وهو ما حدا بالمفكر الباكستاني الشهير خورشيد أحمد -وهو أحد أبرز منظري الاقتصاد الإسلامي- أن يعلن في ذلك الزمن أن المصارف الإسلامية هي مصارف لا ربوية وليست إسلامية، وشرح موقفه هذا بناء على مفهوم العناية بالفقراء ومتوسطي الدخل التي يضمنها الاقتصاد الإسلامي، مع تحقيق الربح والنجاح؛ لأن هذه المصارف ليست جمعيات خيرية، لكنها من المفترض أن تدشن بعد كل هذه السنوات من التجربة نماذج قائمة على الأرض تمثل بوضوح فلسفة الاقتصاد الإسلامي، وهو ما لم يحصل مع الأسف الشديد.
ولا بد هنا من أن أوضح أنه تبقى قضية الربا الصرف حالة من حالات المعصية الاجتماعية الكبرى، بإجماع أهل السنة في مشارق الأرض ومغاربها، استطاعت المصارف الإسلامية تحقيق بديل مع كثير من التحفظات عليه، ولكن البيع بالمرابحة للآمر بالشراء وبيع الآجال وغيرها أعفى البعض من تداول القروض الربوية المباشرة.
ثانيًا: كنا نتفهم بأن تجربة الاقتصاد الإسلامي حديثة، وقد نشأت مع وجود اقتصاد دولي إقطاعي ورأسمالي مهيمن، لكننا بدل أن نرى انتقالًا كليًا وتنوعًا جديدًا في المشاريع الاقتصادية الإسلامية أصبحنا نعيش مرحلة تكريس لذلك الإقطاع والإثراء، ولكن بصيغة يُطلق عليها إسلامية، ثم استبدلت كل تلك البنوك لافتاتها أو افتتحت لافتة أخرى لمعاملات إسلامية، ولم يتغير غالبًا حال المال لديها، ولا تداوله، ولا جهاته الاستثمارية الكبرى، ولا نسبة الربح، إنما كل ما تغير هو الاستمارات المطبوعة للمشاريع المسوقة لدى هذا المصرف أو ذاك، هذه إسلامية بختم اللجنة الشرعية وتلك تجارية.
ولعل أبرز ما أثار هذه القضية هو انهيار أسواق الأسهم في الخليج، وقيام بعض المصارف التي تهتف بأنها إسلامية بإغراء صغار المساهمين لأخذ قروض تمويل كبيرة ثم تسييل محافظهم عند أول انهيار، وسحق أولئك البسطاء، ومتوسطي الدخل، وبعض المقتدرين، وإخراجهم بين عشية وضحاها إلى أهل فاقة مستحقين للزكاة، كما فعلت البنوك التجارية وأكثر.
إننا لن ننكر الحالة المصرفية-وكما قلت- التي بدأت تبعد المجتمع عن الربا، غير أن هذه القضية -أي رفع شعار المصارف الإسلامية- لها تبعات عند الله والناس تثير أسئلة خطيرة يجب على تلك البنوك الإجابة عنها، وتطرح بدائل وخيارات حقيقية تنموية للشرق الإسلامي والجنوب الإنساني المضطهدين، ولا تتحول كجناح آخر للإرادة الدولية الاستعمارية في الاقتصاد، ومن يسيطرون عليه، ويعرف الجميع من هم وأين هم، وألاّ يتذمر منسوبو هذه المصارف من مساءلة الناس والمختصين: من أين لكم هذا؟
حكم تداول أسهم الشركات التي في مرحلة التأسيس
(شركة الصحراء للبتروكيماويات أنموذجا)
د.يوسف بن عبدالله الشبيلي (*) 5/6/1425
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، أما بعد:
فيكثر السؤال في هذه الأيام عن حكم تداول أسهم شركة الصحراء ، وهي شركة حديثة التأسيس رأسمالها ألف وخمسمائة مليون ريال ، أنشأت بغرض الاستثمار في المنتجات البتروكيماوية ، وقد طرحت أسهمها للتدوال بيعًا وشراءً مع أن أغلب موجوداتها في هذه الفترة من النقود ، وليس لها مشروعات إنتاجية قائمة حتى الآن .
وتحقيقًا للفائدة فقد جمعت هذه الأحرف اليسيرة لاستبانة الحكم الشرعي لتداول هذه الأسهم ، وقسمت هذه الورقة إلى العناصر الآتية:
الأول: موجودات الشركات المساهمة .
الثاني: التكييف القانوني والشرعي للسهم .
الثالث: بيع الأسهم ذات الموجودات المختلطة وعلاقته بمسألة"مد عجوة ودرهم".
الرابع: خلاصة البحث .
أسأل الله أن يلهمنا الصواب ، وأن يجنبنا الزيغ والارتياب .
أولًا-موجودات الشركات المساهمة
لا تخلو عامة الشركات المساهمة في أي لحظة من اللحظات من الموجودات الآتية:
أولًا- الأعيان:
والمقصود بالأعيان هنا: ما سوى النقود والديون ، وهي ما يعبر عنها بلغة المحاسبة الحديثة بـ (الأصول الحقيقية) ، وتشمل:
أ- الأصول الثابتة:
وهي إما أن تكون:
1.عقارات: كالأراضي والمباني والضيعات ونحو ذلك .
2.أو منقولات: كالسيارات المعدة للاستخدام ، والأجهزة والأثاث ونحو ذلك من عروض القنية .
ب- الأصول المتداولة غير المالية:
وهي ما يعبر عنها الفقهاء بـ (( عروض التجارة ) )، وهي العروض المعدة للبيع ، سواء كانت منتجات زراعية أو صناعية أو تجارية أو طبية أو غير ذلك .
ثانيًا- المنافع:
المنفعة لغة: ما يتوصل به الإنسان إلى مطلوبه (1)
والمقصود بالمنفعة هنا: الفائدة العرضية التي تستفاد من الأعيان بطريق استعمالها ، كسكنى المنازل وركوب السيارة ولبس الثوب وعمل العامل ، ولا تتناول الفوائد المادية كاللبن بالنسبة إلى الحيوان ، والتمر بالنسبة إلى الشجر والأجرة بالنسبة إلى الأعيان التي تستأجر ونحو ذلك (2)
وعرفها ابن عرفه: ما لا يمكن الإشارة إليه حسًا دون إضافة ، يمكن استيفاؤه ، غير جزء مما أضيف إليه (3)
فالمنافع تكتسب من الأعيان بواسطة استعمالها ، وهي الهدف من ملكية الأعيان وغايتها في الحقيقة ، فليس تملك الأعيان إلا لأجل الحصول على منافعها .
غير أن ملك المنفعة قد يكون مستقلًا ومنفصلًا عن ملك مصادرها من الأعيان فيملك منفعة العين من لا يملك العين ، وعندئذٍ يكون له ملك المنفعة دون ملك العين (4)
فمن ملك دارًا فقد ملك عينها ومنفعتها ، ومن استأجر دارًا للسكنى ملك منفعة سكناها ومن استأجر عاملًا لعمل معين ملك عمله الذي حدد في عقد الإجارة .
فالمنفعة تارة يكون محلها عينًا من الأعيان كالسكن بالنسبة للدور ، وتارة يكون محلها الذمم كالأعمال بالنسبة للعمال (5)
وتتجسد ملكية المنافع في الشركات المساهمة في حال وجود أصول ذات منافع كالمباني والآلات ، أو منافع مجردة كالبيوت المستأجرة ، والموظفين والعمال التابعين للشركة .
ولا خلاف بين الفقهاء على جواز المعاوضة على المنافع من حيث الأ (6) ، فيمكن أن يكون ثمنًا ومثمنًا ، كما لو استأجر رجل دارًا مقابل انتفاع المؤجر بسيارة المستأجر (7) .
ثالثًا-الحقوق المعنوية:
وهذه الحقوق ملازمة لوجود الشركة منذ تأسيسها ، إذ لا تخلو شركة مساهمة - ولو في مرحلة التأسيس - من هذه الحقوق .
وتشمل هذه الحقوق: الاسم التجاري للشركة ، والتصريح بالاكتتاب والتداول ، والدراسات السابقة لنشأتها ، وكلفة المخاطرة ، وكفاءة الإدارة وجودتها وغير ذلك .
فحصة مستثمر مع مدير للاستثمار ذي كفاءة عالية قيمتها عند البيع أعلى من حصة آخر مع مدير كفاءته أقل ، ولو تساوت حصتاهما من حيث القيمة الرأسمالية النقدية ، لأن الزيادة ليست بسبب زيادة في الموجودات العينية بل بسبب قوة الإدارة.
وقد توهم البعض أن هذه الحقوق المجردة ليست محلًا للعقد ، لأنها ليست بمال متقوم شرعًا ، وهذا الرأي ضعيف جدًا ، فإن المعاوضة كما تكون على عينٍ محسوسة يصح أن تكون على حقٍ معنويٍ غير ملموس ، وقد أجاز جمهور الفقهاء بيع الحقوق المجردة ، مثل حق المرور ، وحق التعلي ، وحق التسييل ، وحق الشرب ، وحق وضع الخشب على الجدار ، وحق فتح الباب ، ونحو ذلك (8) ، ودلت الشريعة على جواز المعاوضة ببذل المال للتنازل عن حقٍ من الحقوق ، كالمصالحة على العفو عن القصاص ، والخلع ، والصلح بعوض للتنازل عن حق الشفعة ، وبيع العربون ، وغير ذلك من المعاوضات التي يكون محل العقد فيها حقًا مجردًا .
رابعًا-النقود:
وبيع النقد بنقد هو الصرف ، ويشترط فيه:
1.التماثل إذا بيع النقد بجنسه ، فإن بيع بغير جنسه فلا يشترط التماثل .