فهرس الكتاب

الصفحة 1017 من 1226

(23) وانظر: مواهب الجليل (6/517) ومنح الجليل (3/36)

(24) مواهب الجليل (6/517) ومنح الجليل (3/36)

تركي بن محمد اليحيى 1/7/1427

مصطلح"الأسهم النقية"يراد به أن تكون الشركة خالية من الاستثمارات المحرمة المعلنة أو البارزة في نشاط الشركة أو قوائمها، وذلك أنه لا يمكن أن يشترط على المسلم أن يتتبع جزئيات الشركة وأعمالها اليومية، فهذا متعذر ولا يمكن اشتراطه، فيُكتفي بما يظهر من أعمال الشركة ونشاطاتها وقوائمها.

أما ما يسمى بـ"الشركات المختلطة"فهي الشركات ذات النشاط المباح في الأصل لكنها تتعامل ببعض المعاملات المحرمة كالربا وغيره، وهذه أجازها بعض أهل العلم على اختلافٍ بينهم في ضوابط الجواز، بينما حرمها بعض أهل العلم مهما كانت نسبة الاختلاط فيها.

والذي ظهر لي من خلال بحث المسألة والأقوال والأدلة فيها رجحان القول بالتحريم.

وليس المقصود هنا بحث هذه المسألة، وإنما المراد الحديث عن مسألة مبنية على القول بتحريم الأسهم المختلطة.

وهي أن بعض الشركات"النقية"التي لا تستثمر بالحرام، قد تستثمر في أسهم الشركات المختلطة، وقد يرد على الباحث إشكالٌ حول تأثير هذا الاستثمار على جواز تلك الشركات النقية.

وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن مثل هذا الاستثمار يؤدي إلى اعتبار تلك الشركات شركات مختلطة ويخرجها عن كونها من الشركات النقية.

وحيث إن هذه المسألة متصلة بأحد مباحث رسالة الدكتوراه التي أقوم بإعدادها فقد كتبت فيها وجهة نظر أحببت أن أطرحها بين يدي إخواني من الباحثين وطلبة العلم، أرجو أن أستفيد من مداخلاتهم حولها.

ولعلي أطرح المسألة من خلال النقاط التالية:

أولًا: لابد أن نحدد الوصف الفقهي لتحريم الأسهم المختلطة، ثم نبني الحكم انطلاقًا من ذلك الوصف، بحيث نعطي حكمًا مطردًا لكل مسألة مماثلة، فلا نفرق بين المتماثلات في الحكم أو العكس.

فإذا اعتبرنا تحريم الأسهم المختلطة أمرًا قطعيًا، أو أن الخلاف فيها خلافٌ شاذ، فيجب أن يكون أثر الاستثمار فيها على الشركات، كأثر الاستثمار بالربا وغيره من المعاملات المحرمة.

أما إذا اعتبرنا أن تحريمها مسألة اجتهادية مختلف فيها وأنه مع كون الراجح هو تحريمها، إلا أنها تظل مسألة اجتهادية، والخلاف فيها له حظ من النظر، فيجب هنا أن نعطيها حكم المعاملات المختلف فيها.

ثانيًا: إذا كان محل العقد أو النشاط الغالب في الشركة هو المختلف فيه، فإن الشريك الذي يرى القول بالتحريم يحرم عليه الدخول في الشركة، أو الاستمرار إذا كان داخلًا فيها، لأنه يعتقد حرمة المحل.

أما إن كان محل العقد أو النشاط الغالب في الشركة مما يعتقد الشريك حله وإباحته، فإن المشاركة تجوز له بالاتفاق، فإذا دخلت الشركة في نشاطٍ مختلف فيه لكون الشركاء يعتقدون الإباحة فالحكم هنا مختلف وهو محل البحث.

ثالثًا: المعاملات المختلف فيها كثيرة جدًا، والشركاء قد يتفقون أن يكون محل الشركة ونشاطها مما يتفقون على جوازه، ولكن قد يقع من بعضهم من المعاملات ما يرى إباحته هو ويدخلها بتأويل سائغ، بينما قد يكون بعض الشركاء ممن يرى التحريم، فهل تخرج الشركة من كونها نقية إلى أن تكون مختلطة بمجرد أن تدخل في أي عقد مختلف فيه؟، لا سيما إذا كان دخولها في هذا المختلف فيه مبنيًا على تأويل سائغ وفتوى معتبرة، فلو كان الأمر كذلك لم يصح من الشركات إلا التي تكون جميع المعاملات فيها جائزة بالإجماع، وهذا متعذّر لكثرة الخلاف في المعاملات، أو التي يكون الشركاء فيها متفقين في جميع مسائل الخلاف، وهذا لا يقول به أحد.

رابعًا: نظرًا لاختلاف أقوال العلماء في بعض مسائل المعاملات المالية الاجتهادية، فإن الشركاء إذا كانوا من مذهبين مختلفين، قد يقع من أحدهما معاملة مالية جائزة في مذهبه، لكنها محرمة في مذهب شريكه، فيرد بناءً على هذا مسألة حكم مشاركة المسلم للمسلم إذا كانا من مذهبين مختلفين.

وإذا كانت العلة من اشتراط أن لا يلي الكافر العمل إذا شاركه المسلم، هي في كونه قد يتعامل بالحرام، فإن العلة موجودة هنا، وهي أنه من المحتمل أنَّ من يلي العمل من الشريكين قد يتعامل بما هو عند شريكه محرم.

ورغم ذلك لم أجد من أهل العلم من اشتراط اتحاد المذهب، مما يدل على أنها على الأصل وهو الجواز، بل إن هناك من نصَّ على الجواز في أوسع نوع من أنواع الشركات وهي المفاوضة، كما جاء عند الحنفية:"وتصح المفاوضة (1) بين حنفيِّ وشافعيِّ، وإن تفاوتا تصرفًا في متروك التسمية؛ لتساويهما ملَّةَّ" (2) .

المذاهب الأربعة بالاتفاق تصحح الشركة بين مختلفي المذهب، رغم أنه من المعلوم اختلاف المذاهب في كثير من مسائل المعاملات، وأن الشريك لابد أن يقع منه من العقود والمعاملات ما يرى جوازه بينما شريكه يرى التحريم.

ولو لم نقل بهذا للزم أن يشترط في المضاربة مثلًا أن لا يدفع رب المال ماله لأحد ليتاجر به، إلا إذا حدد له أنواع العقود بدقة، أو كان متفقًا معه في جميع مسائل الخلاف بلا استثناء، حتى ولو كان العامل مسلمًا، لا يجري من العقود إلا ما اعتقد جوازه.

خامسًا: من الواضح اتفاق الفقهاء من المذاهب الأربعة على التفريق بين أمرين:

الأول: دخول الشركة في الحرام المحض، ولذلك يشترطون لجواز مشاركة الكافر أن لا يلي التصرف؛ لكونه قد يعقد على الحرام المحض.

الثاني: دخول الشركة في المعاملات المختلف فيها إذا كان من يلي عقدها هو من يرى الجواز بناء على مذهبه، أو اجتهاده، أو نحو ذلك، ولذلك لا يشترط أحد منهم أن يتفق الشركاء في المذهب.

ولذلك من المهم التفريق بين الأمرين في مسألتنا، وأقصد التفريق بين الدخول في الشركة التي تتعامل بالحرام المحض، وبين الشركة التي تستثمر في مجالات هي محل خلاف بين أهل العلم.

سادسًا: من المهم أن يقال لمن اعتبر الشركات النقية شركات مختلطة إذا ما استثمرت بالأسهم المختلطة: ما ضابط الشركات المختلطة؟

فإن قيل: هي التي تتعامل بالحرام المحض المقطوع بحرمته، أو ما كان القول بجوازه قولًا شاذًا.

قيل: فالأسهم المختلطة ليست من المقطوع بحرمته، وليس القول بالجواز من الأقوال الشاذة التي لا اعتبار لها -رغم أننا نقول برجحان التحريم-.

وإن قيل: بل بالمختلطة تشمل حتى التي تتعامل بالمعاملات المختلف فيها.

قيل: كل الشركات -سواء المساهمة أو غيرها- تتعامل بالمختلف فيه، بل أنتم ذكرتم شركة مكة مثلًا من النقية، رغم الخلاف المشهور في حكم تأجير دور مكة، ورغم كونها تؤجر بعض المحرمات.

وذكرتم نادك من النقية، رغم وجود عقد تأمين صحي عندها وهو محل خلاف.

والتورق مختلف فيه فهل نقول بأن كل الشركات التي لديها تورق مختلطة؟.

وكذلك المرابحة للآمر بالشراء، والتأجير المنتهي بالتمليك وغيرها.

سابعًا: لعلي أمثّل لما أشرت إليه من أنه لابد أن يكون المحل جائزًا أو مطلقًا، وأن يكون المختلف فيه تابعًا، أما إن كان محل الشركة المختلف فيه فإن من يرى التحريم، يحرم عليه الدخول في الشركة.

ومثال ذلك: بيع كلاب الصيد محرمٌ عند الحنابلة، والشافعية، وجائزٌ عند الأحناف.

فلو تشارك حنبليٌ وحنفيٌ شركةً مطلقة، فلا إشكال في الجواز.

وإن تشاركا شركةً محددةً في بيع البهائم مثلًا، فإن محل العقد هنا مباحٌ في الجملة عندهما، مع احتمال أن يبيع الحنفيُ في الصورتين كلاب الصيد أحيانًا، فالشركة هنا جائزة أيضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت