فهرس الكتاب

الصفحة 169 من 1226

-3 وأما الإجماع فهو محكي عن جميع الفقهاء في كل العصور، لم يشذ منهم واحد، حتى أن الماوردي قال: (إنه لم يحل في شريعة قط) لقوله تعالى: (وأخذهم الربا وقد نهوا عنه) يعني في الكتب السابقة.

المبحث الثالث: حكم الربا في البيع من حيث الأثر النوعي المترتب عليه:

ذهب الحنفية إلى أن اشتراط الربا في المعاوضات مفسد لها، وقد تقدم أن العقد الفاسد يثبت به الملك عند الحنفية خلافًا للعقد الباطل، إلا أنه ملك خبيث، لا يجوز الانتفاع به معه، وهو عقد واجب الفسخ وعلى هذا يكون بين الربا والعقد الفاسد عموم وخصوص مطلق، فكل عقد ربوي فاسد ولا عكس.

وذهب الجمهور -المالكية والشافعية والحنابلة- إلى أن الربا في المعاوضات مبطل لها، ذلك أن الجمهور لا يفرقون بين الفساد والبطلان في العقود، وقد تقدم ذلك، فيكون العقد الربوي عندهم كأنه لم يكن، فلا ينتج عنه ملك ما.

الفصل الثاني: الأموال التي تجري فيها الربا، وعلة الربا:

المبحث الأول: الأموال التي يجري فيها الربا:

اتفق الفقهاء على جريان الربا في أموال معينة، واختلفوا في جريانه في أموال أخرى، وذلك على الوجه الآتي:

أ- اتفقوا على أن الربا يجري في الأموال التالية، وهي ستة: الذهب، والفضة، والبن، والشعير، والتمر، والملح. وذلك إذا استجمعت شرائط الربا. ودليلهم على ذلك:

-1 ما رواه عبادة بن الصامت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُن بالبُن، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد) متفق عليه.

-2 ما رواه أبو سعيد الخدري أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل ولا تُشفَّوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الوَرِق بالوَرِقَ إلا مثلًا بمثل ولا تُشِفَّوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز) متفق عليه.

-3 ما رواه أبو هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (الذهب بالذهب وزنًا بوزن مثلًا بمثل، والفضة بالفضة وزنًا بوزن مثلًا بمثل فمن زاد أو استزاد فهو ربا) رواه مسلم والنسائي وأحمد.

-4 ما رواه أبو سعيد الخدري وأبو هريرة -رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- استعمل رجلًا على خيبر، فجاء بتمر جنيب، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أكُل تمر خيبر هكذا؟ فقال: لا والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: لا تفعل بع الجَمْع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبًا، وقال في الميزان مثل ذلك) متفق عليه. وفي رواية لمسلم (وكذلك الميزان) .

والتمر الجنيب هو التمر الجيد، والتمر الجَمْع هو التمر الذي اختلط فيه الجيد بغيره فكان من أصناف متفاوتة في الجودة، وقيل هو التمر الرديء، والمعنيان متقاربان، لأن المختلط ملحق بالرديء في السعر غالبًا: ومعنى رواية مسلم (وكذلك الميزان) أي وكذلك ما بيع بالميزان، فإنه في الحكم مثل ما بيع بالمكيال.

فإن هذه الأحاديث الصحيحة وغيرها مما جاء في معناها يدل دلالة صريحة على حرمة التفاضل في بيع الأموال الستة كل بجنسه، وعلى حرمة الأجل فيه، ولذلك أجمع جماهير العلماء منذ الصدر الأول إلى يومنا هذا على جريان الربا فيها، وذلك إن بيعت بجنسها، كبيع الذهب بالذهب والملح بالملح ... متفاضلًا في الحال، أو غير متفاضل ولكن إلى أجل، لصراحة النصوص السابقة.

إلا ما روي عن بعض التابعين من عدم جريان ربا الفضل فيها وفي غيرها من الأموال، وهو خلاف قول الجماهير فلا نعمل به.

ب- واختلفوا في جريان الربا فيما عدا هذه الأنواع الستة من المال وذلك على مذهبين:

أولًا: مذهب الظاهرية، وهو عدم جريان الربا في غير هذه الأموال الستة، لأن جريان الربا فيها كان تعبديًا غير معلل، فلا يقاس عليها غيرها فيه، وهذا المذهب مروي عن عطاء وقتادة.

ثانيًا: مذهب جماهير العلماء غير الظاهرية، وفيهم أئمة المذاهب الأربعة، وهو أن الربا يجري في غير هذه الأموال الستة كما يجري فيها، ذلك أن التحريم فيها معلل، فيقاس عليها غيرها.

إلا أن هؤلاء العلماء اختلفوا في العلة التي يتعدى بها الحكم إلى غير هذه الأموال، ذلك أن العلة غير منصوص عليها، ولا بد لاستخراجها من الاجتهاد وبذل الجهد.

المبحث الثاني: علة الربا:

اختلف الجماهير في علة الربا إلى أربعة مذاهب كالآتي:

-1 مذهب الحنفية: وهو أن علة التحريم في هذه الأموال وصفان هما: القدر (وهو الكيل أو الوزن) ، والجنس. ذلك أن هذه الأموال الستة بعضها موزون كالذهب والفضة، وبعضها مكيل، كالبن والشعير، وليس فيها غير مقدر.

وقد نص النبي -صلى الله عليه وسلم- على تحريم بيع الجنس بجنسه فيها متفاضلًا، فكان على التحريم الجنس مع القدر. وعلى ذلك إذا باع صاعًا من حنطة بصاع منها ناجزًا جاز، لانعدام أحد وصفي العلة، وهو التفاضل في القدر. فإذا باعه بصاعين حرم لقيام الوصفين وهما: التفاضل في القدر مع اتحاد الجنس، ولا يؤثر في ذلك أن يكون الصاعان قيمتهما كقيمة الصاع الواحد المقابل لرداءتهما وجودة الصاع، فإن الجودة في أموال الربا ساقطة الاعتبار. فيكون الاعتبار للوزن والكيل دون القيمة. وذلك لصراحة الحديث الشريف المتقدم: بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبًا).

وكذلك الحكم في كل مكيل أو موزون، كأنواع الخضار، والمعادن، والسوائل التي تباع بالكيل أو الوزن، فأنها أموال ربوية قياسًا على الأموال الستة.

وأما الأقمشة التي تباع ذرعًا، والأدوات التي تباع عدًا، فإنها مما لا يجري فيه الربا عندهم لانعدام الكيل أو الوزن فيها وهما القدر الوارد في الأموال الستة فلا يزاد عليه. فلو باع بطيخة ببطيختين أو بيضة ببيضتين جاز، إذا كان العرف يجري على بيعه بالعدد، ولو باع طنًا من البطيخ بطنين منه لم يجز إذا كان العرف جار على بيعه بالوزن، لأنه في المرة الأولى غير مقدر بالمقدار المحرم، وفي الثانية مقدر به.

ولا يتم التحريم عند الحنفية في البيع المنجز إلا باجتماع وصفي العلة معًا، فإذا وجد أحد الوصفين دون الآخر لم يحرم البيع الحال، وأما البيع لأجل، وهو (النَّساء) فإنه يحرم بوصف واحد.

-2 مذهب الشافعية: وهو أن علة الربا إنما هي الثمنية، أو الطعم، ذلك أن الذهب والفضة ثمنان، والأنواع الأربعة الأخرى مطعومة، فكانت العلة في تحريم الربا فيها ذلك. والجنس شرط التحريم في كل، فإذا باع حنطة بحنطة حرم التفاضل وكذلك كل مطعوم إذا بيع بجنسه، والطعام عندهم هو كل ما قصد للغذاء كاللحم، أو التفكه بالفواكه، أو لسلامة البدن كالأدوية، فإنها كلها مطعومة في حق الربا.

فإذا بيع بخلاف جنسه، لم يحرم ما دام البيع منجزًا، لاختلال شرط التحريم وهو اتحاد الجنس بين البدلين.

وكذلك إذا باع فضة بفضة منجزًا، فإنه محرم إلا إذا تساويا وزنًا، وكذلك الذهب بالذهب للثمنية في كل واتحاد الجنس.

فإذا باع حديدًا بحديد متفاضلًا لم يحرم، لانعدام العلة، وهي الطعم أو الثمنية.

-3 مذهب المالكية: وهو أن علة الربا إنما هي الطعمية مع الاقتيات والادخار في الأنواع الأربعة، والثمنية في الذهب والفضة مع الجنس.

والطعمية عندهم معناها كل ما يطعمه الناس للتفكه، أو التداوي، أو التغذي أو غير ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت