وكذلك لا يجوز أن تشتري ذهبا بنسيئة، ولا أن تدفع بعض القيمة ويبقى عليك بعضها، بل لابد من دفع القيمة كلها نقدا قبل مغادرة المجلس. ومن الخطأ الذي يقع فيه كثير من الناس عند استبدال الذهب القديم بجديد أنهم يبيعون القديم ولا يقبضون ثمنه، ثم يشترون الجديد ويدفعون الفرق، وهذا داخل في ربا الفضل، والصحيح أن تبيع ما معك وتقبض ثمنه، ثم تشتري الجديد وتدفع ثمنه.
(فاعتبروا يا أولي الأبصار) وخذوا حذركم، وتفقهوا في دينكم، فإنه (( من يرد الله به خيرا يفقّهه في الدين ) ).
خالد بن إبراهيم الدعيجي
جاء في التقرير السنوي لنشاط سوق الأسهم السعودية ما نصه:
«بلغت القيمة السوقية للأسهم المصدرة في نهاية عام 2003م (589.93) مليار ريال، وذلك بارتفاع نسبته (110.14%) مقارنة مع ما كانت عليه في نهاية العام السابق 2002م عندما بلغت (280.73) مليار ريال.
أما القيمة الإجمالية للأسهم المتداولة خلال عام 2003م فقد بلغت نحو (596.5) مليار ريال، مقابل (134) مليار ريال لنفس الفترة من العام السابق 2002م، محققة بذلك نسبة ارتفاع بلغت (346%) .
أما إجمالي عدد الأسهم المتداولة خلال عام 2003م فقد بلغت نحو (5.6) مليار سهم مقابل (1.7) مليار سهم لنفس الفترة من العام السابق 2002م، محققة بذلك نسبة ارتفاع مقدارها (221%) .
أما إجمالي عدد الصفقات المنفذة خلال عام 2003م، فقد بلغ نحو (3.76) مليون صفقة مقابل (1.03) مليون صفقة لنفس الفترة من عام 2002م محققة بذلك نسبة ارتفاع مقدارها (246%) » (1) .
تأمل معي أخي القارئ هذه الأرقام الخيالية، والقفزات الهائلة في نسب القيم السوقية وعدد الأسهم المتداولة والصفقات المبرمة، إنها لتدل على أن السوق المالية السعودية مقبلة على مزيد من الاستثمار في الأوراق المالية، وما زال الأمر في بداية الطريق، ومن المتوقع أن يتم افتتاح سوق «بورصة» سعودية يتم فيها إجراء عدد من العقود المالية المتنوعة، كما هو الحال في الأسواق العالمية.
إن هذه الأرقام الناطقة في التقرير السابق تدعونا لقراءة قوائم المراكز المالية لهذه الشركات المتداولة أسهمها في السوق لمعرفة هل هذه الشركات قائمة على معاملات مباحة خالصة من المحرم، أما أنها تزاول المحرم في معاملاتها؟
وإن كانت الثانية فهل نسبة المحرم كثيرة أم قليلة؟ وما هو المحرم الذي تمارسه: هل هو الإيداع بفوائد، أم أنها تقترض بفوائد، أم أنها تستثمر جزءًا من أموالها في شركات محرمة؟
ومما يدعونا أيضًا لقراءة قوائم هذه الشركات الأسئلة الكثيرة التي ترد إلى طلبة العلم من قِبَل المساهمين مثل:
-ما هي الشركات التي يباح المساهمة فيها؟
-كيف يمكن أن أتخلص من المحرم إذا كانت الشركة تتعامل بالمحرم؟
-أنا لا أستثمر بل أتاجر؛ فكيف أتخلص من المحرم؟
هذه الأسئلة وغيرها كثير تدل دلالة واضحة على أن نسبة عظمى ممن يساهم في هذه الشركات يتوق إلى الحلال، ولا يريد أن يطعم من يعول الحرام.
ولهذا قام الباحث بإجراء دراسة علمية لـ (16) شركة من شركات السوق السعودي، وكان الهدف من الدراسة معرفة المعاملات المالية المحرمة التي تجريها الشركات، وقد نشرت هذه الدراسة في موقع الإسلام اليوم، وقد خلص الباحث إلى ما يلي:
أن الشركات المساهمة تنقسم من حيث طبيعة عملها: هل هو مباح أو حرام؟ إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما كان عملها مباحًا بالكامل، أي لا تزاول أي عمل محرم، وهذا مثل البنوك الإسلامية الجادة في أسلمة معاملاتها، وبعض الشركات؛ إذ توفرت الشروط السابق ذكرها أثناء دراسة قوائم هذه الشركات.
القسم الثاني: ما كان عملها محرمًا بالكامل أو بالأغلب، وهذه مثل البنوك الربوية.
القسم الثالث: ما كان عملها في الأصل مباحًا، ولكنها تتعامل بالمحرم من إيداع بفوائد أو تقترض وتقرض بفوائد، أو تستثمر أموالها بمعاملات محرمة قطعًا كالسندات، وهذا القسم يمثل أكثر شركات السوق، وهذه الشركات تتفاوت فيما بينها ما بين مقل ومكثر في تعاملها بالمحرم.
فما حكم هذه الأنواع الثلاثة من الشركات؟
أما النوع الأول فلا إشكال في إباحته.
والنوع الثاني كذلك لا إشكال في حرمته.
وأما النوع الثالث فقد اختلف فيه العلماء المعاصرون على أربعة أقوال:
القول الأول: الجواز بشروط.
القول الثاني: الجواز في شركات القطاع العام والتحريم في غيرها.
القول الثالث: أن ذلك يرجع إلى نية المساهم؛ فإن كان بقصد المتاجرة فإنه يجوز مطلقًا، وإن كان بقصد الاستثمار فيحرم.
القول الرابع: التحريم مطلقًا.
وقبل أن نذكر هذه الأقوال وأدلتها بالتفصيل يحسن بنا ذكر توطئة كمدخل لهذه المسألة النازلة:
* توطئة:
نشاط الشركة ـ كما سبق بيانه ـ لا يخلو من ثلاث حالات:
الحال الأولى: أن يكون جميع نشاط الشركة محرمًا:
والمقصود بهذه الحال أن يكون جل نشاط الشركة المساهمة في أمور محرمة.
ويدخل في هذه الحال:
1 -الشركات التي تتاجر بالخمور أو المخدرات أو القمار.
2 -المصارف الربوية بشتى أنواعها؛ لأن جل نشاطها في التمويل بفائدة.
3 -شركات التأمين التجاري.
4 -شركات الإعلام الهابط، أو الإعلام المحارب للعقائد والمبادئ الإسلامية.
«ولا خلاف في حرمة الإسهام في شركات غرضها الأساسي محرم كالتعامل بالربا أو إنتاج المحرمات أو المتاجرة بها» (1) ؛ لأن من شرط صحة البيع أن يكون المبيع مباحًا، وهذه الأسهم محرمة.
الحال الثانية: أن يكون جميع نشاط الشركة مباحًا:
وهي الشركات التي تقع كل عملياتها في دائرة الحلال؛ حيث يكون رأس المال حلالًا، وتتعامل في الأنشطة المباحة، وينص نظامها وعقدها التأسيسي على أنها تتعامل في حدود الحلال، ولا تتعامل بالربا إقراضًا أو اقتراضًا، ولا تتضمن امتيازًا خاصًا أو ضمانًا ماليًا لبعض دون بعض.
فهذا النوع من أسهم الشركات ـ مهما كانت تجارية أو صناعية أو زراعية ـ لا خلاف في جواز إنشائها والاكتتاب بها وبيعها وشرائها.
ويمكن أن نمثل لهذا النوع بالمصارف الإسلامية التي ثبتت جديتها في أسلمة أعمالها المصرفية كلها.
الحال الثالثة: أن يكون أصل نشاط الشركة مباحًا، ولكن تتعامل ببعض الأنشطة المحرمة:
ويقصد بها تلك الشركات التي لا يغلب على استثماراتها أنها في أمور محرمة، وإنما تنتج سلعًا وخدمات مشروعة، ولكن وجودها في بيئة رأسمالية قد يؤدي إلى أن تمول عملياتها عن طريق الاقتراض الربوي أو توظف سيولتها الفائضة توظيفًا ربويًا قصير الأجل.
وهذه المسألة اختلف فيها العلماء المعاصرون اختلافًا كبيرًا، وقبل أن نبدأ في ذكر الأقوال في هذا النوع من الشركات يحسن بنا أن نحرر محل النزاع في هذه المسألة:
* تحرير محل النزاع:
لا خلاف بين العلماء المعاصرين على الأمور التالية:
1 -أن المساهمةَ في الشركات التي يغلب عليها المتاجرة بالأنشطة المحرمة محرمةٌ، ولا تجوز لما فيها من الإعانة على الإثم والعدوان.
2 -وأن من يباشر إجراء العقود المحرمة بالشركة ـ كأعضاء مجلس الإدارة الراضين بذلك ـ يكون عملهم محرمًا، قلّت نسبة الحرام في الشركة أم كثرت.
3 -وأن الاشتراك في تأسيس شركات يكون من خطة عملها أن تتعامل في جملة معاملاتها بالعقود المحرمة، أو كان منصوصًا في نظامها على جواز ذلك؛ فإن هذا الاشتراك محرم.