نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ فِي الْفَتْحِ وَقَدْ اُسْتُدِلَّ أَيْضًا بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْعِينَةِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِثَمَنِ الْجَمْعِ جَنِيبًا ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بَائِعُ الْجَنِيبِ مِنْهُ هُوَ الَّذِي اشْتَرَى مِنْهُ الْجَمْعَ ، فَيَكُونَ قَدْ عَادَتْ إلَيْهِ الدَّرَاهِمُ الَّتِي هِيَ عَيْنُ مَالِهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْمُرْهُ بِأَنْ يَشْتَرِيَ الْجَنِيبَ مِنْ غَيْرِ مَنْ بَاعَ مِنْهُ الْجَمْعَ ، وَتَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ يُنْزَلُ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ .
قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مُطْلَقٌ وَالْمُطْلَقُ لَا يَشْمَلُ ، فَإِذَا عُمِلَ بِهِ فِي صُورَةٍ سَقَطَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ فِي غَيْرِهَا فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى جَوَازِ الشِّرَاءِ مِمَّنْ بَاعَ مِنْهُ تِلْكَ السِّلْعَةِ بِعَيْنِهَا انْتَهَى .
وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَيْعِ الْعِينَةِ قَوْلُهُ: ( وَقَالَ فِي الْمِيزَانِ مِثْلَ ذَلِكَ ) أَيْ: مِثْلَ مَا قَالَ فِي الْمَكِيلِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِ الْجِنْسِ مِنْهُ بِبَعْضِهِ مُتَفَاضِلًا ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ بَلْ يُبَاعُ رَدِيئُهُ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ يُشْتَرَى بِهَذَا الْجَيِّدُ وَالْمُرَادُ بِالْمِيزَانِ هُنَا الْمَوْزُونُ .
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَهُوَ حُجَّةٌ فِي جَرَيَانِ الرِّبَا فِي الْمَوْزُونَاتِ كُلِّهَا ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ( فِي الْمِيزَانِ ) أَيْ: فِي الْمَوْزُونِ وَإِلَّا فَنَفْسُ الْمِيزَانِ لَيْسَتْ مِنْ أَمْوَالِ الرِّبَا انْتَهَى .
الباب الرابع
الخلاصة في أحكام الربا عند الفقهاء
أولا- في الموسوعة الفقهية (1) :
رِبًا التَّعْرِيفُ:
1 -الرِّبَا فِي اللُّغَةِ: اسْمٌ مَقْصُورٌ عَلَى الْأَشْهَرِ , وَهُوَ مِنْ رَبَا يَرْبُو رَبْوًا , وَرُبُوًّا وَرِبَاءً . وَأَلِفُ الرِّبَا بَدَلٌ عَنْ وَاوٍ , وَيُنْسَبُ إلَيْهِ فَيُقَالُ: رِبَوِيٌّ , وَيُثَنَّى بِالْوَاوِ عَلَى الْأَصْلِ فَيُقَالُ: رِبَوَانِ , وَقَدْ يُقَالُ: رِبَيَانِ - بِالْيَاءِ - لِلْإِمَالَةِ السَّائِغَةِ فِيهِ مِنْ أَجْلِ الْكَسْرَةِ . وَالْأَصْلُ فِي مَعْنَاهُ الزِّيَادَةُ , يُقَالُ: رَبَا الشَّيْءُ إذَا زَادَ , وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: { يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ } . وَأَرْبَى الرَّجُلُ: عَامَلَ بِالرِّبَا أَوْ دَخَلَ فِيهِ , وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: { مَنْ أَجْبَى فَقَدْ أَرْبَى } وَالْإِجْبَاءُ: بَيْعُ الزَّرْعِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ . وَيُقَالُ: الرِّبَا وَالرَّمَا وَالرَّمَاءُ , وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه قَوْلُهُ: إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ الرَّمَا , يَعْنِي الرِّبَا . وَالرُّبْيَةُ - بِالضَّمِّ وَالتَّخْفِيفِ - اسْمٌ مِنْ الرِّبَا , وَالرُّبْيَةُ: الرِّبَاءُ , وَفِي الْحَدِيثِ { عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي صُلْحِ أَهْلِ نَجْرَانَ: أَنْ لَيْسَ عَلَيْهِمْ رِبِّيَّةٌ وَلَا دَمٌ } . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هَكَذَا رُوِيَ بِتَشْدِيدِ الْبَاءِ وَالْيَاءِ , وَقَالَ الْفَرَّاءُ: أَرَادَ بِهَا الرِّبَا الَّذِي كَانَ عَلَيْهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ , وَالدِّمَاءَ الَّتِي كَانُوا يَطْلُبُونَ بِهَا , وَالْمَعْنَى أَنَّهُ أَسْقَطَ عَنْهُمْ كُلَّ رِبًا كَانَ عَلَيْهِمْ إلَّا رُءُوسَ الْأَمْوَالِ فَإِنَّهُمْ يَرُدُّونَهَا . وَالرِّبَا فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ: عَرَّفَهُ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ: فَضْلٌ خَالٍ عَنْ عِوَضٍ بِمِعْيَارٍ شَرْعِيٍّ مَشْرُوطٍ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الْمُعَاوَضَةِ . وَعَرَّفَهُ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ: عَقْدٌ عَلَى عِوَضٍ مَخْصُوصٍ غَيْرِ مَعْلُومِ التَّمَاثُلِ فِي مِعْيَارِ الشَّرْعِ حَالَةَ الْعَقْدِ أَوْ مَعَ تَأْخِيرٍ فِي الْبَدَلَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا . وَعَرَّفَهُ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ: تَفَاضُلٌ فِي أَشْيَاءَ , وَنَسْءٌ فِي أَشْيَاءَ , مُخْتَصٌّ بِأَشْيَاءَ وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَحْرِيمِهَا - أَيْ تَحْرِيمِ الرِّبَا فِيهَا - نَصًّا فِي الْبَعْضِ , وَقِيَاسًا فِي الْبَاقِي مِنْهَا . وَعَرَّفَ الْمَالِكِيَّةُ كُلَّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الرِّبَا عَلَى حِدَةٍ .
( الْأَلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ ) :
أ - الْبَيْعُ: 2 - الْبَيْعُ لُغَةً: مَصْدَرُ بَاعَ , وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّهُ مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ , وَأُطْلِقَ عَلَى الْعَقْدِ مَجَازًا لِأَنَّهُ سَبَبُ التَّمْلِيكِ وَالتَّمَلُّكِ . وَالْبَيْعُ مِنْ الْأَضْدَادِ مِثْلُ الشِّرَاءِ , وَيُطْلَقُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لَفْظُ بَائِعٍ , وَلَكِنْ اللَّفْظُ إذَا أُطْلِقَ فَالْمُتَبَادَرُ إلَى الذِّهْنِ بَاذِلُ السِّلْعَةِ , وَيُطْلَقُ الْبَيْعُ عَلَى الْمَبِيعِ فَيُقَالُ: بَيْعٌ جَيِّدٌ . وَفِي الِاصْطِلَاحِ: عَرَّفَهُ الْقَلْيُوبِيُّ بِأَنَّهُ: عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ مَالِيَّةٍ تُفِيدُ مِلْكَ عَيْنٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ عَلَى التَّأْبِيدِ لَا عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ . وَلِلْفُقَهَاءِ فِي تَعْرِيفِ الْبَيْعِ أَقْوَالٌ أُخْرَى سَبَقَتْ فِي مُصْطَلَحِ: ( بَيْعٌ ) . وَالْبَيْعُ فِي الْجُمْلَةِ حَلَالٌ , وَالرِّبَا حَرَامٌ .
ب - الْعَرَايَا: 3 - الْعَرِيَّةُ لُغَةً: النَّخْلَةُ يُعْرِيهَا صَاحِبُهَا غَيْرَهُ لِيَأْكُلَ ثَمَرَتَهَا فَيَعْرُوهَا أَيْ يَأْتِيهَا , أَوْ هِيَ النَّخْلَةُ الَّتِي أُكِلَ مَا عَلَيْهَا , وَالْجَمْعُ عَرَايَا , وَيُقَالُ: اسْتَعْرَى النَّاسُ أَيْ: أَكَلُوا الرُّطَبَ . وَعَرَّفَ الشَّافِعِيَّةُ بَيْعَ الْعَرَايَا بِأَنَّهُ: بَيْعُ الرُّطَبِ عَلَى النَّخْلِ بِتَمْرٍ فِي الْأَرْضِ , أَوْ الْعِنَبِ فِي الشَّجَرِ بِزَبِيبٍ , فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ بِتَقْدِيرِ الْجَفَافِ بِمِثْلِهِ . وَيَذْهَبُ آخَرُونَ فِي تَعْرِيفِ بَيْعِ الْعَرَايَا وَحُكْمِهِ مَذَاهِبَ يُرْجَعُ فِي تَفْصِيلِهَا إلَى مُصْطَلَحِ: ( تَعْرِيَةٌ ) ( وَبَيْعُ الْعَرَايَا ) مِنْ الْمَوْسُوعَةِ 9 91 . وَبَيْعُ الْعَرَايَا مِنْ الْمُزَابَنَةِ , وَفِيهِ مَا فِي الْمُزَابَنَةِ مِنْ الرِّبَا أَوْ شُبْهَتِهِ , لَكِنَّهُ أُجِيزَ بِالنَّصِّ , وَمِنْهُ مَا رُوِيَ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ: { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ , وَرَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا } , وَفِي لَفْظٍ: { عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ } وَقَالَ: ذَلِكَ الرِّبَا تِلْكَ الْمُزَابَنَةُ , إلَّا أَنَّهُ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ: { النَّخْلَةِ وَالنَّخْلَتَيْنِ يَأْخُذُهَا أَهْلُ الْبَيْتِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا } .
( الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ ) :
(1) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 7627) فما بعد