والمسلمون عن ذلك نيام ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وإليك فتوى مفتي الجمهورية المصرية رحمه الله في تحريم فوائد البنوك عام 1989
[1] الصبرة (كومة) بمعنى كمية غير معلومة.
[2] بخرصها أي مقدرة بما يقابلها جاف
[3] الأنفحة هي خترة الجبن وهي
لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما ، وأرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الأكارم:
لا زلنا في موضوع دقيق ألا و هو"الربا"لقد بينت لكم في الدرس الماضي، و هذا هو الدرس الثاني بينت لكم في الدرس الماضي أن تسعة أعشار المعاصي تأتي من كسب الرزق . واذكروا أنّ العلم نور و العلم حارس ، و الإنسان عليه أن يتفقه ، لأنه إذا تفقه عرف الحق من الباطل والخير من الشر و الحلال من الحرام ، لكن الدرس اليوم محوره مضار الربا، و قبل أن نتحدث عن مضار الربا لا بد من مقدمة قصيرة و هي: أن المؤمن الحق إذا علم أن كل أمر تلقاه عن الله عز وجل أو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا ثبت لديه أن هذا أمر الله و أن هذا أمر النبي عليه الصلاة و السلام فهذه هي الوسيلة الوحيدة التي تقنعه بالكف عن كل ما هو حرام ، لكن إذا بحثنا عن حكمة التشريع و عن مضار المعاصي و عن فوائد الطاعات فهذا من أجل الدعوة إلى الله بشفافية ووضوح ، المؤمن ما دام أن الله عز وجل قد أمره و نهاه، فالأمر والنهي علة كافية لاتباع الأمر و لاجتناب النهي ، لأن الأمر تنبع قيمته من قيمة الآمر ، و الآمر هو الله و الآمر هو الخالق ، على كل ليس هناك من مانع أن نبحث في الحكم ليزداد الإيمان قال تعالى:
(سورة البقرة )
ليس هناك من مانع أن نبحث في الحكم لنستطيع أن ندعوَ إلى الله لأن الدعوة المعللة التي تدعمها الأدلة و الشواهد الواقعية أجدى وأقوى ، فيمكن أن تأمر الناس بأمر الله عز وجل وأن تنهاهم عما نهى الله عنه أما حينما تقدم التحليل الدقيق و الفوائد العظيمة المترتبة على طاعة الله عز وجل و النتائج الخطيرة التي تنتج من معصية الله عز وجل فهذا من شأنه أن يقنع الناس بأحقية هذا الدين .
وبعد ، فمضار الربا أيها الإخوة أكثر من أن تحصى كما بينت لكم في درس سابق ، فالمعصية يكبر حجمها إذا كبر خطرها هناك صغائر و هناك كبائر . فكلما ازداد الخطر الذي ينتج عن المعصية يزداد حجم المعصية ، وكلما قل الخطر الذي ينجم عن المعصية يقل حجم المعصية ، فما من آية بالقرآن الكريم وما من معصية ذكرت في القرآن الكريم توعد الله مرتكبيها بحرب من الله ورسوله كمعصية الربا ، المعصية الوحيد التي توعد الله مرتكبها بحرب من الله ورسوله هي معصية الربا ، لماذا ؟ لأن هذه المعصية لها آثار سيئة في المجتمع بأكمله، يعني مجتمع بأكمله يمكن أن يضطرب ، يمكن أن يدمر ، يمكن أن ينسحق من خلال هذه المعصية الخطيرة التي تفشت بالعالم كله .
أول نتيجة خطيرة من نتائج معصية الربا ، أن الربا يمنع من إنشاء المشروعات المفيدة للمجتمع، والإنسان بالأساس يريد أن يستثمر ماله ليأخذ منه عائدًا يعود عليه ، فهذا الاستثمار إما أن يكون في مشروعات نافعة وإما أن يكون عن طريق الربا .
الأصل أن المال إذا ولّدته الأعمال فهذه مشروعات بناءة ومفيدة وتعود بالخير على المجتمع كله، أما المال إذا ولده المال فقط فهذا هو الربا .
الربا: يعني أن المال يولد المال من دون أعمال ، أما الأعمال إذا ولدت المال ، فهذا يشير إلى أن صاحب العمل الذي ولد المال استفاد وكذلك المجتمع استفاد .
أيّ مشروعٍ زراعي ، أيّ مشروعٍ صناعي ، أي مشروع تجاري ، أي مشروع خدمات مع أن أصحابه يربحون لكن هم يطرحون خدماتهم أو بضائعهم أو منتجاتهم على تنوعها في المجتمع وإذا طرحت هذه المواد أو تلك المنتجات أو هذه الخدمات انخفضت الأسعار وهذه قاعدة صحيحة ، والشواهد كثيرة جدًا ، عندنا قاعدة وهذه القاعدة أشرت إليها في الدرس الماضي تصور مخروطًا ومحورًا . هذا المخروط هو مؤشر الأسعار ، والدوائرمتعاقبة وأوسع دائرة في القاعدة ثم تصغر هذه الدوائر إلى أن تتلاشى في القمة ، الدوائر تمثل الشرائح المستفيدة من هذه السلعة أو هذه المادة المُنتَجة أو هذه الخدمة ، والمحور يمثل ارتفاع السعر ، وكلما ارتفع السعر ضاقت شريحة المستفيدين منه ، وهذه قاعدة ذهبية .
توافر المواد يخفض سعرها ، وإذا انخفض السعر اتسعت شريحة المستفيدين فإذا اتسعت شريحة المستفيدين عم الرخاء ، هناك بعض المواد حينما كانت ممنوعة كان سعرها مضاعفًا فلما سُمح باستيرادها وأصبحت مبذولة بين أيدي الناس انخفض سعرها إلى النصف .
الإنسان حينما يوظف أمواله في مشروعات إنتاجية يسهم بشكل أو بآخر بخفض الأسعار ، والأسعار إذا انخفضت اتسعت شريحة المستفيدين فإذا اتسعت شريحة المستفيدين عم الرخاء .
فلو أن إنسانًا أسس مشروعًا بقرض ربوي هل يستطيع أن يبيع سلعته بسعر يساوي سعر مشروع أسس من دون قرض ربوي ، سؤال دقيق ؟ فهذان مشروعان بحجم واحد ، في اختصاص واحد ، بسلعة واحدة .
مشروع أسس بقرض ربوي بحسب التكاليف وأحد هذه التكاليف الفائدة ، وَضَعَ التكاليف ووضَع هامشَ ربحٍ وطرحَ السلعة في السوق .
المشروع الثاني القرض حسن غير ربوي ، وضعَ التكاليف ووضَع هامش الربح وطرحَ السلعة في السوق أيّ السلعتين أعلى سعرًا ؟ سلعة المشروع الربوي . هذا بشكل مبسط.
أيّ مشروع بني على قرض ربوي يطرح سلعه بأسعار مرتفعة ، الربا من هذه الزاوية يسهم برفع السعر وإذا أسهم برفع السعر قلت نسبة المنتفعين وإذا قلت نسبة المنتفعين اضطر المنتج أن يخفض إنتاجه ، انظروا إلى هذه الحلقة المفرغة ، انخفض الإنتاج .
هناك قصة ترويها كتب الاقتصاد ، الكساد الخطير الذي كان في عام ألف وتسعمئة وثمانية وثلاثين والذي كان في أوربا ، طفل صغير كادَ يموت من البرد سأل أباه: أين الفحم يا أبتِ ؟ فوالده فصل من عمله لماذا ؟ لأنه يوجد كساد بالفحم في المناجم ولا يوجد بيع فاستغنوا عن العمال ، فلما سأل الابن أباه لماذا لا يوجد عندنا فحم ؟ قال يا بني لكثرة الفحم ، ليس عندنا فحم نتدفَّأ به لوفرة الفحم في المعامل ، فالفحم متوافر لأنَّ سعره مرتفع فصار كساد وصارت بطالة ، والذي ترك عمله ليس في إمكانه أن يشتري فحمًا يتدفَّأ به .
القضية خطيرة جدًا قضية قوانين اقتصادية ، هذا المحور المخروط ؛ انتبهوا إليه ، كل شيء يرفع السعر يضيق دائرة الاستفادة ، والمشكلة أنّ الدائرة إذا ضاقت يقل الإنتاج والبضائع تتكدس في المستودعات ويخفضون الإنتاج وإذا خفض الإنتاج استغنوا عن العمال ووقعت بطالة.