فهرس الكتاب

الصفحة 565 من 1226

4 -وإن من شروط تنزيل الحاجة العامة منزلة الضرورة الخاصة أن يقطع بارتفاع الحاجة بارتكاب المحظور، وفي الاستثمار بالأسهم قد يسهم الفرد في شركة تتعامل بالربا فيخسر فتزداد حاجته، أو لا يربح فتبقى حاجته (3) .

5 -وإن من شروط تنزيل الحاجة العامة منزلة الضرورة الخاصة أن تقدر الحاجة بقدرها؛ فإذا كانت الضرورة تقدر بقدرها؛ فما بالك بالحاجة التي هي أدنى من الضرورة؟ فهل يسوغ القول بأن تتعدى قدرها إلى أن نجعلها تشريعًا عامًا؟ (4) .

6 -ولو صح العمل بمقتضى قاعدة الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة للزم من ذلك القول جواز الاستثمار في السندات دفعًا للضرورة (5) .

7 -وأيضًا للزم من ذلك فتح باب المحرمات بحجة الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة؛ فهذه القاعدة قد تصبح محل استغلال، بل حجة في الخروج من الحرمة إلى الإباحة لدى كثير من المتفقهين المسايرين للتيارات المعاصرة؛ فالاستناد إليها في تحليل المحرم دائمًا مع وجود بدائل وحلول شرعية أخرى يمكن الأخذ بها ليس من قبيل الرجوع إلى التشريع المقرر، بل يكاد يكون نابعًا من اتباع الهوى وإرضاء النفوس المريضة، والانقياد مع نزوات النفس.

8 -وأخيرًا: لو فرضنا أن الاستثمار في الأسهم يحقق حاجة ومصلحة للبلد؛ فما القول في الاستثمار في الأسهم العالمية؟ والتي أصبحت تفوق في نفوذها وسيطرتها سوق الأسهم المحلية؟

«ويكفي أن نعرف أن استثمارات الصناديق في الأسهم المحلية في عام 1998م لم تتجاوز (1،3) مليار ريال، وهي لا تشكل سوى نسبة ضئيلة من حجم السوق الذي بلغ في العام ذاته (24،38) مليار ريال، في حين بلغت استثمارات الصناديق في الأسواق العالمية (9،8) مليار ريال، ولغة الأرقام هذه تعطي دلالة واضحة على التدفقات الضخمة الخارجة من البلد والتي تنعم بها الشركات الأجنبية، وتصنع بها الرفاهية في بلادها، كل ذلك تسوِّق له الصناديق متذرعةً بأنها لا تساهم في شركات الخمور والقمار وغير ذلك؛ فهل يكفي ذلك لاستباحة الفوائد بحجة أنها تحقق حاجة ملحة للبلد؟ » (6) .

الدليل الثاني:

ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من ابتاع عبدًا وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع» متفق عليه (7) .

وجه الاستدلال:

أن الحديث دل على جواز بيع العبد مع ماله بثمن نقدي دون مراعاة لشروط الصرف؛ لأن المال الذي مع العبد تابع لا مقصود.

وعلى ذلك: «فهذا النوع من الأسهم وإن كان فيه نسبة بسيطة من الحرام لكنها جاءت تبعًا، وليست أصلًا مقصودًا بالتملك والتصرف» (8) .

ومن هذا الحديث أخذ العلماء قاعدة عامة وهي: «يجوز تبعًا ما لا يجوز استقلالًا» .

ولهذه القاعدة تطبيقات متعددة منها: جواز بيع الحامل، والدار مع الجهل بأساسات الحيطان وغير ذلك (9) .

«فيمكن اعتبار بيع سهم ـ من هذا النوع ـ من جزئيات هذه القاعدة» (10) .

نوقش هذا الاستدلال من ثلاثة أوجه:

الوجه الأول: أن الحديث ورد في مسألة منصوص أو مجمع على حرمتها استقلالًا وجوازها تبعًا، وهذا بخلاف ما معنا؛ فإن المحتج بهذا الدليل يريد أنه إذا حرم استقلالًا يجوز الاجتهاد في حله تبعًا، وليس هذا الذي عناه الفقهاء من الحديث، لا سيما في باب الربا المقطوع بتحريمه وضرره (11) .

الوجه الثاني: بأن التبع الذي يغتفر مما كان أصله المنع يشترط فيه أن يكون غير مقصود، أما هنا فإن الإيداع أو الاقتراض بفوائد مقصود في عمل الشركة، ولذا تلحظ إصرار المجالس الإدارية للشركات على هذا العمل مع علمهم بتحريمه (1) .

الوجه الثالث: أن قياس تملك الأسهم على تملك العبد ونحوه قياس مع الفارق؛ فإن المحظور في تملك العبد هو في البيع نفسه لا في العبد، بينما في السهم يظل التحريم ملازمًا لملكية السهم حتى بعد العقد، فتعاطي العقود المحرمة سيظل باقيًا حتى بعد امتلاك السهم، ويد المساهم هي يد شريك؛ فكون الشركة أكثر أعمالها مباحة لا يبيح لها ممارسة قليل الحرام، ولهذا لم يجوِّز أهل العلم - القائلون بجواز بيع العبد بماله ـ أن يستثمر الشريك ماله بأمور محرمة ولو كانت يسيرة غير مقصودة (2) .

ونوقش استدلالهم بقاعدة (يجوز تبعًا ما لا يجوز استقلالًا) بما يلي:

أولًا: أن هذه القاعدة معارَضة بأدلة وقواعد قد تكون أقوى منها دلالة في هذا الباب؛ فمن ذلك:

1 -ما ثبت في مسلم من حديث فضالة بن عبيد - رضي الله عنه - أنه قال: اشتريت يوم خيبر قلادة باثني عشر دينارًا، فيها ذهب وخرز، ففصلتها، فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارًا، فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «لا تباع حتى تُفَصَّلَ» (3) .

فلم يتساهل النبي - صلى الله عليه وسلم - في التابع الذي مع الربوي، مما يبين أن الربا قليله وكثيره حرام بخلاف غيره من المحظورات كالغرر ونحوه؛ فقد يتسامح في قليلها.

2 -قاعدة: «إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام» .

3 -قاعدة: «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح» .

ثانيًا: أن القواعد الفقهية ليست من الأدلة الشرعية المتفق عليها أو المختلف فيها التي نص عليها علماء الفقه والأصول، فلا يصح الاحتجاج بها (4) .

الدليل الثالث:

الاستدلال بقاعدة: «اختلاط الجزء المحرم بالكثير المباح لا يصيِّر المجموع حرامًا» .

وقاعدة: «للأكثر حكم الكل» .

ومفاد هاتين القاعدتين أن اليسير المحرم إذا كان مغمورًا في الكثير المباح فإنه لا يؤثر في صحة التصرفات الشرعية من بيع وشراء وإجارة وغير ذلك.

والأصل في ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعامل اليهود بيعًا وشراءً ورهنًا وقرضًا مع أن الله وصفهم بأكل السحت والربا وأكل أموال الناس بالباطل.

وقد ذكر العلماء لهاتين القاعدتين تطبيقات متعددة في أبواب الطهارة، والعبادات، والمعاملات والصيد والأطعمة واللباس كالحرير، وغيرها (5) ؛ فمن ذلك:

ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية: «الحرام إذا اختلط بالحلال فهذا نوعان:

أحدهما: أن يكون محرَّمًا لعينه كالميتة، فإذا اشتبه المُذكّى بالميتة حُرِّما جميعًا.

الثاني: ما حرم لكونه غصبًا، والمقبوض بعقود محرمة كالربا والميسر؛ فهذا إذا اشتبه واختلط بغيره لم يحرم الجميع، بل يميز قدر هذا من قدر هذا، فيصرف هذا إلى مستحقه وهذا إلى مستحقه» (6) .

وسئل عن معاملة من كان غالب أموالهم حرامًا، فقال: «إذا كان الحلال هو الأغلب لم يحكم بتحريم المعاملة، وإن كان الحرام هو الأغلب، قيل بحل المعاملة، وقيل: بل هي محرمة. فأما المتعامل بالربا فالغالب على ماله الحلال، إلا أن يعرف الكره من وجه آخر، وذلك أنه إذا باع ألفًا بألف ومائتين فالزيادة هي المحرمة فقط» (7) .

وبناءً على ذلك فإن «جزءًا يسيرًا من أسهم الشركات التي هي موضوع بحثنا من هذا النوع حرام، والباقي منها وهو الكثير مباح» (8) . أي فيكون الحكم للأكثر وهو المباح.

ونوقش هذا الاستدلال من خمسة أوجه:

الوجه الأول: لا يُسلّم بأن نسبة الربا في هذه الشركات قليلة جدًا، لما يلي (9) :

1 -ما توصل إليه الباحث من خلال دراسته لبعض الشركات في السوق من أن نسبة التعامل بالمحرم وصلت إلى 52% (10) .

2 -أنه من الصعب إيجاد ضابط لذلك؛ فقد ترتفع نسبة الربا في سنة، وقد تهبط في أخرى، وما دامت الشركة لا تتورع عن الربا فإن نسبة تورطها فيه تخضع لمعايير تجارية ونظريات اقتصادية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت