فهذا أبو بكر رضي الله عنه تقول عنه عائشةُ ابنه رضي الله عنها كما في صحيح البخاري: (( كَانَ لأَبِي بَكْرٍ غُلامٌ يُخْرِجُ لَهُ الْخَرَاجَ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ ، فَجَاءَ يَوْمًا بِشَيْءٍ فَأَكَلَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ ، فَقَالَ لَهُ الْغُلامُ: أَتَدْرِي مَا هَذَا ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا هُوَ ؟ قَالَ: كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لإِنْسَانٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَمَا أُحْسِنُ الْكِهَانَةَ ، إِلا أَنِّي خَدَعْتُهُ ، فَلَقِيَنِي فَأَعْطَانِي بِذَلِكَ ، فَهَذَا الَّذِي أَكَلْتَ مِنْهُ ، فَأَدْخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ فَقَاءَ كُلَّ شَيْءٍ فِي بَطْنِه ) ). وذكر إن أبا حنيفة رحمه الله كان تاجر بَزّ ـ أي يبيع القماش والثياب ـ وكان له شريك ، فقال لشريكه يومًا: أخشى أن لا أكون حاضرًا هذا اليوم ، ولكن البزّ الفلاني في بعضه خروق ، فإن بعتها فبيِّن للمشتري نقصَها حتى يكون على بينة من أمره ، وإن صاحبه باعها ولم يخبر المشتري بذلك ، فجاء أبو حنيفة فسأله ، فقال: بعتُه دون أن أخبر بما فيه من عيب ، قال: هل أطلعته ؟ قال: لا ، اشتراه مني وذهب ، قال: أتعرفه ؟ قال: لا ، قال: فإن نصيبي من هذا البزِّ صدقة لله ، لا أريد أن آكل ما أعلم أن فيه غشًا لأحد ، لأني أرشدتك أن تبيِّن له العيب فلم تبين له .هكذا كان الصالحون ، يطبقون على أنفسهم ما يعلمون قبل أن يقولوه للآخرين ، وهكذا بلغ بهم الصدق والأمانة والورع
مبلغًا نالوا به العزة في الدنيا ، والبركة في الرزق ، ولهم الثواب الحسن عند الله تعالى . عبادَ الله / بركةُ الرزق ليست بكثرتِه ، ولكن بركةَ الرزق أمرٌ يجعله الله في قلبِ العبد ، فيرضَى بما قسَم الله له ، قال النبي صلى الله عليه وسلم (( قد أفلح من أسلم , ورزِق كفافا,ً وقنّعه الله بما آتاه ) )رواه مسلم من أسباب بركةِ الرّزق ـ أيها المسلمون ـ تقوَى الله تعالى في كلّ الأحوال ، {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} [ الطلاق: 2 ، 3 ] ، وقال سبحانه: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءامَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مّنَ السَّمَاء وَالأرْضِ} [ الأعراف: 96 ] ، ومِن أسبابِ بركة الرزق صلةُ الرحم ، ففي الحديث: (( من أحبَّ أن يُنسَأ في أثره ويبسَط له في رزقه فليصِل ذا رحمِه ) )رواه البخاري ومسلم .ومن أسباب بركة الرزق الإنفاقُ في وجوه الخير والصدقةُ على المساكين والمحتاجين ، قال تعالى: {وَمَا أَنفَقْتُمْ مّن شَىْء فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [ سبأ: 39 ] .فبركة الرزق في الدنيا ـ أيها المسلم ـ أن يخلفَ الله عليك عوضَه ، وبركته في الآخرة ما ينالك من الثواب العظيم ، في يومٍ أنت أحوج فيه إلى مثقال ذرّة من خير .نسأل الله تعالى أن يعيننا على أنفسنا ، وأن يخلّص مكاسبنا من كل حرام وشبهة . أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية
الحمد لله على فضله وإحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيمًا لشأنه وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فيأيها المسلمون: اتقوا الله تعالى واكتفوا بالحلال عن الحرام والمتشابه لعلكم تفلحون.معشر المسلمين_ لو خلا المسلم بنفسه وتفكر في كسبه لبلغ منه العجب كل مبلغ كيف يسوقه الشيطان إلى طرائق الكسب الحرام ويغريه بها وقد علم أن الرزق مقسوم لا يزيد فيه الخوض في الحرام، كما لا ينقصه الوقوف عند حدود الحلال. فقد روي عن جابر رضي الله عنه مرفوعا: ( لا تستبطئوا الرزق فإنه لم يكن عبد ليموت حتى يبلغ آخر رزق هو له ، فأجْملوا في الطلب: أخذ الحلال وترك الحرام ) رواه ابن حبان ، وجاء في الحديث ( لو فر أحدكم من رزقه أدركه كما يدركه الموت) رواه الطبراني .
لذا على المسلم أن يكتفي بالحلال ، وأن يتقي الشبهات ، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فقد كان على جانب عظيم من الورع وترك الشبهات كيف لا وهو قدوة الصالحين وأسوة الأتقياء والورعين . فعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم وجد تمرة في الطريق فقال: ( لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها ) رواه البخاري ومسلم . فليجتهد المسلم والمسلمة في ترك كل ما فيه شبهة استبراء لدينه وعرضه .
فإن كان موظفا حافظ على ساعات دوامه كاملا ولم يتشاغل عن واجبه الوظيفي بعمل خاص حتى يكون راتبه آخر الشهر من الحلال الطيب، وإن كان تاجرا لم يغش ولم يغرر بالمشترين ولم يكتم العيب عنهم ليكون ربحه من الحلال الطيب، وإن كان مقاولًا حافظ على شروط العقد فنفذها جميعا واكتفى برقابة الله عن كل رقيب ووضع نصب عينيه قول الله تعالى: (يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) المائدة 1. وإن كان عاملًا لم يدخل في عمل لا يحسنه كما يفعل كثير من المسلمين فيفسدون أكثر مما يصلحون ولا يبالون بالأجر الذي يأخذونه أمن الحلال هو أم من الحرام؟.عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ أمن الحلال أم من الحرام) رواه البخاري . نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة. وأن يكفينا بالحلال عن الحرام والمتشابه .عباد الله إن الله وملائكته يصلون على النبي يأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بعفوك وإحسانك وفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين وأذل الشرك واخذل المشركين ودمر أعداءك أعداء الدين . اللهم ادفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن ، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك المضطهدين في دينهم في كل مكان، اللهم انصرهم ، وكن لهم عونًا وظهيرًا، وهيئ لهم من لدنك وليًا ونصيرًا، اللهم ارحم ضعفه واجبر كسرهم واشف مرضاهم واغفر لموتاهم برحمتك يا أرحم الراحمين.اللهم عليك باليهود المعتدين وسائر الكفرة الظالمين، اللهم ألق الرعب في قلوبهم، وفرق جمعهم وشتت شملهم ، وأنزل بهم بأسك الذي لايرد عن القوم المجرمين، يا قوي يا عزيز .اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين. ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولاتجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم . ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار .عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولاتنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلًا إن الله يعلم ما تفعلون.فاذكروا الله الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
فضيلة الدكتور محمد العصيمي: ما حكم الاكتتاب في شركة سبكيم؟ جزاكم الله خيرا
المجيب: االشيخ: محمد بن سعود العصيمي