رابعًا: هوَّن من خطورة الربا على كثير من الناس ، بل حتى على كثير من طلبة العلم ما ذكر من أن نسبة الجزء المحرم في الشركة لا يتجاوز الواحد في الألف ، وأن هذه نسبة قليلة جدًا .
وهذا الإطلاق غير صحيح أيضًا . ويزول اللبس بالتوضيح الآتي: أودعت ينساب ما تحصل لها من أموال المكتتبين المؤسسين في وقت قصير فحصلت عوائد ربوية مقدارها (4.375.000ريالًا) فالحقيقة إذًا أن الشركة قامت بتوظيف أموال المكتتبين المؤسسين في الحرام وهو الربا ، ووعدت بإجراء ذلك في أموال الاكتتاب العام كما سبق بيانه .
ومما يؤكد تهاون الناس بجريمة الربا أن الناس لو قيل لهم بأن الشركة ستقوم بتشغيل أموال المكتتبين مدة شهر واحد فقط في المتاجرة في المخدرات أو الخمور أو دور البغاء ، وأن العائد منها سيكون واحدًا في المليون: لنفر المؤمنون الناس من ذلك بالفطرة ، ولم تكن كلمة (واحد في المليون) سببًا في تساهلهم بالاكتتاب ، فكيف بأخذ الربا الذي هو أعظم منها ؟!.
خامسًا: العبرة في معرفة نظام الشركة هو نشرة الإصدار الرسمية . وينبني عليه أمران:
الأول: أنه لا عبرة بالكلام الشفوي ، لأن الشركات الكبرى لا تعمل إلا وفق نظام رسمي ، ومجالس إدارية ، ورقابة صارمة بمطابقة مافي نشرة الإصدار .
الثاني: أن ما وعدت به الشركة من القروض الربوية ، قد وقع عليه المكتتب . فلا يقال فيه نشارك ؛ لأنه قد يتغير ، أو أن الأمر محتمل ، ونحو ذلك مما تنفيه نشرة الإصدار الرسمية للشركة .
وأدعو الجميع إلى تأمل نص ما جاء في نشرة الإصدار (صفحة أ ) تحت عنوان ( إشعار هام ) : وتتحمل سابك كامل المسؤولية عن دقة المعلومات الواردة في هذه النشرة ، وتؤكد حسب علمها واعتقادها بعد إجراء الدراسات الممكنة وإلى الحد المعقول: أنه لا توجد أية وقائع أخرى يمكن أن يؤدي عدم تضمينها في هذه النشرة إلى جعل أية إفادة واردة هنا مضللة .. ويتحمل كل مستلم لنشرة الإصدار قبل اتخاذ قرار الاستثمار مسؤولية الحصول على استشارة مهنية مستقلة بخصوص الاكتتاب .. اهـ .
وأخيرًا:
إن سبب حرصي وكتابتي في هذا الموضوع أن الأمر أوسع من أن يكون بحثًا فقهيا اجتهاديًا ؛ لأن الفتيا بالجواز سبب أساس في بقاء الربا في الشركات القائمة والقادمة ؛ لأن إقبال الناس على الاكتتاب وارتفاع الأسهم مبني في أكثره على الفتيا بالجواز ، ولو لم يفت بالجواز لما أقبل الناس ، ولخضعت الشركة وأمثالها حينئذ إلى مطالب العلماء - بإذن الله تعالى - وقبلوا باشتراط وجود اللجنة الشرعية التي ترشحها جهة علمية مستقلة .
وعليه فإن هذه المناقشة إنما هي حسبة على منكر الربا في الشركات ، والهجر من أقوى وسائل إنكاره ، وأرها متعينة في هذه المرحلة . راجيًا أن يطلع من قرأ هذه المناقشة على الرسائل الثلاث السابقة .
وبهذا تنتهي المناقشة والحمد لله رب العالمين .
الحمد لله مالك الملك يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير، أحمده عز وجل وأشكره وأثني عليه الخير كله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.... أما بعد:
فيا أيها المسلمون: اتقوا الله حق التقوى وراقبوه في السر والنجوى واعلموا أنه لا تخفى عليه خافية من أمر عباده (( الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) ) (الشعراء 219) .
يبتلي عباده بالسراء والضراء والنعمة والبأساء والصحة والمرض والغنى والفقر (( وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) ) (الأنبياء: 35) .
أيها المسلمون: لقد جاءت هذه الشريعة الغراء بكل الخيرات والكمالات ، وحرمت جميع الأضرار والمفسدات ؛ فأباحت للناس الطيبات وحرمت عليهم الخبائث وشرعت لهم طرائق يطلبون بها المال الحلال والرزق المبارك فأباحت معاملات البيوع والشراء والإجارة والشركة وأنواع الحوالات والضمانات وغيرها من المعاملات وفق ضوابطٍ شرعية
وآدابٍ مرعية .
وإذا كان لكل أمة فتنة فما هي فتنة هذه الأمة ؟ ، يجيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم بقوله: (( إن لكل أمة فتنة ، وفتنة أمتي المال ) ) [1] .
وقد جدّت في عالم اليوم طرائق كثيرة لكسب المال وتحقيق الثراء السريع . من أشهرها كما يعلم الجميع هي: وسيلة الإتجار في سوق الأسهم المالية العالمية منها والمحلية .
وأصلها كما هو معروف أسلوب غربي رأسمالي أخذه المسلمون عن الدول الغربية التي يحكم أسواقها القانون المدني، وقد قامت هيئات شرعية في عدد من البنوك في البلاد الإسلامية بضبطه وتعديله ليتوافق مع الأحكام الشرعية وحصل بذلك خير كثير ولكن بقي فيه فجوات كبرى طالما حذر منها الناصحون والغيورون .
مثل آليات البيع والشراء وحركات المضاربة العشوائية والتضخم اللامنطقي، والكذب والتغرير،والنجش في بعض أوامر الشراء، والنجش المضاد ونحو ذلك مما شاب أسواق الأسهم وأفسدها....
وكانت تلك الشركات منها ما هي محرمة بلاخلاف كالشركات الربوية أو التي أصل نشاطها محرم، ومنها شركات مختلطة أصل نشاطها مباح ولكنها تُقرض أو تقترض بالربا وقد أباحها بعض أهل العلم بضوابط معينة، والصحيح أنها محرمة لا يجوز الدخول فيها على الراجح من أقوال جماهير العلماء المعاصرين والمجامع واللجان الفقهية والشرعية والقسم الثالث شركات مباحة يجوز المساهمة فيها وهي معروفة عند أهل هذا الشأن ، وهي التي أصل نشاطها مباح وسلمت من القروض الربوية .
أيها المسلمون: وفي هذه الأيام بدأت أسواق الأسهم بالنزول والانحدار حيث المؤشرات تنزف نسبًا يومية في أكثر دول الخليج وبعض الدول العربية ... وذهل الناس واندهشوا وأصيبوا بحالة من الوجوم والاستغراب في بداية الأمر ثم بدأ مسلسل الخسائر والمصائب وحلَّت بالمساهمين خسائر فادحة، وجوائح فاجعة، فترى بعض القوم لأجلها صرعى يتجرعون منها غصص البلوى ويرفعون بسببها الشكوى فكم ترى من مهموم مغموم مثقل بالديون وتسمع عن آخرين ارتفع عندهم ضغط الدم أو السكري أو كليهما فأدخلوا المستشفيات والمصحات وسمع الناس عن حالة وفيات، ومنهم من أصيب بانهيار عصبي؛ لأجل فقده جميع ما يملك ، وتصفية جميع محفظته التي كان قد اقترض نصف رأس المال فيها من أحد البنوك فاستوفى البنك مستحقاته وبقيت الخسارة يتجرعها هذا المسكين لوحده إلى غير ذلك من مسلسل المصائب والنكبات التي أفرزتها هذه الأزمة وهذا الانهيار السريع .
ولا ينكر أحد أن المال محبب إلى النفوس فطرة فهو عصب الحياة وشقيق الروح وبقدر ما يتمنى المرء الحياة والبقاء فهو يتمنى المال كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( يهرم ابن آدم وتشب معه اثنتان الحرص على المال والحرص على العمر ) ) [2] .
من حديث أنس بن مالك وفي البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا يزال قلب الكبير شابا في اثنتين في حب الدنيا وطول الأمل ) ).
وفي هذه المصيبة المالية والنقيصة الدنيوية نذكر أنفسنا والمسلمين بعدة قضايا علها أن تساهم في التعزية والتسلية للخاسرين من جهة ، ومن جهة أخرى علها أن تساهم في تصحيح المسار وضبط الإستثمار لعموم المستثمرين والمساهمين .