لم تزل بعض البنوك والشركات الكبرى في بلادنا تعيش على أطلال الماضي, وتصبح وتمسي على الأسلوب التقليدي في بعض تعاملاتها المالية, سواء في أسلوب الاستثمار والتمويل, أو في غيرها من الأساليب, والتي أثبتت الخبرة والتجربة وكر الأيام عدم جدواها الاقتصادية للفرد والمجتمع, وربما كان بعضها مما لا يقره شرعنا الحنيف, ولكن لأجل أن هذه المعاملات كانت ولا زالت تسير في ركب اقتصاد البنوك بالدول المتقدمة, لهذا ظلت على هذا النهج طول هذه الحقبة الماضية, وكأن قدرنا أن نسير في فلك الآخر ولو على حساب اقتصادنا, أو قيمنا الإسلامية, وربما نرى الكثير من البنوك الإسلامية من حولنا تحقق نجاحات متتابعة في الكثير من المشاريع الاستثمارية, وتتوصل إلى ابتكار العديد من البدائل الإسلامية لعدد من المعاملات البنكية المحرمة, وتحقق تفوقًا متواصلًا في هذا المجال, ومع هذا لم تعط تلك البنوك والشركات اهتمامًا يذكر بهذه البدائل وجدواها الربحي, ولا ترفع بذلك رأسًا, ليس لقناعتها الذاتية بعدم جدوى هذا البديل أو ذاك, بقدر ما لديها من حساسية مفرطة تجاه ما تنتجه عقول أبنائنا, وغالبًا ما تكون تلك الحساسية نابعة من عدم الثقة في اقتصادنا الإسلامي الذي لم يعد صالحًا لزماننا في اعتقاد قلة من رجال أعمال مجتمعنا الحاضر, وللأسف!! ثم كانت المفاجأة, حين أعجب بعض البنوك والمؤسسات المالية في البلاد الغربية بحجم العوائد التي تحققها كثير من المعاملات المالية الإسلامية, فأخذت بزمام المبادرة, وفتحت لها نوافذ إسلامية؛ حين ثبت على أرض الواقع نجاح تلك المعاملات, وما حققته من أرباح فاقت حجم الفوائد البنكية, مما كان سببًا في جذب عملائها من كل الأطياف المختلفة, ولم يعد هذا الواقع خافيًا على كل راصد للتعاملات البنكية في الخارج, وقد كان هذا التطور اللافت في البنوك الغربية أمرًا محرجًا لكل من كان يقدم رجلًا ويؤخر أخرى تجاه تلك المعاملات والبدائل الإسلامية, ولكل من كان ينظر إليها نظرة ازدراء أو إشفاق !
ولنأخذ مثالًا واحدًا على هذا, وهو صكوك التمويل, حيث غدا التمويل بصكوك السندات لدى كثير من بنوكنا وشركاتنا الكبرى ضربة لازب, أو أصبح وكأنه غاية, وليس وسيلة لتوفير السيولة وجذب رؤوس الأموال, اقتداء بالبنوك العالمية في البلاد الغربية, مما جعل كثيرا من الشركات المالية تنهج هذا الأسلوب التقليدي مع ما فيه من إشكالات كثيرة, ويكفي أن هذا الأسلوب الربوي في التمويل أفرزه الفكر الرأسمالي الذي يؤمن بالعقلية النفعية الانتهازية التي لا تعنيها مصلحة الفرد والمجتمع, مع ما في هذا الأسلوب التمويلي من تجاهل صارخ لشرعنا المطهر الذي حرم الربا, واعتبره ضربًا من ضروب الحرب على الله ورسوله! وما سد الله تعالى باب حرام إلا فتح بإزائه أبوابًا كثيرة للحلال.
إن الاستفادة من معطيات الحضارة الغربية, بتوظيف ما فيها من إيجابيات لصالح المسلمين على كل الصعد أمر لا ينازع فيه عاقل, وهذا لا يعني أن نأخذ بكل ما تفرزه تلك الحضارة إذا كان له آثاره السلبية في المال والاقتصاد, لاسيما إذا كان معارضًا لشريعتنا الإسلامية, وذلك كفكرة السندات التي تجعل الدائن أشبه شيء بذكر النحل, يعيش على عمل الغير, ولا يصحو إلا مع نهاية العام, ليأكل من كسب غيره, دون أن يشاطره الجهد والربح والخسارة. وهذا هو الأسلوب الانتهازي الذي يقوم على فكرة النفعية للدائن أو للمدين, بعيدًا عن مصلحة المجتمع ككل.
ولا أظنه يخفى على القارئ أنه قد وجد الكثير من البدائل الإسلامية لصكوك السندات المحرمة, والمتمثلة في صكوك الاستثمار ذات الصيغ المتعددة, ومن تلك الصيغ ما صدر به قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي, في دورة مؤتمره الرابع بجدة, حيث قدم صيغة رائدة لصكوك استثمارية اصطلح المجمع على تسميتها بـ"صكوك المقارضة"وقدم لها صيغة مقبولة شرعًا, بحيث تكون أداة استثمارية, تقوم على تجزئة رأس مال القراض (المضاربة) , بإصدار صكوك ملكية برأس مال المضاربة, على أساس وحدات متساوية القيمة, محكومة بالضوابط الشرعية, ويمكن الاكتتاب فيها, وتداولها في السوق المالية وفقًا لظروف العرض والطلب .
لقد قام مجمع الفقه الإسلامي بدوره حين استقطب العلماء والخبراء والمختصين في المجالات المختلفة, وقدم مثل هذه الصيغة التمويلية, وغيرها من الصيغ, ليقدم البديل الإسلامي, جنبا إلى جنب مع القرار العلمي المتخصص, وقد انتفع بهذه الصيغة التمويلية عدد من المؤسسات والشركات المالية في المملكة وخارجها, ولم يبق عذر لمن كان يرى أن الربا هو الحل الوحيد للمشكلات الاستثمارية.
علما بأن هناك بدائل أخرى كثيرة للصكوك, كصكوك السلم, والاستصناع, والإجارة, وغيرها مما يمكن أن يصاغ صياغة جديدة, تتناغم مع المعطيات الجديدة, دون أن يكون هناك مساس بما حرم الله تعالى, لا سيما وأن عقود المعاملات مبنية على الإباحة, لا على الحظر, وفي هذا كله مندوحة عما حرم الله .
كما أنه يتحتم على المؤسسات والشركات المالية أن تستقطب العلماء والمتخصصين لتقديم البدائل الشرعية المجدية, بعيدًا عن الصيغ الصورية المحرمة, والتي ربما تكون بلباس شرعي, كما وقع ذلك في صيغة صكوك الإجارة الصادرة من مؤسسة نقد البحرين, حين صدر قرار هيئتها الشرعية بجواز تلك الصيغة, ثم عاد بعض أعضاء هيئتها الشرعية, وأعلن رجوعه عن فتياه حين ظهر له صورية ذلك العقد, واشتماله على بيوع محرمة, وهنا يجب أخذ الحيطة من الوقوع في الحيل الربوية, والتي ربما تكون أعظم من الوقوع في الربا الصريح, والله تعالى أرحم بعباده, وهو سبحانه أعلم وأحكم .
مهنا الحبيل 24/1/1428
حين وُلدت التجارب الأولى للمصارف الإسلامية كان هناك خطاب مصاحب لها يؤصل ويكرس مبادئ التشريع الإسلامي في الاقتصاد، وكيف أن أساس الاقتصاد الرأسمالي المستبد والساحق للفرد وللطبقة الوسطى والفقيرة يتناقض مع أساس العدالة التي ركزها الاقتصاد الإسلامي بتداول الأموال، وفتح باب البيع والشراء، وإدارة الأموال، وتنشيط القوى البشرية، وزيادة أعداد المستفيدين من إنماء المجتمع، وفرص إدارة الثروة الوطنية لبلدان المسلمين داخل قطاعات الاستثمار وذات العلاقة المباشرة بأهالي هذه الأقاليم التي تتواجد فيها تلك الثروات والمؤسسات الاقتصادية الإسلامية.
وحين بدأت التطبيقات تُمارس على الواقع الاقتصادي ودوائر السوق ذات العلاقة المندمجة مع الإدارة الدولية في قبضة البنوك العالمية تغير المشهد، وأصبحت معاملات هذه المصارف الإسلامية تُحاول شرعنة تلك المشاريع والعمليات بتخفيف الحد الأدنى من الشروط الذي يعفيها من الربا الصريح، ولكن تبقى آلية وطريقة و تداول المعاملات المالية هي نفسها بذات الرأسمالية العميقة، خلافًا -وبالقطع- مع منهج التشريع الإسلامي العادل، مع احترامنا وتقديرنا لشخصيات الهيئات الشرعية، ولكننا نتحدث عن التطبيقات والمفاهيم في أرض الواقع.