4 -وأن المساهم لا يجوز له بأي حال من الأحوال أن يدخل في ماله كسب الجزء المحرم من السهم، بل يجب عليه إخراجه والتخلص منه، حتى على القول بجواز مساهمته.
واختلفوا في حكم المساهمة في الشركات المشروعة من حيث الأصل، لكنها تتعامل في بعض معاملاتها بالأنشطة المحرمة، أو تقترض أو تودع بالفوائد على أربعة أقوال:
القول الأول: الجواز.
وممن ذهب إلى هذا القول: الهيئة الشرعية لشركة الراجحي (1) ، والهيئة الشرعية للبنك الإسلامي الأردني (2) ، والمستشار الشرعي لدلة البركة (3) ، وندوة البركة السادسة (4) ، وعدد من العلماء المعاصرين (5) .
وقد اشترط أصحاب هذا القول شروطًا إذا توفرت جاز تداول أسهم هذا النوع من الشركات، وإذا تخلف منها شرط لم يجز، ومنها:
ما جاء في قرار الهيئة الشرعية لشركة الراجحي المصرفية رقم (485) :
«يجب أن يراعى في الاستثمار والمتاجرة في أسهم هذا النوع من الشركات المساهمة الضوابط الآتية:
1 -إن جواز التعامل بأسهم تلك الشركات مقيد بالحاجة، فإذا وجدت شركات مساهمة تلتزم اجتناب التعامل بالربا وتسد الحاجة فيجب الاكتفاء بها عن غيرها ممن لا يلتزم بذلك.
2 -ألا يتجاوز إجمالي المبلغ المقترض بالربا سواء أكان قرضًا طويل الأجل أم قرضًا قصير الأجل (25%) من إجمالي موجودات الشركة؛ علمًا أن الاقتراض بالربا حرام مهما كان مبلغه.
3 -ألا يتجاوز مقدار الإيراد الناتج من عنصر محرم (5%) من إجمالي إيراد الشركة سواء أكان هذا الإيراد ناتجًا عن الاستثمار بفائدة ربوية، أم عن ممارسة نشاط محرم، أم عن تملك المحرم أم عن غير ذلك. وإذا لم يتم الإفصاح عن بعض الإيرادات فيجتهد في معرفتها، ويراعى في ذلك جانب الاحتياط.
4 -ألا يتجاوز إجمالي حجم العنصر المحرم ـ استثمارًا كان أو تملكًا لمحرم ـ نسبة (15%) من إجمالي موجودات الشركة.
والهيئة توضح أن ما ورد من تحديد للنسب في هذا القرار مبني على الاجتهاد، وهو قابل لإعادة النظر حسب الاقتضاء».
وذهبت الهيئة الشرعية لدلة البركة إلى التفريق بين الأنشطة المحرمة التي تزاولها الشركة:
فإن كان أصل نشاطها مباحًا، ولكنها تتعامل بجزء من رأس مالها مثلًا بتجارة الخمور، أو إدارة صالات القمار، ونحوها من الأنشطة المحرمة، فلا يجوز تملك أسهمها ولا تداولها ببيع أو شراء.
أما إن كانت تودع أموالها في البنوك الربوية، وتأخذ على ذلك فوائد، أو أنها تقترض من البنوك الربوية، مهما كان الدافع للاقتراض؛ فإنه في هذه الحالة يجوز تملك أسهمها بشرط احتساب النسبة الربوية وصرفها في أوجه الخير (6) .
واتفق المجيزون على أنه يجب على المساهم في هذه الحال أن يتحرى مقدار ما دخل على عائدات أسهمه من الإيرادات المحرمة، وذلك من واقع القوائم المالية للشركة، فيتخلص منها بتوزيعها على أوجه البر، دون أن ينتفع بها أي منفعة، ولا أن يحتسبها من زكاته، ولا يعتبرها صدقة من حُرّ ماله، ولا أن يدفع بها ضريبة حكومية، ولو كانت من الضرائب الظالمة؛ لأن كل ذلك انتفاع بذلك العنصر الحرام من عائدات أسهمه (1) .
ويمكن أن يستدل لهم بالأدلة الآتية (2) :
الدليل الأول:
ما روى زيد بن ثابت - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «رخص في العرايا: أن تباع بخرصها كيلًا» متفق عليه (3) .
وجه الدلالة منه:
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المزابنة، كما جاء في حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المزابنة: أن يبيع ثمر حائطه إن كان نخلًا بتمر كيلًا، وإن كان كرمًا أن يبيعه بزبيب كيلًا، وإن كان زرعًا أن يبيعه بكيل طعامًا، نهى عن ذلك كله» متفق عليه (4) .
ثم إنه ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه رخص في العرايا يبتاعها أهلها بخَرْصها تمرًا، فيجوز ابتياع الربوي هنا بخرصه، وأقام الخَرْصَ عند الحاجة مقام الكيل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «لما نهاهم عن المزابنة لما فيها من نوع ربا، أو مخاطرة فيها ضرر أباحها لهم في العرايا للحاجة؛ لأن ضرر المنع من ذلك أشد» (5) .
وقال أيضًا: «ويلحق بالعرايا ما كان في معناها؛ لعموم الحاجة إلى ذلك» (6) .
وقال أيضًا: «يجوز للحاجة ما لا يجوز بدونها، كما يجوز بيع العرايا خرصًا بالتمر» (7) .
وعليه: «فإن الشركات المساهمة التي ظهرت في العصور الحديثة نتيجة لتطور الحياة المعاصرة ومنجزاتها العلمية، وظروفها الاقتصادية، وتأمين المرافق الكبرى كالكهرباء وشبكات المياه والهاتف والنقل، واستثمار الثروات الطبيعية المختلفة على النطاق المجدي اقتصاديًا، كل ذلك يجعل تأسيس الشركات المساهمة حاجة حيوية عامة. وهذا يستلزم جواز تأسيس هذا النوع من الشركات التي أصل نشاطها حلال لكن تتعامل بالربا للحاجة العامة، فيصبح امتلاك أسهمها للاستثمار وأخذ أرباحها حاجة عامة أيضًا، ولا سيما بالنسبة إلى صغار المدخرين وأموال الأيتام والأرامل وسائر العاجزين عن استثمار ما لديهم من وفر ولا يكفي ما لديهم لمشروع تجاري، أو شراء عقار واستغلاله» (8) .
وقال الشيخ ابن منيع - حفظه الله: «إن حاجة الناس تقتضي الإسهام في هذه الشركات الاستثمارية لاستثمار مدخراتهم فيما لا يستطيعون الاستقلال بالاستثمار فيه، كما أن حاجة الدولة تقتضي توجيه الثروة الشعبية إلى استخدامها فيما يعود على البلاد والعباد بالرفاهية والرخاء» (9) .
وعليه تقاس مسألة الإسهام بشركات تتعامل بالربا بشرط أن يكون أصل تعاملها بالحلال، على مسألة العرايا، كما قال شيخ الإسلام: «ويلحق بالعرايا ما كان في معناها لعموم الحاجة إلى ذلك» (10) .
ولهذا يرى هؤلاء العلماء:
أن الإسهام في هذه الشركات يلبي حاجة عامة للأمة، دولة وأفرادًا؛ فتنزل منزلة الضرورة الخاصة، فيجوز الإسهام فيها وإن كانت تتعامل بالربا إيداعًا واقتراضا (11) .
ويناقش هذا الاستدلال بما يلي:
أولًا: أن قياس هذه الشركات على مسألة العرايا قياس مع الفارق من وجهين:
الوجه الأول: أن الربا الذي تقوم به هذه الشركات هو من ربا الديون وهو ربا الجاهلية الذي نز ل القرآن بتحريمه؛ فهو محرم تحريم مقاصد؛ فلا يباح بحال إلا عند الضرورة المؤدية للهلاك كالمضطر لأكل الميتة، وأما الربا الذي في العرايا فهو من ربا الفضل، وهذا تحريمه تحريم وسائل، فيباح عند الحاجة (12) .
الوجه الثاني: أن أصل القياس على الرخص أمر مختلف فيه؛ فالحنابلة والحنفية وقول لدى المالكية لا يرون القياس على الرخص، ولهذا لم يقيسوا على ثمر النخل غيره، فاقتصروا على مورد النص، ولم يروا اطِّراد الحكم في الزبيب والزرع (13) .
ثانيًا: وأما دعوى أن الإسهام في هذا النوع من الشركات يجوز من باب أنها من الحاجة العامة التي تنزل منزلة الضرورة الخاصة، فلا يسلم بذلك لما يلي:
1 -أنها لم تتعين طريقًا للكسب؛ إذ يوجد طرق أخرى من الكسب المشروع الحلال تغني عنها، ومن ادعى أن الحرام عم الأرض بحيث لا يوجد طريق للكسب المشروع يغني عن المشبوه فعليه الدليل (1) .
2 -وعلى فرض وجود الحاجة؛ فإن من شروطها التي توجب تدابير استثنائية من الأحكام العامة أن تكون عامة لجميع الأمة، وليست هناك حاجة لعموم الأمة لأسهم الشركات التي تتعامل بالربا، ونسبة المستثمرين في الأسهم من عامة الناس أقل بكثير من غير المستثمرين بها.
3 -وإن من شروط اعتبار الحاجة أن لا تصادم نصًا، وهذا الشرط منتفٍ هنا؛ إذ إن النصوص متوافرة على تحريم الربا قليله وكثيره (2) .