-يجب أن تعلم القاعدة العامة بأن بيع الذهب بدراهم لا يجوز أبدًا إلا باستلام الثمن كاملًا ، ولا فرق بين القريب والبعيد لأن دين الله لا يحابى فيه أحد ، وإذا غضب عليك قريبك بطاعة الله عز وجل فليغضب فإنه هو الظالم الآثم الذي يريد منك أن تقع في معصية الله عز وجل وأنت في الحقيقة قد بررت حين منعته أن يتعامل معك المعاملة المحرمة ، فإذا غضب أو قاطعك لهذا السبب فهو الآثم وليس عليك من إثمه شيء .
* ما حكم أخذ التاجر ذهبًا مقابل ذهب يريد المشتري أن يشاور عليه ، وهذا الذهب الذي أخذه التاجر رهنًا إلى أن يرد المشتري ما أخذ منه ، مع العلم أنه لابد من اختلاف في الوزن بين ما أخذه وما رهنه ؟.
-هذا لا بأس به ما دام أنه لم يبعه إياه وإنما قال: خذ هذا الذهب رهنًا عندك حتى أذهب وأشاور ثم أعود إليك ونتبايع من جديد ، ثم إذا تبايعا سلمه الثمن كاملًا وأخذ ذهبه الذي جعله رهنًا عنده .
* رجل اشترى قطعة ذهبية بمبلغ مائتي دينار واحتفظ بها مدة من الزمن إلي أن زادت قيمة الذهب أضعافًا فباعها بثلاثة آلاف دينار فما حكم هذه الزيادة ؟.
-هذه الزيادة لا بأس بها ولا حرج ، وما زال المسلمون هكذا في بيعهم وشرائهم يشترون السلع وينتظرون زيادة القيمة وربما يشترونها لأنفسهم للاستعمال ثم إذا ارتفعت القيمة كثيرًا ورأوا الفرصة في بيعها باعوها مع أنهم لم يكن عندهم نية في بيعها من قبل ، والمهم أن الزيادة متى كانت تبعًا للسوق فإنه لا حرج فيها ولو زادت أضعافًا مضاعفة .
لكن لو كانت الزيادة في ذهب بادل به في ذهب آخر وأخذ زيادة في الذهب الآخر فهذا حرام ، لأن بيع الذهب بالذهب لا يجوز إلا وزنًا بوزن ويدًا بيد كما ثبت بذلك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا بعت ذهبًا بذهب ولو اختلفا في الطيب - يعني أحدهما أطيب من الآخر - فإنه لا يجوز إلا مثلًا سواء بسواء يدًا بيد ، فلو أخذت من الذهب عيار ( 18 ) مثقالين بمثقال ونصف من الذهب عيار (24) فإن هذا حرام ولا يجوز لأنه لابد من التساوي ، ولو أخذت مثقالين بمثقالين من الذهب ولكن تأخر القبض في أحدهما فإنه لا يجوز أيضًا لأنه لابد من القبض في مجلس العقد ، ومثل ذلك أيضًا بيع الذهب بالأوراق النقدية المعروفة فإنه إذا اشترى الإنسان ذهبًا من التاجر أو من الصائغ لا يجوز له أن يفارقه حتى يسلمه القيمة كاملة إذ أن هذه الأوراق النقدية بمنزلة الفضة وبيع الذهب بالفضة يجب فيه التقابض قبل التفرق لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (( إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد ) ).
المصدر مجلة الأسرة
هيثم بن جواد الحداد
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب تبصرة لأولي الألباب، وأودعه من فنون العلوم والحكم العجب العجاب.
وجعله أجل الكتب قدرا، وأغزَرها علما وأعذَبها نظما وأبلغَها في الخطاب، قرآنا عربيا غير ذي عوج ولا مخلوق ولا شبهة فيه ولا ارتياب،
وأشهد أن لا إلا الله وحده لا شريك له، رب الأرباب، الذي عنت لقيوميته الوجوه وخضعت لعظمته الرقاب،
وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله المبعوث من أكرم الشعوب وأشرف الشعاب، إلى خير أمه بأفضل كتاب،
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الأنجاب، صلاة وسلاما دائمين إلى يوم المآب،
أما بعد،
فإن من أعظم النعم التي أنعم الله بها على عباده إنزال هذا الكتاب الكريم، كتاب الهداية، والراحة، كتاب الطمأنينة، والسعادة، كتاب النصر والتوفيق، كتاب التسلية والترويح، كلام ربي كلام ربي، خرج من الله، وإليه يعود
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِين َ قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ)
وشهر رمضان يا عباد الله هو شهر القرآن، بل هو شهر الكتب السماوية كلها، ففضل هذا الشهر بإنزال كلام الله فيه
(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ )
(إنا أنزلناه في ليلة القدر )
ولذلك فقد كان جبريل عليه السلام يدارس النبي صلى الله عليه وسلم القرآن كل ليلة من ليالي رمضان كما ثبت ذلك في الصحيح.
ولهذا كان السلف الصالح إذا جاء رمضان تركوا الاشتغال بغير القرآن، وأقبلوا على القرآن، قراءة، وتدبرا وعملا، لما لقراءته في هذا الشهر الكريم من المزية العظيمة، والأجر المضاعف.
في سنن الترمذي عن مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ قَال سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ ) .
في سنن الدارمي والإمام أحمد واللفظ للدارمي عن سَعِيدِ بْنَ الْمُسَيَّبِ أِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (مَنْ قَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ عَشْرَ مَرَّاتٍ بُنِيَ لَهُ بِهَا قَصْرٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَرَأَ عِشْرِينَ مَرَّةً بُنِيَ لَهُ بِهَا قَصْرَانِ فِي الْجَنَّةِ وَمَنْ قَرَأَهَا ثَلَاثِينَ مَرَّةً بُنِيَ لَهُ بِهَا ثَلَاثَةُ قُصُورٍ فِي الْجَنَّة) ِ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ (إِذَنْ لَتَكْثُرَنَّ قُصُورُنَا) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (اللَّهُ أَوْسَعُ مِنْ ذَلِكَ )
نعم السمير كتاب الله إن له حلاوة هي أحلى من جنيك الضرب
به فنون المعاني قد جمعن فما تفتر من عجب إلا إلى عجب
أمر ونهي وأمثال وموعظة وحكمة أودعت في أفصح الكتب
لطائف يجتليها كل ذي بصر وروضة يجتنيها كل ذي أدب
عباد الله، أيها المؤمنون
هذا الكتاب العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه من خلفه تنزيل من عزيز حميد، هذا الكتاب لا ينفع قارئه إلا إذا كان يعمل به، ولا يمكن أن يعمل به إلا إذا تدبره، ولا يمكن أن يتدبره إلا إذا فهم معانيه، وهذا هو الذي نريد أن نقف عنده في هذه الخطبة
قال الله جل وعلا (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْك مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)
قال ابن جرير الطبري (ليتدبروا حجج الله التي فيه، وما شرع الله فيه من الشرائع، فيتعظوا ويعملوا به)
ولهذا فإن التدبر لا يحدث إلا إذا تمت للقارئ أربعة مراحل:
الأولى: معرفة معاني الألفاظ، وما يراد بها
الثانية: تأمل ما تدل عليه الآيات، مما يفهم من السياق أو من تركيب الجمل
الثالثة: اعتبار العقل بحججه، وتحرك القلب بزواجره، وبشائره،
الرابعة: اليقين بأخباره، والخضوع لأوامره.
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا )