فهرس الكتاب

الصفحة 490 من 1226

ثانيًا: إن من أجاز بيع التورق من العلماء السابقين ، ومنهم الإمام أحمد

-رحمه الله - ، فقد أجازه مع الكراهة ، وأشير في رواية الكراهة إلى إنه

مضطر [16] ( أي المتعامل بالتورق ) . أما الإمام ابن تيمية - رحمه الله - فقد وافق

الإمام أحمد في الرواية الثانية بالحرمة ، يقول ابن القيم:( وكان شيخنا - رحمه

الله - يمنع من مسألة التورق ، وروجع فيها مرارًا وأنا حاضر فلم يرخّص فيها ،

وقال: المعنى الذي لأجله حرم الربا موجود فيها بعينه ، مع زيادة الكلفة بشراء

سلعة وبيعها والخسارة منها ، فالشريعة لا تحرم الضرر الأول وتبيح ما هو أعلى

منه .... ودليل المنع قوله صلى الله عليه وسلم: « لا يحل سلف وبيع ، ولا

شرطان في بيع » ، وقوله: « من باع بيعتين فله أوكسهما أو الربا » رواه أبو

داود ، وذلك لا يمكن وقوعه إلا على العينة ) [17] .

ولا شك أن أسلوب التورق المتبع من قِبَل هذه البنوك هو بيع العينة بعيَنْه ،

حيث يتولى البائع ( البنك ) شراء السلعة من السوق ( البورصة ) ، ثم بيعها على

المشتري ، ثم بيعها مرة ثانية في سوق البورصة بقصد توفير المال الذي من أجله

تمت صياغة هذا العقد ، وهذا ما حرّمه ابن عباس ، فقد نقل ابن القيم عن محمد بن

عبد الله الحافظ المعروف بحطين في كتابه ( البيوع ) عن ابن عباس - رضي الله

عنه - قال: « اتقوا هذه العينة ؛ لا تبع دراهم بدراهم وبينهما حريرة » ، وفي

رواية « أن رجلًا باع من رجل حريرة بمائة ثم اشترها بخمسين » . قال ابن

عباس عن ذلك: « دراهم بدراهم متفاضلة دخلت بينهما حريرة » ، وسئل ابن

عباس عن العينة يعني بيع الحريرة فقال: « إن الله لا يُخدع ، هذا مما حرم الله

ورسوله » . وقد روى ابن بطة باسناده إلى الأوزاعي قال قال رسول الله صلى الله

عليه وسلم: « يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع » [18] .

فواقع عقود التورق ينطبق على ما أشار إليه ابن عباس - رضي الله عنه - ،

حيث إن بيع المرابحة تحت مسمى التورق إنما هو بيع ريالات بريالات بينهما

بيع مستندي لسلع لم يتم استلامها ولا تملُّكها ، وإنما هي بيوعات مستقبلية في سوق

بورصة البضائع ، لا يتم فيها قبض للسلع ولا تسليم ، وإنما هي بيوع آجلة يتم

المضاربة فيها ، فهي أشبه بالحريرة كما قال ابن عباس - رضي الله عنه - .

ثالثًا: بجانب ما روي عن الإمام أحمد في إحدى روايتيه بتحريم مسألة

التورق باعتبارها صورة من صور بيع العينة ، فقد روي عن الإمام مالك - رحمه

الله - منع العينة بناء على عدم القبض من البيعة الأولى أو القبض الصوري الذي

يُتخذ وسيلة وذريعة إلى الربا [19] . وتحريم الوسائل من الأمور التي جاء الشرع

بها وقال بها الأئمة ، فمن ذلك أن الشافعي - رحمه الله - يحرم مسألة « مد عجوة

( نوع من التمر ) » ، و « درهم بمد ودرهم » ، وبالغ في التحريم خوفًا من أن

يتخذ حيلة على نوع من ربا الفضل ، فالتحريم للحيل الصريحة التي يتوصل بها

إلى ربا النسيئة أولى من تحريم « مد عجوة » بكثير ، فإن التحيل بمد ودرهم من

الطرفين على ربا الفضل ؛ أخف من التحيل بالعينة على ربا النساء [20] الذي هو

الغاية التي تسعى إليها البنوك في تعاملها من خلال التعامل في شراء وبيع السلع في

سوق السلع العالمي ( البورصة ) المستقبلية ، فإن مفسدة ربا الفضل في مسألة « مد

عجوة » أقل من مفسدة استخدام التورق لاستحلال ربا النسيئة . فلا يتعامل بالتورق

إلا مضطر إلى الاقتراض ، فالمستغني عنه لا يثقل ذمته بزيادة في شراء السلع

مؤجلًا ثم بيعها بخسارة بدون ضرورة وحاجة ، وقد روى أبو داود من حديث علي

بن أبي طالب - رضي الله عنه -: « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن

بيع المضطر ، وبيع الغرر ، وبيع الثمر قبل أن تدرك » . وقد أوضح ابن القيم أن

شراء المضطر للسلعة ثم بيعها لبائعها بأنها العينة ، وإن باعها لغيره فهو التورق ،

وإن رجعت إلى ثالث يدخل بين البائع والمشتري ، فهو محلل الربا . والأقسام

الثلاثة يعتمدها المرابون وأخفها التورق ، وقد كرهه عمر بن عبد العزيز وقال هو

آخية الربا [21] ، وتشبيه عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - بأن التورق هو للربا

بمثابة الحبل الموثق إلى وتد تُربط به الدابة ، فالدابة لا يمكن لها الفكاك من هذا

الرباط ، وكذلك التورق هو مربوط بالربا .

رابعًا: إن استخدام صيغة التورق بالشراء والبيع في سوق البورصة ، مع

استخدام أسلوب المرابحة في تحديد مقدار الربا الذي سوف يؤخذ على المال الذي

سوف يتم إقراضه للأفراد والمؤسسات والشركات ، أو اقتراضه من المودعين ؛ إنما

هو حيلة لأخذ الربا وإعطائه ، وتجويز ذلك يتناقض مع ما ورد من النهي عن

الحيل لاستحلال الحرام ، وهذا التحايل الذي تمارسه البنوك فتح الطريق لأكل الربا

وتوسيع نطاقه بين المسلمين ، ومعلوم أن الحيل تتناقض مع القاعدة الشرعية ، وهو

ما يعرف بـ « سد الذرائع » ، فالشارع يسد الطريق إلى المفاسد بكل وسيلة ممكنة ،

والمحتال يفتح الطريق بالحيل ، واستخدام صيغة التورق في التعامل مع البنوك

من خلال البيع والشراء للسلع في سوق البورصة قد أدى إلى الوقوع في الحرام ،

يقول ابن القيم:( ومن تأمل أحاديث اللعن وجد عامتها لمن استحل محارم الله

وأسقط فرائضه بالحيل كقوله: « لعن الله المحلل والمحلل له » ، و « لعن الله

اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا ثمنها » ، « لعن الله الراشي

والمرتشي » ، « لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهده )، ومعلوم أن الكاتب

والشاهد إنما يكتب ويشهد على الربا المحتال عليه ليتمكن من الكتابة والشهادة

بخلاف ربا المجاهرة الظاهرة .... وآكل الربا مستحله بالتدليس والمخادعة ، فيظهر

من عقد التبايع ما ليس له حقيقة ، فهذا يشمل الربا بالبيع ، وذلك يستحل الزنا باسم

النكاح ، فهذا يفسد الأموال وذاك يفسد الأنساب ) [22] ، وهذه العقود التي تمارسها

البنوك لا تعدو في واقع الأمر بأنها حيلة لاستحلال الاقتراض والإقراض بالربا باسم

البيع والشراء .

خامسًا: من القواعد التي يقوم عليها التشريع الإسلامي: أن العبر بالمقاصد

والنيات ، بدليل حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - المشهور: » إنما

الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى « الحديث ، ولهذا لا بد من النظر إلى

المقصد والغاية من صيغة التورق في تعامل هذه البنوك في حقيقة أمرها ، وبموجب

التنظيمات التي تحكمها ، وبموجب عقود تأسيسها ، فإنها مبنية على أساس أن النقود

هي مجال عملها ، فهي تتاجر في النقود وليست تتاجر بالنقود ، كما يمارس من قِبَل

الأنشطة الاقتصادية الأخرى ، فهذه البنوك تخضع في أعمالها لأنظمة ومعايير

البنوك المركزية ، ومن تلك البنوك مؤسسة النقد التي تشرف على أعمال البنوك

وفق المعايير الدولية ، ومن مجالات الأعمال التي تمارسها هذه البنوك والمبنية على

أسس ربوية: المتاجرة بالاستثمارات المالية في الأسواق الدولية ، ومن ضمنها

المضاربة في سوق السلع المستقبلية ( بورصة البضائع ) ، حيث يتم احتساب

أرباح المعاملات التي تمارسها وفق ما أطلق عليه المرابحة في سوق السلع

المستقبلية وفق المعادلة الربوية في احتساب الأرباح ، والمتمثلة في احتساب الربح

على أساس القيمة ، والمدة الزمنية للتمويل ، ومعدل الربح ( نسبة الفائدة ) .

ومن هنا نلاحظ أن صيغة التورق المعمول بها من قِبَل البنوك في توفير

التمويل لمن يحتاج إليه ؛ إنما هي وسيلة لإيجاد المخرج لاستحلال الربا تحت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت