فهرس الكتاب

الصفحة 491 من 1226

مسمى الشراء والبيع في السوق الدولية للسلع ، فالقصد من بيع المرابحة للسلع التي

يتم التعامل بها في سوق المعادن الدولي ( البورصة ) ، ومن ثم بيعها لصالح

المشتري من البنك إنما قصد من ذلك استحلال الإقراض أو الاقتراض ، يقول ابن

القيم - رحمه الله - فيما يتعلق بارتباط المقاصد بالأعمال: ( ولعن اليهود إذ توسلوا

بصورة عقد البيع على ما حرمه عليهم إلى أكل ثمنه ، وجعل أكل ثمنه لما كان هو

المقصود بمنزلة أكله في نفسه فعلم أن الاعتبار في العقود والأفعال بحقائقها

ومقاصدها دون ظواهر ألفاظها وأفعالها ، ومن لم يراع القصود في العقود وجرى

مع ظواهرها يلزمه أن لا يلعن العاصر ( أي عاصر الخمر ) ، وأن يجوز له عصر

العنب لكل أحد ، وإن ظهر له أن قصده الخمر .... وقاعدة الشريعة التي لا يجوز

هدمها أن المقاصد والاعتقادات معتبرة في التصرفات والعبارات ؛ كما هي معتبرة

في التقربات والعبادات ، فالقصد والنية والاعتقاد يجعل الشيء حلالًا أو حرامًا ،

وصحيحًا أو فاسدًا ، وطاعة أو معصية ، كما أن القصد في العبادة يجعلها واجبة أو

مستحبة أو محرمة ، أو صحيحة أو فاسدة ) [23] ، وقال في موضع آخر:( ولهذا

مسخ الله اليهود قردة لما تحيّلوا على فعل ما حرمه الله ، ولم يعصمهم من عقوبته

إظهار الفعل المباح لما توسلوا به إلى ارتكاب محارمه ، ولهذا عاقب أصحاب الجنة

بأن حرمهم ثمارها لما توسلوا بجذاذها مصبحين إلى إسقاط نصيب المساكين ، ولهذا

لعن اليهود لما أكلوا ثمن ما حرم الله عليهم أكله ولم يعصمهم التوسل إلى ذلك

بصورة البيع ، وأيضًا فإن اليهود لم ينفعهم إزالة اسم الشحوم عنها بإذابتها ، فإنها

بعد الإذابة يفارقها الاسم وتنتقل إلى اسم » الودك « ، فلما تحيلوا على استحلالها

بإزالة الاسم لم ينفعهم ذلك ) [24] ، وهذا هو واقع ممارسة البنوك لصيغة التورق

بالشراء والبيع ، وتغير مسمى الربا ( الفائدة ) باسم الربح في المعاملات التي

تجريها البنوك لا ينزع عنها صفة الربا ، وأن ما يؤخذ من ربح هو ربا على المال

المقرض ، وكذا ما يعطى على المال المقترض ؛ وإن تغيرت المسميات ، وإن عمل

عقود باسم بيوع التقسيط أو المرابحة أو شراء السلع وبيعها في سوق السلع

المستقبلية ( البورصة ) لا يغير من طبيعة التعامل ومقصده وغايته .

إن النتيجة التي يمكن التوصل إليها في نهاية هذه الدراسة هو أن ما يتم من

استحلال للربا وتصويره للناس بأنه تورق جائز شرعًا ، وأن ما يؤخذ من ربا تحت

مسمى المرابحة أو بيوع التقسيط وإطلاق المسميات كالتورق المبارك ، وتيسير

التمويل ، وبرنامج نقاء ، وغير ذلك من المسميات ؛ لا يغير من حقيقة هذه الصيغ

من أن التعامل هو تعامل ربوي محرم لا يجوز للمسلم التعامل به ؛ بأي صورة من

صور التعامل التي تسعى البنوك إلى تصويرها للناس بأنها صيغ تتوافق مع

الشريعة الإسلامية ، حتى لو تم الادعاء بأنها قد أجيزت من اللجان الشرعية التي

شكلتها تلك البنوك .

(1) المعجم الوسيط ، الجزء الأول ، ص 208 .

(2) الحيل الفقهية في المعاملات المالية محمد بن إبراهيم ، ص 23 ، الناشر الدار العربية للكتاب 1983م ، وهي رسالة علمية قدمها صاحبها للجامعة التونسية عام 1978م .

(3) أعلام الموقعين ، الجزء الثالث ، ص 252 ، المكتبة العصرية .

(4) الموافقات ، للشاطبي ، الجزء الثالث ، ص 285 .

(5) المرجع السابق ، الجزء الثاني ، ص 280 .

(6) أعلام الموقعين ، لابن القيم ، الجزء الثالث ، ص 321 .

(7) أعلام الموقعين ، الجزء الثالث ، ص 124 - 126 .

(8) الحيل الفقهية ، مرجع سابق ، ص 133 .

