وذهب الجمهور وبعض الحنفية إلى عدم اشتراط ذلك، وأن الربا يجري وتحرم المعاوضة متى توافرت علة الربا فيها، سواء أكان البدلان معصومين أو لا، وسواء أكان المسلم هو الآخذ للربا أو المعطي له.
وعلى هذا لو دخل تاجر مسلم إلى دار الحرب فعامل أهل تلك الدار من غير المسلمين بمعاوضات كسب منهم فيها بعض المال عن طريق اشتراط الربا. فإنه يجوز عند جمهور الحنفية ولا يحرم على التاجر المسلم ذلك. لعدم عصمة مال أهل دار الحرب من غير المسلمين.
ولا يجوز عند جمهور الفقهاء لأنه لا يشترط لجريان الربا عنده عصمة البدلين.
ومثله إذا أسر أحد المسلمين في دار الحرب فباع منهم شيئًا أو أشترى بربا فإنه يجوز عند جمهور الحنفية خلافًا لجمهور الفقهاء. أما الذمي فإن ماله معصوم بالاتفاق. وكذلك المستأمن، فلا يجوز التعامل بالربا معهما. ولا عبرة باختلاف الدِّين، لأن اتحاد الدين ليس شرطًا من شروط جريان الربا بالاتفاق.
الأدلة:
-1 استدل بعض الحنفية والجمهور لمذهبهم بأدلة منها:
أ- إن حرمة الربا كما هي ثابتة في حق المسلمين فهي ثابتة في حق الكفار، لأنهم مخاطبون بالحرمات في الصحيح من الأقوال. فاشتراط الربا في البيع لهم موجب لفساده، كما في بيع المسلم للمسلم تمامًا.
ب- عموم الأخبار التي جاءت بتحريم الربا، مثل قوله تعالى: {وحرم الربا} وقوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا} [البقرة: 278] فإنها تعم المعاملة مع المسلم وغير المسلم، ولا مخصص لها، فتبقى على عمومها.
-2 واستدل جمهور الحنفية لمذهبهم بأدلة منها:
أ- إن مال الحربي مال غير معصوم، وهو مباح في نفسه، إلا أن المسلم ممنوع من تملكه بغير رضاه، لما فيه من الغدر والخيانة، فإذا بذله الكافر باختياره ورضاه، فقد زال هذا المعنى، فكان الآخذ استيلاء على مال مباح غير مملوك، وإنه مشروع مثبت للملك كالاستيلاء على الحطب والحشيش في البرية قبل إحرازه من قبل أحد، فإنه جائز، فكذلك الزيادة هنا.
ب- بما روي عن مكحول عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (لا ربا بين المسلمين وأهل الحرب) وهو حديث مرسل، والمرسل حجة عند الحنفية.
أن لا يكون بدلا المعاوضة معًا ملكًا لأحد المتبايعين. كبيع الشريك المفاوض مع شريكه مثل ذلك، فإنه لا يحرم لامتلاكهما معًا البدلين. وكذلك الشريكان شركة عنان إذا تبايعا مع بعضهما من مال الشركة، فإنه لا يجري فيه الربا، لاستوائهما في امتلاك البدلين، فلو باعا من غير مال الشركة جرى فيه الربا.
جـ- عدم الخلو عن احتمال التفاضل، وذلك كمن باع المال الربوي بجنسه مجازفة -أي بغير وزن أو كيل- بأن باع صبرة بُن بصبرة بُن، أو بكيل معين منه، فإنه لا يجوز لاحتمال التفاضل بينهما في الكيل، أو لعدم الخلو عن احتمال التفاضل، فإن احتمال التفاضل في المعاوضة مفسد لها مثل تحققه فيها.
وقد ورد في النهي عن ذلك حديث جابر -رضي الله تعالى عنه- قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم- عن بيع الصبرة من التمر لا يعلم مكيلها بالكيل المسمى من التمر) رواه مسلم والنسائي.
كما ورد عن ابن مسعود موقوفًا عليه قوله: (ما اجتمع الحلال والحرام في شيء إلا وقد غلب الحرام والحلال) . ومنه أخذ الفقهاء القاعدة الفقهية الشهيرة (إذا تعارض المانع والمقتضي يقدم المانع) .
وكذلك لو باع طنًا من حنطة بطن من حنطة، فإنه لا يجوز لأن الحنطة تباع شرعًا كيلًا ولا يدرى إن كان طن الحنطة الأول يساوي طن الحنطة الثاني كيلًا أو لا، فكان كبيع المجازفة، وخالف في ذلك بعض الحنفية بالجواز، لأن القدر عندهم يختلف باختلاف العرف.
وعلى هذا لا يجوز بيع المزابنة والمحاقلة، والمزابنة هي في اللغة والاصطلاح بيع التمر على رؤوس الشجر بمثل وزنه من التمر المجذوذ خرصًا وتخمينًا، كأن يبيع ما على هذه الشجرة من تمر بعشرين صاعًا من تمر مجذوذ، فإنه لا يجوز لعدم الجزم بتساوي المقدارين، وكذلك بيع الزبيب بالعنب على وجه لا يدري فيه أيهما أكثر.
والمحاقلة بيع الحب في سنبله بمثل كيله خرصًا، فإنه مثل التمر، تجهل فيه المساواة في القدر فلا يجوز.
وقد ثبت النهي عن ذلك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقد روي عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- قوله: (نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم - عن المزابنة أن يبيع ثمر حائطه إن كان نخلًا بتمر كيلًا، وإن كان كرمًا أن يبيعه بزبيب كيلًا، وإن كان زرعًا أن يبيعه بكيل طعام نهى عن ذلك كله) متفق عليه.
1480 - مَسْأَلَةٌ: وَالرِّبَا لاَ يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ , وَالسَّلَمِ إِلاَّ فِي سِتَّةِ أَشْيَاءَ فَقَطْ: فِي التَّمْرِ , وَالْقَمْحِ , وَالشَّعِيرِ , وَالْمِلْحِ , وَالذَّهَبِ , وَالْفِضَّةِ وَهُوَ فِي الْقَرْضِ فِي كُلِّ شَيْءٍ , فَلاَ يَحِلُّ إقْرَاضُ شَيْءٍ لِيُرَدَّ إلَيْك أَقَلَّ ، وَلاَ أَكْثَرَ , وَلاَ مِنْ نَوْعٍ آخَرَ أَصْلًا , لَكِنْ مِثْلُ مَا أَقْرَضْت فِي نَوْعِهِ وَمِقْدَارِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي"كِتَابِ الْقَرْضِ"مِنْ دِيوَانِنَا هَذَا فَأَغْنَى ، عَنْ إعَادَتِهِ وَهَذَا إجْمَاعٌ مَقْطُوعٌ بِهِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالسَّلَمِ , وَبَيْنَ الْقَرْضِ , هُوَ أَنَّ الْبَيْعَ وَالسَّلَمَ: يَكُونَانِ فِي نَوْعٍ بِنَوْعٍ آخَرَ , وَفِي نَوْعٍ بِنَوْعِهِ , وَلاَ يَكُونُ الْقَرْضُ إِلاَّ فِي نَوْعٍ بِنَوْعِهِ ، وَلاَ بُدَّ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَكَذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ وُقُوعِ الرِّبَا فِي الأَنْوَاعِ السِّتَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْبَيْعِ وَالسَّلَمِ , فَهُوَ إجْمَاعٌ مَقْطُوعٌ بِهِ.
وَمَا عَدَا الأَنْوَاعَ الْمَذْكُورَةَ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ , أَيَقَعُ فِيهِ الرِّبَا أَمْ لاَ وَالرِّبَا مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ قَالَ تَعَالَى الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا.
وَقَالَ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ أَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , وَمَا هُنَّ قَالَ: الشِّرْكُ بِاَللَّهِ , وَالسِّحْرُ , وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ , وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ , وَأَكْلُ الرِّبَا , وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ , وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ."
(1) - المحلى لابن حزم - (ج 4 / ص 384) فما بعد