-غفلة عن حقيقة ما خلقوا لأجله، وحقيقة الحياة الدنيا والآخرة.
-وغفلة عن حقيقة أحكام الله تعالى في البيع والشراء.
-وغفلة عن أسواق الأسهم، والطريقة الرأسمالية في هذه الصالات، التي هي في حالات منها أقرب ما يكون إلى الميسر والقمار، خصوصا في الحالات التي يكون فيها الانخفاض والارتفاع في قيمة الأسهم بشكل سريع غير معلل ولا مبرر.
لقد كانوا في غفلة واضحة غير معقولة، ولا مقبولة ..؟ّ!!؛ إذ كيف كانوا لا يفطنون إلى النهاية السيئة، وهم ينظرون إلى زيادات غير طبيعة، ولا مبررة ؟!!.
ألم يكونوا يدركون أنه سوق، وليست هبات مضمونة من محسنين ؟.
ألم يعرفوا أنها رأسمالية قاسية لا ترحم.. فيها أطراف متصرفون، قادرون على التلاعب، ومتصرف فيهم، ليس لهم من الأمر شيء، وهم هؤلاء الجموع، إلا أنهم هم الخاسرون في كل حال ؟.
لو كان لديهم الوعي، والفهم الكافي لما كانوا وقود هذا السوق، ولا حجارته ..
لكنها الآمال، وحب الدرهم والدينار ؟!!.
غرهم أن فلانا صار من أصحاب الملايين، بين عشية وضحاها، وقد كان يستدين ليشتري ملابسه. وما تذكروا الطعم الذي يأتي بالصيد، وهل الصيد إلا بطعم، فهؤلاء هم الطعم، ولولاهم ما جاءت الجموع زرافات ووحدانا تطلب الغنيمة.
لقد كان منظر الجموع مزريا وهي تتدافع، وتتقاتل، وتتهافت تهافت الفراش على النار، عند أبواب الشركات للاكتتاب، بعضهم يطأ بعضا، وكأنها أبواب الجنة.
بعد كل هذه المعاناة، لم يخرجوا لا بقليل ولا كثير، ولو أنهم كانوا من الذين يتقون الشبهات، ويستبرءون لدينهم، ومن الرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله. لكان خيرا لهم وأقوم.
لكن، هي تجربة مرت.. والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين.
إن الله تعالى خلقنا لنبتغي الآخرة أولًا، ثم حظ الآخرة ثانيا، فقال:
{وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا} .
وهكذا يفلح وينعم، أما من عكس الأمر، فالأمر كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(من كان الآخرة همه، جعل الله غناه في قلبه، وجمع عليه شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة. ومن كانت الدنيا همه، جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له) الترمذي
محمد جلال القصاص [1]
في القرآن الكريم تتكرر الأحداث ، بل والألفاظ ، حتى أن القرآن الكريم يحكي عن المفسدين في كل العصور ذات الكلمات بنصها ، ثم يتساءل متعجبا ( أتواصوا به ) ويجيب مقررا ( بل هم قوم طاغون ) ، فالاشتراك في المفاهيم والتصورات ــ وهي هنا الظلم والطغيان ــ أدى إلى تطابق الخارج من الجوارح .
نعم تتشابه القلوب فتتكرر الكلمات والأفعال والمواقف ، في الخير والشر ، وفي ثنايا السيرة شواهد عديدة ؛ يُشبَّه أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ بمؤمن آل فرعون ، وعُروة بن مسعود الثقفي بالرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى [2] ، وأبو جهل بفرعون [3] ، وأمية بن أبي الصلت بالذي آته الله آياته فانسلخ منها [4] ... وقريب من هذا"إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ [5] "و"لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ [6] . وغير هذا كثير ."
وفي الواقع المعاصر عجيبة لم أراها في التاريخ كله ، وهي أن الأحداث ... المشاريع ... تتكرر على مسافات قريبة جدا بذات الآليات . ولا يستطيع أحد أن يوقفها ، مع أن الأحداث تُنقل بالصوت والصورة من كل مكان في كل مكان . وهذا الأمر كثير جدا ، وبيِّن جدا في رحيل الاستعمار وتولي القوميون . . . العلمانيون ، تم الأمر بذات الطريقة تقريبا في كل الدول ، وذات الشيء يحدث في ما يعرف بتغريب المجتمعات الإسلامية ،وهو ما أردت الحديث عنه في هذا المقال .
أقول: بعد فشل المشروع التغريبي في مصر ، وقيام الصحوة الإسلامية على أنقاده ، بعد إفلاسه وانقلاب بعض كوادره وجمهوره عليه [7] ، بدأ يظهر في أماكن أخرى من العالم الإسلامي المحافظ الذي تربى على التوحيد ودعى إليه في جميع أنحاء المعمورة ، وبذات الآليات ، وعلى ذات المحاور ، وبذات الأفكار التي كانت . !!
ولا يستخفنك العجب وتمهل .
سأعرض عليك الخطوط الرئيسية للمشروع التغريبي في مصر لتعلم كيف أنها اليوم تتكرر .
بدأ المشروع التغريبي في مصر على عدة محاور ــ وكل محور كان يتطور في نفسه ويتعاون مع غيره ــ ؛ كان من أهمها حسب الترتيب الزمني:
ـــ البعثات العلمية ، التي أخرجت للمجتمع المصري فئة من ( المثقفين ) تشبعوا بحبِّ الغرب ، وراحوا يكتبون عنه بما يُحسِّن أحواله ، ويطالبون من طرف خفي أولا ثم على الملأ بعد ذلك أن يتخلى المجتمع المصري عن توجهه ( المحافظ ) وينفتح على العالم ؛كي يتقدم ويرتقي كما تقدم القوم وارتقوا .
ـ المدارس الخاصة ، ذات الخلفيات الدينية العلمانية في مناهجها أو مدرسيها ومدرائها [8] ، وهذه كانت إحدى المصائب الكبرى التي رُميت بها الأمة في مصر وتركيا وغيرهما ، وكان لها أثرا كبيرا في المجتمع بعد ذلك ، والكلام فيها يطول . وهو مبثوث منشور في أماكن عدة ومن شاء أن يطلع فليفتش [9] .
ويلاحظ أن أصحاب البعثات وخريجي المدارس الخاصة ، كان لهم وضع خاص في الهيكل التوظيفي في الدولة يومها ، ومازال الحال كما هو إلى اليوم .
ــ المجلات والصحف ، كانت إحدى المحاور الرئيسية أيضا ، فبعضها كان ثقافي تنظيري يتحدث عن القضايا الجديدة وينظر لها ، وبعضها كان يرتدي ثوب ( الأدب ) ، يجدد في الأدب ، وتجديده كان معولا في جدار الشريعة ، ولك أن تراجع ما كتبت يدُ إيليا أبو ماضي ، وجبران خليل جبران . وغيرهما ممن تطاول على عقيدة القضاء والقدر ، وبعض المجلات عملت على ترويض أصحاب الهمم الدنيئة من الذين في قلوبهم مرض بإظهار الكاسيات العاريات المائلات المميلات ، وبث أخبار الفن والفنانين ، وتلميعهم في أعين الناس ليكونوا ( أبطالا ) يحتذي بهم .
ــ الوطنية وهي القَدُوم الذي تكفل بقطع أواصل الولاء ودق وتَد البراء ، فخرجت الحركات الوطنية التي عقدت الولاء على الوطن بحدوده المصطنعة ، ونظرت ( للآخر ) على أنه محتل ذي أطماع اقتصادية وعنجهية عنصرية ، وتعامت عن أنه كافر لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرم ما حرم الله ورسوله ولا يدين دين الحق ، وأن المسلمون أمة واحدة .. كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى .
ــ ومن المحاور المهمة جدا محور المرأة ، الذي بدأ يتكلم عن جواز كشف الوجه ، وأن الحجاب في الشريعة لا يطاله ــ وهو قول مرجوح ــ ، ثم تسلل إلى جميع أجزاء المرأة إلا ما قبح كشفه وجَمُل ستره . فقد كانت دعوة قاسم أمين لا تتعدى المطالبة بكشف الوجه ، وكانت زوجته هو متسترة لا يراها الأجانب من الرجال .
وهي ذات الدغدغة التي تدور اليوم في الصحف على يد ( المتنورين ) .
ثم تكلموا في خروج المرأة وعملها . مشروع أم غير مشروع ؟!