وَيَجُوزُ بَيْعُ فِضَّةٍ لَا يَقْصِدُ غِشَّهَا بِخَالِصَةٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْحُلُولُ وَالتَّقَابُضُ فِي صَرْفِ الْفُلُوسِ النَّافِقَةِ بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ نَقَلَهَا أَبُو مَنْصُورٍ وَاخْتَارَهَا ابْنُ عَقِيلٍ ، وَمَا جَازَ التَّفَاضُلُ فِيهِ كَالثِّيَابِ وَالْحَيَوَانِ يَجُوزُ النَّسَاءُ فِيهِ إنْ كَانَ مُتَسَاوِيًا وَإِلَّا فَلَا ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ ، وَإِنْ اصْطَرَفَا دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِمَا جَازَ .
وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ خِلَافًا لِمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَيَحْرُمُ مَسْأَلَةُ التَّوَرُّقِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَمَنْ بَاعَ رِبَوِيًّا نَسِيئَةً حَرُمَ أَخْذُهُ عَنْ ثَمَنِ مَا لَا يُبَاعُ نَسِيئَةً مَا لَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ .
وَهُوَ تَوَسُّطٌ بَيْنَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي تَحْرِيمِهِ وَالشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيَّ فِي حِلِّهِ ، وَالتَّحْقِيقُ فِي عُقُودِ الرِّبَا إذَا لَمْ يَحْصُلُ فِيهَا الْقَبْضُ أَنْ لَا عَقْدَ ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ يَقُولُ بَطَلَ الْعَقْدُ فَهُوَ بُطْلَانٌ مَا لَمْ يَتِمَّ بُطْلَانُ مَا تَمَّ ، وَالْكِيمْيَاءُ بَاطِلَةٌ مُحَرَّمَةٌ وَتَحْرِيمُهَا أَشَدُّ مِنْ تَحْرِيمِ الرِّبَا ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْكُتُبِ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَى مَعْرِفَةِ صِنَاعَتِهَا وَأَفْتَى بَعْضُ وُلَاةِ الْأُمُورِ بِإِتْلَافِهَا . فَصْلٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمَقَاثِي جُمْلَةً بِعُرُوقِهَا سَوَاءٌ بَدَا صَلَاحُهَا أَوْ لَا ، وَهَذَا الْقَوْلُ لَهُ مَأْخَذَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعُرُوقَ كَأُصُولِ الشَّجَرِ ، فَبَيْعُ الْخَضْرَاوَات قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا كَبَيْعِ الشَّجَرِ بِثَمَرِهِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ يَجُوزُ تَبَعًا .
وَالْمَأْخَذُ الثَّانِي وَهُوَ الصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ لَمْ تَدْخُلْ فِي نَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ يَصِحُّ الْعَقْدُ عَلَى اللُّقَطَةِ الْمَوْجُودَةِ وَاللُّقَطَةِ الْمَعْدُومَةِ إلَى أَنْ تَيْبَسَ الْمَقْثَأَةُ ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى ذَلِكَ .
وَيَجُوزُ بَيْعُ الْمَقَاثِي دُونَ أُصُولِهَا وَقَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا ، وَإِذَا بَدَا صَلَاحُ بَعْضِ شَجَرَةٍ جَازَ بَيْعُهَا وَبَيْعُ ذَلِكَ الْجِنْسِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ ، وَقَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ .
وَبَقِيَّةُ الْأَجْنَاسِ الَّتِي سَاءَ حَمْلُهُ فَإِنَّ أَصْحَابَ ذَلِكَ أَوْ الزَّرْعِ الَّذِي بِجَائِحَةٍ وَلَوْ مِنْ جَرَادٍ أَوْ جَيْشٍ لَا يُمْكِنُ تَضْمِينُهُ فَمِنْ ضَمَانِ بَائِعِهِ إنْ لَمْ يُفَرِّطْ الْمُشْتَرِي ، وَثَبَتَتْ الْجَائِحَةُ فِي الْمَزَارِعِ ، كَمَا إذَا اكْتَرَى الْأَرْضَ بِأَلْفٍ مَثَلًا وَكَانَتْ تُسَاوِي بِالْجَائِحَةِ سَبْعَمِائَةٍ ، وَبَعْضُ النَّاسِ يَظُنُّ أَنَّ هَذَا خِلَافُ مَا فِي الْمَعْنَى أَنَّ نَفْسَهُ إذَا تَلِفَ يَكُونُ مِنْ ضَمَانِ الْمُسْتَأْجِرِ مِنْ صَاحِبِ الزَّرْعِ لَا يَكُونُ كَالثَّمَرَةِ الْمُشْتَرَاةِ ، فَهَذَا مَا فِيهِ خِلَافٌ ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي نَفْسِ أُجْرَةِ الْأَرْضِ وَنَقْصِ قِيمَتِهَا فَيَكُونُ كَمَا لَوْ انْقَطَعَ الْمَاءُ عَنْ الرَّحَا وَنَبَتَتْ الْجَائِحَةُ فِي الْمَزَارِعِ .
فتاوى الرملي - (ج 2 / ص 473)
( بَابُ الرِّبَا ) ( سُئِلَ ) عَمَّنْ بَاعَ نِصْفًا فِضَّةً بِأَرْبَعِينَ فِضَّةً وَزْنُهَا وَزْنُ الْفِضَّةِ أَوْ قَالَ بِعْتُك هَذَا الرُّبْعُ بِوَزْنِهِ مِنْ هَذَا النِّصْفِ وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا نُحَاسٌ لَمْ يُعْلَمْ قَدْرُهُ فَهَلْ يَصِحُّ الْبَيْعُ لِاخْتِلَاطِ النُّحَاسِ بِالْفِضَّةِ بِحَيْثُ صَارَ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ فَلَا يَكُونُ كَبَيْعِ مُدٍّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ بِمُدٍّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ ؟
( فَأَجَابَ ) بِأَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ إذْ الْجَهْلُ بِالْمُمَاثَلَةِ كَحَقِيقَةِ الْمُفَاضَلَةِ وَأَمَّا الِاخْتِلَاطُ بِشَرْطِهِ فَإِنَّمَا يَقْتَضِي الصِّحَّةَ فِي الْمَكِيلِ لَا فِي الْمَوْزُونِ وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ يَقْتَضِيهَا فِيهِ أَيْضًا فَمَحِلُّهُ إذَا عُرِفَتْ مُمَاثَلَةُ الرِّبَوِيِّ .
باب الربا- الْعِشْرِونَ مُدًّا بِثَلَاثِينَ مُدًّا مَثَلًا
الفتاوى الفقهية الكبرى - (ج 4 / ص 403)
بَابُ الرِّبَا ( وَسُئِلَ ) رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَمَّنْ مَعَهُ حَبٌّ وَجَاءَهُ بَعْضُ أَهْلِ بَلَدِهِ يَبْغِي شِرَاءَ ذَلِكَ الْحَبِّ فَأَسَّسَ صَاحِبُ ذَلِكَ الْحَبِّ الْمُشْتَرَى عَلَى قَاعِدَةٍ عِنْدِهِمْ يَعْنِي أَنَّهُمْ اصْطَلَحُوا عَلَى أَنَّ الْعِشْرِينَ مُدًّا بِثَلَاثِينَ مُدًّا مَثَلًا ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ صَاحِبُ الْحَبِّ قَالَ لِرَجُلٍ آخَرَ: أَسْلِمْ لِي هَذِهِ الدَّرَاهِمَ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ بِثَلَاثِينَ مُدَّ حَبٍّ فَأَسْلَمَ ذَلِكَ الشَّخْصُ إلَى الَّذِي يَبْغِي شِرَاءَ الْحَبِّ وَشَرَى بِهَا ذَلِكَ الْحَبَّ الْمُتَقَدِّمَ ذِكْرُهُ فَهَلْ هَذِهِ الْحِيلَةُ تُخَلِّصُ صَاحِبَ الْحَبِّ بَعْدَ أَنْ أَسَّسَ قَبِلَ أَنَّ الْعِشْرِينَ بِثَلَاثِينَ ؟
( فَأَجَابَ ) بِأَنَّ الْحِيلَةَ الْمُخَلِّصَةَ مِنْ الرِّبَا جَائِزَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَكِنَّهَا مَكْرُوهَةٌ رِعَايَةً لِخِلَافِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ حَرَّمُوهَا وَقَالُوا إنَّهَا لَا تُفِيدُ التَّخْلِيصَ مِنْ الرِّبَا وَإِثْمِهِ فَإِذَا كَانَ شَخْصٌ شَافِعِيًّا وَأَرَادَ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا مِنْهَا لِيَتَخَلَّصَ بِهِ مِنْ الرِّبَا جَازَ لَهُ ذَلِكَ كَأَنْ يَقُولَ الَّذِي مَعَهُ لِمَنْ جَاءَ يَشْتَرِي مِنْهُ أَسْلَمْتُ إلَيْك هَذِهِ الدَّرَاهِمَ فِي ثَلَاثِينَ صَاعًا صِفَتُهَا كَذَا وَيَذْكُرُ جَمِيعَ صِفَاتِهَا الَّتِي يَخْتَلِفُ بِهَا الْغَرَضُ اخْتِلَافًا ظَاهِرًا وَيُعْطِيهِ فِي الْمَجْلِسِ تِلْكَ الدَّرَاهِمَ ثُمَّ يَهَبُهُ ذَلِكَ الْحَبَّ الَّذِي مَعَهُ وَيَنْذُرُ مُرِيدُ الشِّرَاءِ لِصَاحِبِ الْحَبِّ بِثَلَاثِينَ صَاعًا فِي ذِمَّتِهِ وَصَاحِبِ الْحَبِّ دِرْهَمًا فِي ثَلَاثِينَ صَاعًا فِي ذِمَّتِهِ وَصَاحِبُ الْحَبِّ يَهَبُهُ مَا مَعَهُ أَوْ يَنْذُرُ لَهُ بِهِ أَوْ يَشْتَرِي مَا مَعَهُ مِنْ الْحَبِّ بِدِرْهَمٍ وَيُسَلِّمُ صَاحِبَ الْحَبِّ دِرْهَمًا فِي ثَلَاثِينَ صَاعًا وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْحِيَلِ الصَّحِيحَةِ الْمَانِعَةِ مِنْ الْوُقُوعِ فِي وَرْطَةِ الرِّبَا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .
الفتاوى الهندية - (ج 21 / ص 216)