 ) .
وههنا وقفنا ، وأرجأنا وسوَّفْنَا في إنجاز وعدنا ، إذ كنا عزمنا على تحرير
الموضوع بالاستقصاء لأدلته وفروعه بنصوص المختلفين فيه ، وهو ما حال دونه
كثرة أعمالنا إلى الآن ، ورأينا أنها لا تزال تزداد ، فرَّجَحْنَا أن نكتفي بخلاصة آراء
فقهاء المذاهب ورأينا فيها وهو ما يرى القارئ في الفصل التالي .
فصل في الحيل في الربا وغيره
الحيلة اسم أو هيئة من حال الشيء يحول إذا تغير حاله أو لونه أو صفته أو
وضعه أو مكانه ، وأصلها حولة كحكمة ، فقلبت الواو ياء ؛ لكسر ما قبلها . قال في
الأساس: حال الرجل يحول حولًا إذا احتال ومنه ( لا حول ولا قوة إلا بالله )
وحال الشيء واستحال تغيَّرَ ، وحال لونه ، وحال عن مكانه تحول - إلى أن قال -:
وحاوله طلبه بحيلة ا هـ . وفي المصباح المنير: والحيلة الحذق في تدبير الأمور ،
وهو تقليب الفكر حتى يهتدي إلى المقصود ، وأصله الواو ، واحتال طلب الحيلة
ا هـ .
وقال الراغب في مفردات القرآن: والحيلة والحويلة: ما يتوصل به إلى
حالة ما في خفية ، وأكثر استعمالها فيما في تعاطيه خبث ، وقد تستعمل فيما فيه
حكمة ؛ ولهذا قيل في وصف الله عز وجل: { وَهُوَ شَدِيدُ المِحَالِ } ( الرعد:
13 )- بكسر الميم - أي الوصول في خفية من الناس إلى ما فيه حكمة ، وعلى هذا
النحو وصف بالمكر والكيد لا على الوجه المذموم ، تعالى الله عن القبيح ا هـ .
وذكر قبل ذلك أن من الأمثال ( لو كان ذا حيلة لتحول ) .
وأقول: إنه قال في المكر والكيد كما قال في الحيلة والمحال أنه يكثر
استعماله فيما فيه خبث أو قبح ، وسببه كما بيناه في التفسير أن أكثر ما يخفي الناس
هو ما يعد عندهم قبيحًا أو ضارًّا ولو بأعدائهم وخصومهم ، وما لو ظهر لحبط وفسد
عليهم وعجزوا عن إتمامه كما يقع في الحرب وشئون السياسة . ولم يرد لفظ الحيلة
في القرآن إلا فيما هو واجب منها ، وهو قوله بعد وعيد الذين يتركون الهجرة من
دار الكفر والظلم إلى الإسلام والعدل: إِلاَّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ
وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ
( النساء: 98-99 ) الآية .
وأول من أدخل الحِيَل في الشرع أبو حنيفة وأصحابه ، وأول من ألف فيها
القاضي أبو يوسف ألف كتابًا مستقلاًّ سمَّاه ( كتاب الحيل ) وتبعه فقهاء مذهبهم فهم
يذكرون في كتب فقههم أبوابًا للحيل التي يصفونها بالشرعية ، ووافقهم الشافعية في
أصل جواز الحيل ، وقال بحظرها فقهاء المالكية و الحنابلة .
وفي الجامع الصحيح للبخاري كتاب خاص سماه ( كتاب الحيل ) فتح فيه
أبوابًا أورد فيها ما صح على شرطه متعلقًا بالحيل والدلالة على كراهة الشرع لها .
أولها ( باب في ترك الحيل ، وأن لكل امرئ ما نوى في الأيمان وغيرها ) وأورد
فيه حديث ( إنما الأعمال بالنية ) الذي افتتح به صحيحه برواية ( بالنيات ) أشار
بهذه الترجمة إلى أن جميع الأحكام الشرعية من فعل وترك تدخل في عموم هذا
الحديث خلافًا لمن خصَّه بالعبادات وما في معناها كالأيمان . وسائر أبوابه في
الصلاة والزكاة والنكاح والبيوع والغصب والهبة والشفعة والاحتيال للفرار من
الطاعون واحتيال العامل ( أي عامل السلطان ) ليهدى له . وقد كتب الحافظ ابن
حجر على عنوان ( كتاب الحيل ) في شرحه له ( فتح الباري ) ما نصه:
الحيل: جمع حيلة وهي ما يُتَوَصَّل به إلى مقصود بطريق خفي ، وهو عند
العلماء على أقسام بحسب الحامل عليها ، فإن توصل بها بطريق مباح إلى إبطال
حق أو إثبات باطل فهي حرام ، أو إلى إثبات حق أو دفع باطل فهي واجبة أو