لا يمكن الحكم على نجاح المذهب الاقتصادي الإسلامي إلا بتطبيق كل أنظمة الإسلام السياسية والاجتماعية والمالية؛ لأن الإسلام كل لا يتجزأ، ووحدة متكاملة مترابطة لا يمكن تجزئة بعضه عن بعض، والاقتصاد الإسلامي يعتمد في الدرجة الأولى على الإطار العام من الدين أو العقيدة، والخلق أو السلوك، والمفهوم الشامل عن الكون والحياة.
العقيدة الإسلامية في قلب المسلم ووجدانه هي الدافع المحرك لاحترام النظام الاقتصادي والإيمان به والإذعان لتعاليمه.
والقيم الخلقية في الإسلام لا تقل أهمية عن النصوص التشريعية الملزمة في توجيه سلوك الفرد بالنسبة لغيره، واحترامه حقوق الآخرين، ورعايته لمصلحة الجماعة، وغيرته على حرمات بلاده والحفاظ عليها بطواعية واختيار ودافع ذاتي ورقابة داخلية للنفس على ذاتها، فالبر والإحسان والرحمة والإخاء العام والتضحية والإيثار والمحبة والتناصر والتعاون على البر والتقوى، كل تلك العواطف التي هي من صميم الدين تؤثر تأثيرًا واضحًا في تكييف الحياة الاقتصادية، وتساند المذهب فيما ينشده من غايات، وتسمو بالإنسان دائمًا إلى مواطن الخير، وتبعده عن عوامل الشر، وتُسهم في إيجاد قاعدة عتيدة من التكافل والتضامن الاجتماعي بين جميع الأفراد، فالمؤمن المخلص التقي هو الذي يرعى مصالح غيره، كما يرعى مصالح نفسه، وهذه هي مقومات المجتمع الإنساني الفاضل.
ومفهوم الإنسان عن الكون والحياة والعلاقات الاجتماعية في أن الدنيا مزرعة الآخرة، وأن الله هو القابض والباسط والرازق والمتصرف، وأن المال مال الله، والإنسان خليفة ووكيل عن الله في ملكه، وأن المال وسيلة لا غاية، فهو خير إن استعمله صاحبه في الخير، وشر إن أدى إلى الشر والضرر، قال صلّى الله عليه وسلم: « نعم المال الصالح للرجل الصالح» (1) .
وإن الملكية الخاصة لها طابع ووظيفة اجتماعية، وإنها نعمة كبرى يجب صيانتها، والتوصل إليها من طرق حلال، وأن الربح المعقول هو الخالد الدائم والذي يصون التجارة ومصلحة التاجر، وأن العدو يجب جهاده، وأن الحاكم عادل أمين على مصالح الرعية، كل هذه المفاهيم ونحوها تؤثر في الحقل الاقتصادي تأثيرات بعيدة المدى.
تاسعًا ـ خلاصة هذا المبحث:
إن الإسلام ـ كشأنه في كل ما جاء به ـ هو شريعة التوسط والتوازن والاعتدال، وإنه نظام فريد مستقل بنفسه، قائم بذاته، له خصائص ومزايا تميزه عن كل ما عداه من النظم الأخرى في السياسة والاقتصاد والاجتماع والتشريع، وإنه لا قصور فيه عن معالجة المشكلات والأوضاع الحديثة.
لذا فإنه يلتقي مع أحسن ما في النظامين الحاضرين: الاشتراكي والرأسمالي من مزايا وصفات، ويتجنب ما فيهما من مغالاة وانحراف عن سنن الفطرة الإنسانية، ويسير بأبنائه إذا التزموا مبادئه نحو السعادة الحقيقية التي من أبرز مظاهرها شعور الإنسان بالاستقرار المادي، والاطمئنان النفسي والثقة بالذات، والتمتع بالحرية والكرامة.
وليست فلسفة الإسلام في بناء الحضارة الإنسانية قائمة على مجرد إشباع البطون؛ لأن الإنسان جسم وروح، لا مجرد آلة، وإنما هو يفيض بمشاعر الآمال والآلام، ويحس في قرارة نفسه العجز في يوم ما ، والناس يتفاوتون عادة في قدراتهم الإنتاجية بحسب تفاوت استعدادهم الفطري وقواهم الفكرية والجسدية، وليس من العدل ولا من المعقول حرمان إنسان من ثمرات عمله أو الحد منها ما دامت مشروعة.
ولقد حارب الإسلام الثالوث الهدّام المخيف (وهو الفقر والجهل والمرض) وقاوم كل عوامل التخلف الاقتصادي: وهي البطالة ووسائل الكسب غيرالمشروع وإضعاف الإنتاج الزراعي والصناعي والتجاري، كما أنه حقق في الواقع التاريخي مبادئه في التكافل الاجتماعي.
سعود بن إبراهيم الشريم
مكة المكرمة
المسجد الحرام
الخطبة الأولى
أمّا بعد: فإنَّ الوصية المبذولةَ لي ولكم ـ عبادَ الله ـ هي تقوَى الله سبحانَه ومراقبتُه في السّرِّ والعلن، فاتقوا الله عباد الله، وأتبِعوا السيئةَ الحسنة تمحُها، وخالقوا الناس بخلق حسن، إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ [يوسف:90] .
أيها الناس، المالُ في هذه الدّنيا شريانُ الحياةِ التنمويّة المادّيّ، كما أنَّ الشرعَ والدين شريانُ الحياة الروحيّ والمعنويّ. وللمال في نفسِ الإنسان حظوةٌ وشرَه وتطَلُّب حثيثٌ، إذا لم يُحكَم بميزان الشّرع والقناعةِ والرّضا فإنه سيصِل بصاحبه إلى درجةِ السّعار المسمومِ والجشَع المقيت. ولا جرَم عباد الله، فإنّ حبَّ ابنِ آدمَ للمال ليسرِي في جسدِه سَرَيان الدّم في العروق، كيف لا والله جلّ وعلا يقول عن ابن آدم: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ [العاديات:8] أي: المال، ويقول سبحانه عن جماعةِ بني آدم: وَتُحِبُّونَ المَالَ حُبًّا جَمًّا [الفجر:20] .
ومِن هذا المنطلَق تنافس الناسُ سَعيًا في تحصيل هذا المال، وَكَدْحًا تلوَ كَدْحٍ في لَمْلَمَةِ المستطاع من هذا المال الفاتن، غيرَ أنَّ صحةَ هذا الكدح أو فسادَه وحصول الأجر فيه أو ذهابَه لمرهونٌ بحُسن القصدِ والموْرِد فيه أو سوئِه، وفي كلا الأمرَين يقول الله جلّ وعلا: يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ [الانشقاق:6] ؛ لأنَّ المال سلاح ذو حدين، فهو لأهلِ الإسلام والإيمان وحُسنِ القصد به نِعمةٌ يحمدون الله تعالى عليها صباحَ مساء، وهذه هي سِيمَا الأمّةِ الخيرية: الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِالَّليْلِ وَالنَّهَارِ سِرًا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:274] . وهو لأهلِ الكفر حَسرة وبلاء مهما تعدَّدت مصادره وكثر توافُره؛ لبعدِهم عن وضعهِ في موضعه، وما ذاك إلاّ ليكونَ ندامة ووبالًا عليهم كما قال جلّ وعلا: وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لُهُمْ خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ [آل عمران:178] ، فإنَّ معظمَ أوجه الإيرادات والصادِرات لدى من كفَر بالله وبرسولِه منصبّة فيما حرَّم الله ورسوله مِنْ أخذِهِم الربا وأكلهم أموالَ الناس بالباطل والصدّ عن سبيل الله، وتلك ـ لعمرُو الله ـ هي الحسرةُ والندامة، ولات ساعةَ مَنْدَم، وليس بعد الكفرِ ذَنب، إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ [الأنفال:36] .
وإنَّ مما يدلّ على أهمّيّة المال في حياةِ الفردِ والجماعة وُرودَه في القرآن متصرِّفًا مَدحًا وذمًّا في أكثرَ من ثمانين موضعًا.
أيّها المسلمون، إنّ الشريعة الإسلاميةَ الغراء جاءَت حاضّة على عمارة الأرض وتنميِتها اقتصاديًّا بما يكون عونًا على أداءِ حقّ الله فيها، فلقد قال رسول الله: (( إذا قامَت الساعة وفي يدِ أحدِكم فسيلةٌ فاستطاع أن لا تقوم حتى يغرِسها فليغرسها، فله بذلك أَجر ) )رواه البخاري (1) [1] .
(1) - أخرجه أحمد وابن مَنيع عن عمرو بن العاص رضي الله عنه.