3 -أن الشركات حديثة التأسيس التي لم تزاول نشاطها بعد قد ثبت من خلال الرجوع إلى ميزانياتها أنها تستثمر رأس مالها في الربا حتى يحين وقت توظيفه في مشروعها الأساسي، بل إن بعض هذه الشركات قد توزع أرباحًا للمساهمين وهي لم تزاول نشاطها بعد، وهذا يدل على أنها استخدمت أكثر رأس مالها في الربا.
4 -أن نظام الشركات يفرض على الشركات المساهمة أن تخصص جزءًا من ربحها سنويًا ليكون احتياطيًا لها، وهذه النسبة تختلف باختلاف الأنظمة؛ ففي نظام الشركات السعودي تنص (م 15) منه على ما يلي: «تجنيب مجلس الإدارة كل سنة 10% من الأرباح الصافية لتكوين احتياطي يسمى الاحتياطي النظامي، ويجوز أن تقرر الجمعية العامة العادية وقف هذا التجنيب متى بلغ الاحتياطي المذكور نصف رأس المال» .
وعلى هذا فإن هذه الشركات المساهمة التي لا تتورع عن الربا لو التزمت حرفية النظام فجنبت الاحتياطي لدى أحد المصارف، وأخذت عليه فائدة لأصبحت تستثمر ثلث مالها تقريبًا في الربا وهي نسبة لا يستهان بها.
الوجه الثاني: أن قياس المشاركة في شركات تتعامل بالربا على معاملة من اختلط ماله الحرام بالحلال قياس مع الفارق (1) .
ويظهر الفرق في ثلاثة أمور:
1 -أن معاملة من اختلط ماله بالحرام تُحمل على الجزء المباح من ماله؛ حملًا لتصرفات المسلمين على الصحة. أما المشاركة في شركات تتعامل بالربا فلا يمكن تصحيح الجزء المحرم؛ لأن المال المستثمر بالربا هو عين مال الإنسان؛ فلو ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وحاشاه من ذلك ـ وضع أموالًا عند اليهود لاستثمارها بطريق المشاركة، أو أن أحدًا من أهل العلم استعمل القاعدتين في باب المشاركة كما في البيع لكان حجة في ذلك، ولكن كل ذلك لم يكن، بل جاء عنهم ما يفيد المنع كما سيأتي.
2 -أنه لو صح هذا القياس ـ أي قياس الشركة على المعاوضة ـ لجاز للإنسان أن يستثمر أمواله في الشركات ذات الأغراض المحرمة، قياسًا على جواز المعاملة معها بالبيع والشراء، وهو أمر ممنوع بالاتفاق.
3 -أن مشاركة من يتعامل بالربا فيها معنى الإعانة على الإثم، بخلاف التعامل معه بيعًا وشراءً واستئجارًا ونحو ذلك، فإن المشتري أو المستأجر يأخذ من المرابي ما يقابل عوضه المبذول.
الوجه الثالث: أن هاتين القاعدتين مردودتان بقاعدة: «إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام» ، وقاعدة «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح» .
الوجه الرابع: أن إعطاء الكل حكم الأكثر ليس على إطلاقه؛ فالشراب المسكر محرم وإن كانت الخمرة التي فيه أقل من الماء، والنجاسة إذا غيرت لون الماء أو ريحه تنجس ولو كانت قليلة (2) .
الوجه الخامس: وما نقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية من جواز معاملة من اختلط ماله بالحرام لا يصح الاستشهاد به هنا لأمور:
1 -أن هذه النقول هي في حالة الاشتباه، والحالة التي نناقشها ليس فيها اشتباه، وإنما فيها علم وإقدام على شراء أسهم فيها حرام (3) .
2 -ما ذكره شيخ الإسلام وغيره عن المحرم لكسبه إنما هو فيما إذا جاء الغاصب ونحوه بمال حرام فضمه إلى ماله الحلال وخلطه، فإن هذا الخلط لا يحرم ماله الحلال لا أن العقد الفاسد ـ كما في موضوعنا ـ يكون صحيحًا؛ فهو لم يحكم بتصحيح الغصب، ولا ذلك العقد الفاسد.
وحينئذٍ إذا أراد الخلاص من الحرام يميز كلًا منهما عن الآخر، فيصرف كلًا منهما إلى مستحقه؛ فالمغصوب إلى المغصوب منه، والحلال يبقى عنده.
وهذا الحكم متفق عليه؛ فلا يُحكم بحرمة جميع مال المساهم الذي اشترك في الشركة معتقدًا أنها لا تودع ولا تقرض بفوائد ربوية، ثم يتبين له مستقبلًا أنها تفعل ذلك، وإنما يقدر نصيب أسهمه من الفوائد الربوية ويخرجها منه، أو من ربحها؛ لأنها محرمة عليه، والباقي حلال له، لكن نقول: إن المساهم الذي يعلم أن الشركة تأخذ وتعطي فوائد ربوية يحرم عليه البقاء فيها، كالغاصب أو المتعامل بعقد فاسد يحرم عليه الاستمرار فيه؛ فهذا هو مراد أهل العلم فيما نقل عنهم (4) .
3 -أن في معاملة من في ماله حلال وحرام لا يجزم المتعامل معه بالبيع والشراء والاستئجار ونحو ذلك أن نصيبه وقع في الحرام قطعًا، بخلاف المساهم في الشركات التي تتعامل بالربا؛ فإنه بتملكه أسهمًا في الشركة سيسهم قطعًا مع الشركاء فيما سيستقبلونه من أعمال تالية لتملك السهم؛ فإذا كانت هذه الأعمال محرمة؛ فبأي وجه يمكن تجويزها، ومن المعلوم أن السهم حصة شائعة في الشركة بجميع ما تشتمل عليه من أصول ثابتة أو منقولة أو حقوق أو أرباح ملوثة أو غير ذلك، ولا يمكن تمييز حصته عما عداه من الشركاء (5) .
4 -على أنه قد ورد عن بعض السلف تحريم التعامل مع المرابي ونحوه، فقد سئل الإمام أحمد عن الذي يعامل بالربا، يؤكل عنده؟ قال: لا، «قد لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آكل الربا وموكله» (6) ، وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالوقوف عند الشبهة (7) ا. هـ.
(1) ملحق في مجلة تداول، العدد السابع - شتاء عام 2003م.، وكذلك تجده في موقع تداولhttp://www.tadawul.com.sa.
(1) قرار المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي رقم: 65/1/7.
(1) قرارات الهيئة الشرعية للشركه، 1/241.
(2) الفتاوى الشرعيه للبنك الإسلامي الأردني، فتوى رقم (1) .
(3) الأجوبة الشرعية في التطبيقات المصرفية، مجموعة دلة البركة، فتوى رقم (37) . (4) الفتاوى الاقتصادية، ص 19.
(5) منهم فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين (مجلة النور ع 183 لعام 1421هـ) وفضيلة الشيخ عبد الله بن منيع في بحثه المنشور بمجلة البحوث الفقهية المعاصرة ع 7 لعام 1411هـ بعنوان: «حكم تداول أسهم الشركات المساهمة» ، وكل من د. نزيه حماد، ومصطفى الزرقا، ومحمد تقي العثماني، انظر (مجلة النور ع 183 لعام 1421هـ) ود. علي محيي الدين القره داغي في بحثه المقدم لمجمع الفقه الإسلامي في دورته التاسعة بعنوان: «الاستثمار في الأسهم» .
(6) فتاوى الهيئة الشرعية للبركة، ص 110.
(1) قرارات الهيئة الشرعية لشركة الراجحي المصرفية، 1/214.
(2) كل من كتب في هذا الموضوع ـ حسب علمي ـ يستدلون على الجواز بقواعد فقهية ذكرها الشيخ ابن منيع - حفظه الله -، وكما هو متقرر أن القاعدة الفقهية ليست دليلًا متفقًا عليه ولا مختلفًا فيه؛ فهي بعينها تحتاج إلى ما يستدل لها؛ لذا رأيت أن يكون منطلق الاستدلال في هذه المسألة من أدلة الكتاب والسنة، ويستأنس بالقواعد الفقهية والتطبيقات عليها تأييدًا لهما لا اعتمادًا عليها.
(3) أخرجه البخاري (كتاب البيوع/ باب تفسير العرايا، برقم 2192) ، ومسلم (كتاب البيوع/ باب تحريم بيع الرطب بالتمر إلا في العرايا، برقم 3860) .
(4) أخرجه البخاري (كتاب البيوع/ باب بيع الزرع بالطعام كيلًا، برقم 2205) ، ومسلم (كتاب البيوع/ باب تحريم بيع الرطب بالتمر إلا في العرايا، برقم 3876) .
(5) مجموع الفتاوى، 20/555. (6) مجموع الفتاوى، 20/555.
(7) مجموع الفتاوى، 29/480. (8) قرارات هيئة الراجحي الشرعية، 1/245.
(9) حكم تداول أسهم الشركات، للشيخ عبد الله بن منيع، ص 20 ـ 21، مجلة البحوث الفقهية المعاصرة ع 7 لعام 1411هـ، الاستثمار في الأسهم، للدكتور القره داغي، ص 83، بحث منشور في مجلة المجمع الفقهي 9/2/47، قرارات الهيئة الشرعية للراجحي، 1/243.
(10) مجموع الفتاوى، 20/555.