(9) المغني ، لابن قدامة ، الجزء الرابع ، ص 62 .

(10) أعلام الموقعين ، الجزء الثالث ، ص 182 .

(11) الحيل الفقهية ، مرجع سابق ، ص 134 .

(12) الفتاوى ، الجزء 3 ، ص 134 ، طبعة عام 1386هـ .

(13) أحكام القرآن ، الجزء الأول ، ص 184 .

(14) تفسير الرازي ، الجزء الرابع ، ص 85 .

(15) بداية المجتهد ونهاية المقتصد ، لابن رشد ، الجزء الثاني ، ص 144 .

(16) أعلام الموقعين ، الجزء الثالث ، ص 182 .

(17) المرجع السابق ، الجزء الثالث ، ص 182 - 183 .

(18) المرجع السابق ، الجزء الثالث ، ص 178 .

(19) الحيل الفقهية ، مرجع سابق ، ص 146 .

(20) الحيل الفقهية ، مرجع سابق ، ص 147 .

(21) أعلام الموقعين ، لابن القيم ، مرجع سابق ، الجزء الثالث ، ص 183 .

(22) أعلام الموقعين ، لابن القيم ، مرجع سابق ، الجزء الثالث ، ص 172 .

(23) أعلام الموقعين ، لابن القيم ، الجزء الثالث ، ص 107 - 108 .

(24) المرجع السابق ، الجزء الثالث ، ص 124 .

مجلة المنار - (ج 170 / ص 7)

يعلم قراء المنار أن مسألة الربا أعظم المشكلات الإسلامية المدنية التي شغلت

بال الحكام والزعماء والعلماء في هذا العصر ، ولدينا أسئلة كثيرة في معاملات

المصارف المالية ( البنوك ) والشركات والعقود التي فيها شيء مما يعده الفقهاء من

المعاملات الربوية ، وردت في تواريخ مختلفة ، وكنا نرجئ الجواب عنها إلى

فرصة يتاح لنا فيها حل هذه المشكلة بتفصيل يشمل هذه الفروق أو يبنى عليه بيان

حكمها ، وقد فتحت لنا هذا الباب حكومة حيدر أباد الدكن الهندية الإسلامية منذ

أشهر قليلة إذ نشرت في الأمصار الإسلامية الكبرى رسالة في حقيقة المسألة ، وهي

فتوى لبعض العلماء هناك في محاولة تحرير الموضوع ، طبعتها الحكومة الآصفية

ووُزعت بأمر الصدارة المالية والمحكمة الشرعية فيها على العلماء المشهورين في

الأقطار الإسلامية طالبة منهم بيان آرائهم فيها بالدليل الشرعي وإرسال الأجوبة

بعنوان ( معين صدر الصدور - محكمة الصدارة العالية ) في تلك العاصمة ، وقد

أرسلت إلينا ثلاث نسخ من هذا الاستفتاء: واحدة خاصة بنا ، والأخريان لصاحبي

الفضيلة شيخ الأزهر والشيخ محمد بخيت أرسلناهما إليهما ، وها نحن أولًا ننشر

نص الاستفتاء بحواشيه ، وبعد نشره نبين رأينا فيه ، ثم نشرع بعد ذلك في نشر تلك

الأسئلة أو ما يغني منها عن غيره ونجيب عنها أجوبة مختصرة يغنينا تحرير حقيقة

الربا عن الإطالة فيها ، إن شاء الله تعالى .

وليعلم القرَّاء أننا ننشر هذه الفتوى الطويلة مع حواشيها بنصها المطبوع ، ولا

نعنى بتصحيح شيء منها ولا بالتعليل على ما نراه منتقدًا من عباراتها أو معانيها

في أثناء نشرها إلا ألفاظًا قليلة للكاتب عذر فيها كرسم الربا برسم المصحف

( الربوا ) وكذا رسم الصلاة والزكاة بالواو وهي طريقة إخواننا مسلمي الهند .

بسم الله الرحمن الرحيم

( حامدًا ومصليًا )

عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ

( هود: 88 )

وبه نستعين

اعلموا أن الله حرَّم الربا في القرآن بقوله جل ثناؤه: وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ

وَحَرَّمَ الرِّبَا ( البقرة: 275 ) قال ابن كثير في تفسيره: باب الربا من أشكل

الأبواب على كثير من أهل العلم اهـ . فلو لم يفسره الفقهاء المجتهدون - شكر الله

مساعيهم - لما اتضح لنا حقيقته ، فعلينا أن ننقل ما روي عن أئمتنا في تفسيره:

قالوا: إن الأمة اتفقت على أن المعنى اللغوي ليس مرادًا [1] في الآية ؛ لأن

الربا في اللغة: الزيادة مطلقًا ، وهي أعم من كل زيادة ، وظاهر أن كل فرد من أفراد

الزيادة ليس بحرام بل بعضها حرام . وبعد اتفاقهم عليه تشعبوا فرقتين ، فالأئمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت