فهرس الكتاب

الصفحة 1085 من 1226

أخطر شيء في الربا أنه يصرف الناس إلى استثمار أموالهم بطريقة الربا المريحة ويبعدهم عن استثمارها بالمشروعات الناجحة هذا أول شيء ، كانوا قبل سنوات عديدة يقيسون قوة الدولة الاقتصادية بمدى التغطية الذهبية لعملتها الورقية وهذا المقياس أصبح فاسدًا ، أما الآن فالقوة الاقتصادية في أمة هي القدرة على الإنتاج ، إذا كان عندها منتجات وتصدر أكثر مما تستورد فهذا البلد أو هذه الأمة قوية ، إذًا الربا يسهم في صرف الأموال لا إلى مشروعات إنتاجية نافعة، بل إلى الاستثمار عن طريق الفائدة وهذا يسهم في رفع الأسعار وفي قلة المستفيدين من منتجات زراعية أو صناعية أو خدمات وهذا يؤدي إلى البطالة .

أحد العلماء الاقتصاديين في العالم الغربي يقول: إن ارتفاع سعر الربا يجعل الناس كسالى .

تصور إنسانًا لا يعمل ، يستيقظ الساعة الثانية عشرة ظهرًا ، لأن أمواله مستثمرة في مشروع ربوي وربحه ثابت لا يهمه نزول مطر أو لا . ويقول بلا مطر أفضل ولا يهمه كساد ولا يهمه رواج ، لا يهمه تقدم الأمة ، فربحه ثابت ، لذلك أقسى قلب هو قلب المرابي أو الذي يستثمر ماله عن طريق الربا لأنه لا يوجد عنده مشكلة .

أما المزارع ؛ فقد أقسم لي بعضهم أن بعض المزارعين حينما هطلت الأمطار انهمرت مع الأمطار دموعهم فرحًا بهذه الأمطار ، ترى المزارع متعلقًا برحمة الله ، التاجر يشتري البضاعة ويقول: يا جبار تخرج من أعماق قلبه ، مرة قلت لتاجر هذا القماش جميل فقال لي: ليس القماش جميل ولكن الذي يباع هو الجميل .

المرابي بما أن ربحه ثابت ودخله لا يهزه شيء ، لا قحط السماء ولا كساد البضاعة ولا قانون ولا شيء آخر ، فقلبه قاسٍ .

فلو فرضنا أنك ممنوع بمجتمع مسلم أن تستثمر مالك إلا في الأمور الإنتاجية ، وأنك ممنوع عليك استثمار المال بالربا ، فعندئذ ليس لديك إلا منفذ واحد وهو المشاريع ، وكل مشروع يعين على الرخاء ويعين على توافر الحاجات ، لأن أصحاب المال استثمروا أموالهم في مشاريع نافعة ، دمشق تعاني أزمة مواصلات حادة جدًا يقول المواطن: انتظرت ساعة ولم أجد سيارة ، هذه الأموال الضخمة التي استثمرت بالنقل ، هذه الحافلات الصغيرة أصحابها ربحوا أو لم يربحوا ، لكنَّهم حلوا مشكلة وأصبح تنقُل الناس ببساطة وسهولة ، قال لي واحد: على بعض الخطوط مئتان وسبعون حافلة وإذا اصطفت وراء بعضها تملأ الخط بكامله ، ، عندما المال يستثمر في مشروعات إنتاجية أو خدمات يعم الخير على الناس كلهم، تكاد تكون أزمة المواصلات حلت في دمشق نهائيًا عن طريق هذه السيارات ، تصوروا أصحاب هذه السيارات لو أخذوا أموالهم ووضعوها في بنوك أجنبية وجاءتهم الحوالات كل شهر بالعملة الصعبة وأنفقوها على حاجاتهم الشخصية من دون أن يشعروا أن لهم علاقة فالأزمة تزداد إحكامًا.

المال إذا ولد المال عم الشقاء والأعمال إذا ولدت المال عم الرخاء ، عندنا خياران: إما أن تستثمر هذا المال بالطرق الربوية وإما أن تستثمرها بالمشاريع الإنتاجية ، تقول لي: أعمال العِمارة جيدة ، وتاجر العمار يقدم بيوتًا للناس وكلما كان متجاوبًا مع حاجاتهم أفاد واستفاد ، والشابُ يحتاج إلى غرفتين ويريد أقل سعر ممكن ، وأنا أرجو الله عز وجل أن يتجه تجار البناء إلى إنشاء وحدات سكنية صغيرة جدًا تلبي حاجة الشباب الفقراء يعني بأقل تكلفة ممكنة ، إنشاء مشاريع سكنية وإنشاء مشاريع زراعية وتجارية ومشاريع صناعية ومشاريع خدمية ، كلّها تنهض بالأمة ونحن عندنا قاعدة يجب الأخذ بها ، لا يجوز أن يلد المال المال ، والمال لا يولد إلا من خلال الأعمال ، وإذا اتجه المال إلى أن ينمو من خلال الربا والفوائد تعطلت الأعمال وقلّت الخدمات وقلت السلع وقلت المنتجات وارتفعت الأسعار وانقسم المجتمع إلى طبقتين طبقة تملك ولا تعمل وطبقة تعمل ولا تملك ، طبقة عاطلة عن العمل وهي طبقة المرابين وطبقة تعمل ولا تملك و كل جهدها لا يكفيها قوت يومها ، لذلك الأجانب حكموا عقولهم وقالوا: إن ارتفاع سعر الربا يجعل الناس كسالى في مهنهم ويصيرون مرابين . أما انخفاض سعر الربا فإنه يتيح فرصة لتطوير الأعمال والصناعة والزراعة وينفخ الروح في صناعتنا الميتة .

مفكر غربي لا علاقة له بالقرآن ولا بالربا ولا بالتحريم لكن من زاوية موضوعية رأى أن الربا إذا عم المجتمع أوقعنا في شر أعمالنا .

أحد الشيوخ العلماء يقول: إذا جرى نمو المال عن طريق الربا أفضى إلى ترك الصناعات و الزراعات التي هي أصول المكاسب ، فلدينا بديلان إما أن تستثمر المال عن طريق الربا ، ويتخلف فينا كل شيء ، وإما أن تستثمره عن طريق مشاريع نافعة فنرقى جميعًا بها .

الإمام الفخر الرازي يقول: الله تعالى إنما حرم الربا من حيث إنّه يمنع الناس من الاشتغال بالمكاسب وذلك لأن صاحب الدراهم إذا تمكن عن طريق عقد الربا من تحصيل الدراهم الزائدة نقدًا أو نسيئة خف عليه اكتساب المعيشة فلا يكاد يتحمل مشقة الكسب والتجارة والصناعة الشاقة .

والإنسان إذا كان غير مؤمن فليس معقولًا أن يبذل جهدًا شاقًا ويتحمل مخاطر شديدة حتى يربح بالمائة خمسة عشر أو عشرين في حين أنّ أيّ بنك أو أيّ مصرف في بعض الدول الأجنبية يقدم له هذا الربح نظير إيداع أمواله عنده ، ثم يقول لك أأنا مجنون لكي أعمل ، أجل ؛ هكذا يقول .

المجتمع الذي تثمَّر أمواله عن طريق الربا مجتمع متخلف بينما المجتمع التي تثمر أمواله عن طريق المشاريع الصناعية والزراعية والخدمية مجتمع متطور ومجتمع ينمو ، والقاعدة كلما توافرت السلعة انخفض سعرها وإذا انخفض سعرها كثر المنتفعون بها وإذا كثر المنتفعون بها عم الرخاء في المجتمع وفي القرآن الكريم آيات دقيقة قال تعالى {مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (7) سورة الحشر

المال أخطر ما فيه أن يتجمع في أيدٍ قليلةٍ ، ويمكن أن نقول إذا تجمعت الكتلة النقدية بين أيدي الناس ولا أعرف كم هي ، قد تقول لي خمسة آلاف مليون أو أكثر، والرقم كبير جدًا فالمشكلات الاجتماعية والاقتصادية تطغى لكن هذه الكتلة إذا كانت موزعة في أوسع شريحة فنحن بخير ، أما إذا تجمعت في أقل شريحة فالشقاء يعم ، أمن العدل انّ واحدًا يملك مليونًا ومليون لا يملكون واحدًا ، وهذا سبب كل المشكلات والاضطرابات والثورات وأعمال العنف .

حدثني أخ كريم يعمل في الأمن الجنائي أنه مع ضيق المكاسب وقلة الأعمال ارتفعت نسبة الإجرام إلى عشرة الأمثال تقريبًا ، والعالم الغربي يعاني أخطر ما يعاني من البطالة ، بأرقام دقيقة جدًا خمسة ملايين أو عشرة ملايين إلى درجة أن النسبة بالمائة ثلاثَ عشرةَ من القوى العاملة بلا عمل بسبب استثمار الأموال عن طريق الربا .

أما إذا استثمرت عن طريق المشروعات عم الرخاء ، وهذه أول نقطة ، المال إما أن تستثمره عن طريق الربا أو عن طريق المشاريع الإنتاجية ، في الحالة الأولى يؤدي الربا إلى تخلف الأمة وبالحالة الثانية تتقدم الأمة عن طريق الرخاء الاقتصادي .

بعض علماء الغرب يقول: إلغاء نظام الربا يوسع نطاق الاستثمار .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت