مسمى الشراء والبيع في السوق الدولية للسلع ، فالقصد من بيع المرابحة للسلع التي
يتم التعامل بها في سوق المعادن الدولي ( البورصة ) ، ومن ثم بيعها لصالح
المشتري من البنك إنما قصد من ذلك استحلال الإقراض أو الاقتراض ، يقول ابن
القيم - رحمه الله - فيما يتعلق بارتباط المقاصد بالأعمال: ( ولعن اليهود إذ توسلوا
بصورة عقد البيع على ما حرمه عليهم إلى أكل ثمنه ، وجعل أكل ثمنه لما كان هو
المقصود بمنزلة أكله في نفسه فعلم أن الاعتبار في العقود والأفعال بحقائقها
ومقاصدها دون ظواهر ألفاظها وأفعالها ، ومن لم يراع القصود في العقود وجرى
مع ظواهرها يلزمه أن لا يلعن العاصر ( أي عاصر الخمر ) ، وأن يجوز له عصر
العنب لكل أحد ، وإن ظهر له أن قصده الخمر .... وقاعدة الشريعة التي لا يجوز
هدمها أن المقاصد والاعتقادات معتبرة في التصرفات والعبارات ؛ كما هي معتبرة
في التقربات والعبادات ، فالقصد والنية والاعتقاد يجعل الشيء حلالًا أو حرامًا ،
وصحيحًا أو فاسدًا ، وطاعة أو معصية ، كما أن القصد في العبادة يجعلها واجبة أو
مستحبة أو محرمة ، أو صحيحة أو فاسدة ) [23] ، وقال في موضع آخر:( ولهذا
مسخ الله اليهود قردة لما تحيّلوا على فعل ما حرمه الله ، ولم يعصمهم من عقوبته
إظهار الفعل المباح لما توسلوا به إلى ارتكاب محارمه ، ولهذا عاقب أصحاب الجنة
بأن حرمهم ثمارها لما توسلوا بجذاذها مصبحين إلى إسقاط نصيب المساكين ، ولهذا
لعن اليهود لما أكلوا ثمن ما حرم الله عليهم أكله ولم يعصمهم التوسل إلى ذلك
بصورة البيع ، وأيضًا فإن اليهود لم ينفعهم إزالة اسم الشحوم عنها بإذابتها ، فإنها
بعد الإذابة يفارقها الاسم وتنتقل إلى اسم » الودك « ، فلما تحيلوا على استحلالها
بإزالة الاسم لم ينفعهم ذلك ) [24] ، وهذا هو واقع ممارسة البنوك لصيغة التورق
بالشراء والبيع ، وتغير مسمى الربا ( الفائدة ) باسم الربح في المعاملات التي
تجريها البنوك لا ينزع عنها صفة الربا ، وأن ما يؤخذ من ربح هو ربا على المال
المقرض ، وكذا ما يعطى على المال المقترض ؛ وإن تغيرت المسميات ، وإن عمل
عقود باسم بيوع التقسيط أو المرابحة أو شراء السلع وبيعها في سوق السلع
المستقبلية ( البورصة ) لا يغير من طبيعة التعامل ومقصده وغايته .
إن النتيجة التي يمكن التوصل إليها في نهاية هذه الدراسة هو أن ما يتم من
استحلال للربا وتصويره للناس بأنه تورق جائز شرعًا ، وأن ما يؤخذ من ربا تحت
مسمى المرابحة أو بيوع التقسيط وإطلاق المسميات كالتورق المبارك ، وتيسير
التمويل ، وبرنامج نقاء ، وغير ذلك من المسميات ؛ لا يغير من حقيقة هذه الصيغ
من أن التعامل هو تعامل ربوي محرم لا يجوز للمسلم التعامل به ؛ بأي صورة من
صور التعامل التي تسعى البنوك إلى تصويرها للناس بأنها صيغ تتوافق مع
الشريعة الإسلامية ، حتى لو تم الادعاء بأنها قد أجيزت من اللجان الشرعية التي
شكلتها تلك البنوك .
(1) المعجم الوسيط ، الجزء الأول ، ص 208 .
(2) الحيل الفقهية في المعاملات المالية محمد بن إبراهيم ، ص 23 ، الناشر الدار العربية للكتاب 1983م ، وهي رسالة علمية قدمها صاحبها للجامعة التونسية عام 1978م .
(3) أعلام الموقعين ، الجزء الثالث ، ص 252 ، المكتبة العصرية .
(4) الموافقات ، للشاطبي ، الجزء الثالث ، ص 285 .
(5) المرجع السابق ، الجزء الثاني ، ص 280 .
(6) أعلام الموقعين ، لابن القيم ، الجزء الثالث ، ص 321 .
(7) أعلام الموقعين ، الجزء الثالث ، ص 124 - 126 .
(8) الحيل الفقهية ، مرجع سابق ، ص 133 .
(9) المغني ، لابن قدامة ، الجزء الرابع ، ص 62 .
(10) أعلام الموقعين ، الجزء الثالث ، ص 182 .
(11) الحيل الفقهية ، مرجع سابق ، ص 134 .
(12) الفتاوى ، الجزء 3 ، ص 134 ، طبعة عام 1386هـ .
(13) أحكام القرآن ، الجزء الأول ، ص 184 .
(14) تفسير الرازي ، الجزء الرابع ، ص 85 .
(15) بداية المجتهد ونهاية المقتصد ، لابن رشد ، الجزء الثاني ، ص 144 .
(16) أعلام الموقعين ، الجزء الثالث ، ص 182 .
(17) المرجع السابق ، الجزء الثالث ، ص 182 - 183 .
(18) المرجع السابق ، الجزء الثالث ، ص 178 .
(19) الحيل الفقهية ، مرجع سابق ، ص 146 .
(20) الحيل الفقهية ، مرجع سابق ، ص 147 .
(21) أعلام الموقعين ، لابن القيم ، مرجع سابق ، الجزء الثالث ، ص 183 .
(22) أعلام الموقعين ، لابن القيم ، مرجع سابق ، الجزء الثالث ، ص 172 .
(23) أعلام الموقعين ، لابن القيم ، الجزء الثالث ، ص 107 - 108 .
(24) المرجع السابق ، الجزء الثالث ، ص 124 .
مجلة المنار - (ج 170 / ص 7)
يعلم قراء المنار أن مسألة الربا أعظم المشكلات الإسلامية المدنية التي شغلت
بال الحكام والزعماء والعلماء في هذا العصر ، ولدينا أسئلة كثيرة في معاملات
المصارف المالية ( البنوك ) والشركات والعقود التي فيها شيء مما يعده الفقهاء من
المعاملات الربوية ، وردت في تواريخ مختلفة ، وكنا نرجئ الجواب عنها إلى
فرصة يتاح لنا فيها حل هذه المشكلة بتفصيل يشمل هذه الفروق أو يبنى عليه بيان
حكمها ، وقد فتحت لنا هذا الباب حكومة حيدر أباد الدكن الهندية الإسلامية منذ
أشهر قليلة إذ نشرت في الأمصار الإسلامية الكبرى رسالة في حقيقة المسألة ، وهي
فتوى لبعض العلماء هناك في محاولة تحرير الموضوع ، طبعتها الحكومة الآصفية
ووُزعت بأمر الصدارة المالية والمحكمة الشرعية فيها على العلماء المشهورين في
الأقطار الإسلامية طالبة منهم بيان آرائهم فيها بالدليل الشرعي وإرسال الأجوبة
بعنوان ( معين صدر الصدور - محكمة الصدارة العالية ) في تلك العاصمة ، وقد
أرسلت إلينا ثلاث نسخ من هذا الاستفتاء: واحدة خاصة بنا ، والأخريان لصاحبي
الفضيلة شيخ الأزهر والشيخ محمد بخيت أرسلناهما إليهما ، وها نحن أولًا ننشر
نص الاستفتاء بحواشيه ، وبعد نشره نبين رأينا فيه ، ثم نشرع بعد ذلك في نشر تلك
الأسئلة أو ما يغني منها عن غيره ونجيب عنها أجوبة مختصرة يغنينا تحرير حقيقة
الربا عن الإطالة فيها ، إن شاء الله تعالى .
وليعلم القرَّاء أننا ننشر هذه الفتوى الطويلة مع حواشيها بنصها المطبوع ، ولا
نعنى بتصحيح شيء منها ولا بالتعليل على ما نراه منتقدًا من عباراتها أو معانيها
في أثناء نشرها إلا ألفاظًا قليلة للكاتب عذر فيها كرسم الربا برسم المصحف
( الربوا ) وكذا رسم الصلاة والزكاة بالواو وهي طريقة إخواننا مسلمي الهند .
بسم الله الرحمن الرحيم
( حامدًا ومصليًا )
عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ
( هود: 88 )
وبه نستعين
اعلموا أن الله حرَّم الربا في القرآن بقوله جل ثناؤه: وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ
وَحَرَّمَ الرِّبَا ( البقرة: 275 ) قال ابن كثير في تفسيره: باب الربا من أشكل
الأبواب على كثير من أهل العلم اهـ . فلو لم يفسره الفقهاء المجتهدون - شكر الله
مساعيهم - لما اتضح لنا حقيقته ، فعلينا أن ننقل ما روي عن أئمتنا في تفسيره:
قالوا: إن الأمة اتفقت على أن المعنى اللغوي ليس مرادًا [1] في الآية ؛ لأن
الربا في اللغة: الزيادة مطلقًا ، وهي أعم من كل زيادة ، وظاهر أن كل فرد من أفراد
الزيادة ليس بحرام بل بعضها حرام . وبعد اتفاقهم عليه تشعبوا فرقتين ، فالأئمة