وأما الاقتيات عندهم، فيشمل كل مأكول يصلح البدن بالاكتفاء به، ويكون في معنى المقتات به عندهم ما هو ضروري لحفظ المقتات به كالملح.
وأما الادخار فمعناه إمكان استبقاء المطعوم إلى الأمد المبتغى منه عادة، ولا حد لذلك على ظاهر المذهب، بل هو في كل شيء يحسبه.
وأما الجنس فإنه أحد وصفي العلة، ولا يحرم التفاضل إلا معه، إلا أنه ينزل منزلة الجنس الواحد الجنس المقارب على المعتمد. فالبن والشعير والسلت جنس واحد في الربا، لتقارب منفعتها، فيحرم لذلك بيع بعضها ببعض متفاضلًا كبيع البر بالبر نفسه متفاضلًا تمامًا.
هذا في البيع المنجز، أما البيع إلى أجل (النَّساء) فإن علة التحريم فيه إلى جانب الجنس الطعم مطلقًا سواء أكان مقتاتًا به أو لا، مدخرًا أو لا. بشرط أن يكون طعمًا لغير التداوين فإذا كان للتداوي لم يجر فيه النَّساء.
وعلى هذا لو باع فاكهة طازجة بفاكهة من جنسها حرم النساء، وجاز التفاضل، فحرمة النساء للطعم، وإباحة التفاضل لانتفاء الادخار وهكذا ...
-4 مذهب الحنبلية: وأما الحنبلية فقد ثبت عنهم ثلاث روايات في علة الربا.
أولاها- كمذهب الحنفية، وهي القدر مع الجنس وهي الأشهر عندهم.
وثانيها- كمذهب الشافعية، وهي الطعم أو الثمنية، مع الجنس.
وثالثها- الثمنية، أو الطعم مع القدر الشرعي إذا اتحد الجنس، وعلى هذا فلا ربا في مطعوم إلا إذا كان مكيلًا أو موزونًا، خلافًا للرواية الثانية السابقة فإنها تكتفي بالطعم وحده للتحريم.
مواضع الاتفاق بين المذاهب الأربعة في علة الربا:
ومن تتبع ما تقدم ندرك أن هنالك اتفاقًا بين أكثر المذاهب في بعض النقاط واختلافًا في نقاط أخرى.
فمحل الاتفاق في علة الربا هو نقطتان:
-1 اتحاد الجنس، فإنه أحد أوصاف علة الربا عند الحنفية والمالكية والحنبلية، وهو شرط العلة عند الشافعية فلا ربا مع اختلاف الجنس، إلا أن المالكية -كما تقدم- يقيمون الجنس المقارب مقام الجنس الواحد في التحريم.
-2 الثمنية، فإنها أحد أوصاف علة الربا أيضًا عند الأئمة الثلاثة إلا الحنفية، فإذا اجتمعت مع الجنس حرم التفاضل والنساء باتفاق الثلاثة، وذا انفردت عنه حل التفاضل وحرم النساء.
ومحل الاختلاف بينهم هو:
-1 أن الحنفية حرموا الربا عند اتحاد الجنس في كل مقدر مكيلًا كان أو موزونًا. وتبعهم في ذلك الحنبلية في الأشهر من روايات ثلاث عنهم دون المالكية والشافعية.
-2 أن الشافعية استبدلوا القدر لدى الحنفية بالطعم، وزادوا عليه الثمنية، وتبعهم في ذلك الحنبلية في رواية ثانية عنهم.
-3 أن المالكية استبدلوا القدر بالطعم مع الاقتيات والادخار في ربا الفضل، واكتفوا بالطعمية وحدها في ربا النسيئة. هذا إلى جانب الثمنية فإنها أحد أوصاف علة الربا عندهم كالشافعية.
وعلى هذا إذا باع إنسان مثقال ذهب بمثقالي ذهب كان ربا في الحال والنساء عند الجميع. عند الثلاثة للثمنية مع الجنس، وعند الحنفية للقدر مع الجنس.
فإذا باع فضة بذهب، حل التفاضل وحرم النساء بالاتفاق أيضًا، لاتفاقهم على أن النساء يحرم بأحد أوصاف علة ربا الفضل، وهو هنا القدر عند الحنفية، والثمنية عند الثلاثة.
فإذا باع حنطة بحنطة حرم التفاضل والنساء بالاتفاق أيضًا لاتحاد القدر مع الجنس عند الحنفية، وللطعم مع الجنس عند الشافعية، وللطعم والادخار والاقتيات مع الجنس عند المالكية، لأن الحنطة من المطعوم المقتات به المدخر.
وإذا باع حديدًا بنحاس، حل التفاضل والنساء عند الشافعية والمالكية لانعدام علة الربا، وحل التفاضل وحرم النساء عند الحنفية والحنبلية لوجود القدر وحده وهو الوزن هنا، وهكذا ...
المبحث الأول: أنواع الربا:
قسم الجمهور وفيهم الحنفية الربا إلى نوعين: ربا الفضل، وربا النساء، والفضل في اللغة الزيادة، والنساء التأخير.
-1 ربا الفضل:
وعلى هذا فربا الفضل عندهم هو (زيادة عين مال شرطت في عقد بيع على المعيار الشرعي"وهو الوزن أو الكيل"عند اتحاد الجنس) أي ما يستجمع وصفي علة الربا وهما القدر والجنس، فإذا باع المقدر بخلاف جنسه كالبن بالشعير متفاضلًا حالًا لم يحرم، لانعدام الجنس، وهو أحد وصفي علة الربا، وإن كان يحرم بيعه كذلك نساء (مؤجلًا) لأن النساء يحرم بأحد وصفي علة الربا. وهو هنا القدر، فإن كُلًا من الحنطة والشعير مكيل.
هذا والعبرة في القدر عند جمهور الفقهاء ما ثبت عن الشارع، أو ما كان متعارفًا عند تنزل النص، وهو عصر النبي -صلى الله عليه وسلم- فما كان من السلع مكيلًا في عصر النبي -صلى الله عليه وسلم- اعتبر مكيلًا دائمًا وإن تعارف الناس بيعه وزنًا أو جزافًا كالحنطة والشعير ...، وما كان في عصر النبي -صلى الله عليه وسلم- موزونًا اعتبر موزونًا دائمًا ولو تغير العرف كالملح، أما ما لم يثبت فيه عرف قديم في عصر النبي -صلى الله عليه وسلم- فالعبرة فيه لعرف الناس وقت التعامل، كالخضار بأنواعها .... فلو جرى العرف الآن ببيع الحنطة وزنًا والشعير كيلًا فباع حنطة بشعير نساء لم يجن لاتحاد القدر، ذلك أن كلا النوعين مكيل شرعًا ولا عبرة بتغير العرف.
وذهب البعض إلى أن العبرة في القدر للعرف مطلقًا، فإذا جرى بيع الحنطة الآن وزنًا كانت موزونة وهكذا ...
-2 ربا النساء:
أما ربا النساء فهو: (فضل العين على الدين وفضل الحلول على الأجل) وذلك عند اتحاد القدر أو اتحاد الجنس.
فإذا باع صاعًا من بر بصاع من بر مؤجلًا لم يصح لزيادة الصاع الأول عن الصاع الثاني في الحقيقة، وإن لم يبد ذلك ظاهرًا. لأن الصاع المعجل في العرف أكثر ثمنًا من الصاع المؤجل، فكان فيه زيادة فمنع، ولهذا لم تشترط فيه الزيادة الظاهرة بخلاف البيع المعجل، فإنه يشترط للتحريم فيه الزيادة الظاهرة، لعدم وجود الأجل فيه.
وذهب الشافعية إلى أن الربا أنواع ثلاثة، ربا الفضل، وربا النساء، وربا اليد، فربا الفضل والنساء عندهم كمثيليهما عند الجمهور، وربا اليد عندهم يكون في البيع الذي لم يشترط فيه الأجل ولكن تأخر فيه فعلًا قبض أحد البدلين، وهو عند الحنفية كالبيع المنجز، لا يجري فيه الربا إلا بزيادة أحد البدلين عن الآخر في العقد، فان تساويا فلا ربا لعدم اشتراط الأجل.
ولذلك فإننا نجد أن الجميع متفقون تقريبًا في تقسيم الربا إلى نوعين هما: الفضل والنساء، فالفضل ما فضل فيه أحد البدلين عن الآخر في القدر في بيع منجز، والثاني ما فضل فيه أحد البدلين عن الآخر في القيمة المقابلة بالأجل في بيع مؤجل. فإذا أجله من غير شرط كان كالمنجز عند الحنفية وكالنسبة عند الشافعية.
وقد اتفق الفقهاء على أن ربا النساء يحرم بوجود أحد وصفي علة الربا، أما الفضل فلا يحرم إلا بوجود وصفي العلة معًا: وهما عند الحنفية القدر مع الجنس.
وعند الشافعية الجنس مع الثمنية. أو الجنس مع الطعم.
وعند المالكية الجنس مع الطعم والاقتيات والادخار، أو الجنس مع الثمنية.
المبحث الثاني: شرائط جريان الربا:
لا يجري الربا في المعاوضات ولا تحرم به إلا إذا توافرت فيها شرائط هي:
أ- أن يكون بدلا المعاوضة التي يتحقق فيها الربا معصومين، أي مملوكين ملكًا لا يجوز الاعتداء عليه وسلخه عن صاحبه بغير حق مشروع، فلو كان البدلان أو أحدهما مباحًا غير معصوم، كمال الحربي.
فقد ذهب جمهور الحنفية إلى أنه لا يجري الربا فيه إذا كان المسلم هو الآخذ. بل تصح المعاوضة مع قيامه، فإذا كان المسلم هو المعطي لم يجز.