فهرس الكتاب

الصفحة 1141 من 1226

6-درجة قوة النظام القضائي ونظام المحاماة الذي يؤمن للشركة أو عملائها الحصول على حقوقهم، وتدخل شركات التأمين التجارية في عقود تأمين مع شركات أخرى، تؤمن عقودها مقابل نسبة في هذه العقود؛ لتقلل تعرضها للهزات التي يسببها اختلال أو عدم استقرار أحد -أو بعض أو كل- العوامل أعلاه . فلو قلنا: إن الظروف والدرجات المتوقعة ستكون مثالية ومستقرة عند متوسط معين، وقلنا -أيضًا- إن العملاء المؤمن لهم شكلوا اتحادًا قويًا أمام هذه الشركات فإنه يتمثل الطرفان وكأنهما فردان أو شخصان أو شركتان يمثل أحدهما مؤمِّن و الآخر مؤمَّن له أمام أحداث عشوائية (احتمالات) قد تحدث و قد لا تحدث طوال مدة العقد، وإن حدثت خلال العقد فقد تكون نادرة أو متكررة أو قد تكون كبيرة ضخمة أو صغيرة بسيطة، وكل من المؤمِّن والمؤمَّن له يدور في هذا بين الغنم والغرم، والذي قد يكون فاحشًا أو هائلًا أو خياليًا، وقد يكون معتدلًا متواضعًا معقولًا، ولكن في كلتا الحالتين فهو غرر وقمار محرم باطل .

وهنا يتَّضح أن احتجاج بعض الفقهاء بقانون الإحصاءات الكبيرة لا يقوم؛ لأن المشترك (طرف المؤمن عليهم) في التأمين التجاري، و إن كان يمارس جزءًا يسيرًا من الغرر؛ فإنه في الواقع يمثل مع المشتركين الآخرين الغرر كله . و لو أورد علينا مورد أن صغر نسبة الغرر بالنسبة لكل مشترك ستجعل عقد التأمين عقدًا جائزًا، قياسًا على تضمن بعض العقود الجائزة للغرر اليسير، فإن هذا الإيراد مردود، و ذلك لأن الغرر أولًا متحقق في جانب الشركة (المؤمِّن) ، وأما طرف (المؤمن عليهم) فإنه وإن لم يتحقق أو لم يقبل أن غرر أي منهم مما يعتد به، فإن الغرر في جانبهم متحقق قائم إذا نظرنا إلى واقعهم ككل؛ ثم إن كلًا منهم يسهم بغرره الصغير على أحداث الغرر الكبير مع الشركة (المؤمِّن) .

التأمين التعاوني هل هو التأمين التطوعي ؟

يقصد بالتأمين التطوعي: الخروج من المال المتبرع به على هيئة أقساط لا يرجع إلى المؤمِّن عليه شيء منها، لا رأس مال ولا ربح . و هذا النوع من شكل التأمين هو أكثر أشكال التأمين الثلاثة (تجاري- تعاوني- تطوعي) وضوحًا من حيث تصور حله وجوازه، وهو المجمع على جوازه من الفقهاء والمفتين بلا خلاف، وذلك لأنه ببساطة خروج عن ملك المال وانتهاء العلاقة مع المال، إلا أن الدافع لقسط التبرع يكون أولى بتغطية الأخطار التي يتعرض لها، مادام أنها تتعلق بها جهة التبرع، من حيث نوع الحقل الذي يتوجه إليه التأمين التطوعي .

ولكن المشكلة في التأمين التطوعي، هو ما ينادي به بعض الفقهاء، بأنه الحل الوحيد و الحلال الأوحد الذي ليس بعده إلا الحرام، ويدخل في هذا الإطار -أيضًا- فتاوى هيئة كبار العلماء في السعودية، وفتاوى البارزين من أهل العلم: سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز و فضيلة الشيخ محمد العثيمين -رحمهما الله جميعًا-،هذا النوع من التأمين التطوعي لا شك أنه أفضل وأطوع من التأمين التعاوني، ولا ريب أن مثل هذا النوع من التأمين يكون الأجر فيه أرفع والثواب أعظم. لكن التساؤل الذي يتوجه: هل ينحصر الحل والجواز فيه، وتكون الحرمة و الخطر فيما سواه؟ أم أن الفقهاء لم يتم تصورهم أو إدراكهم لأوجه التعاون والإحسان في الشركات التأمينية التعاونية؟ أم أن الفقهاء يصورون أيًا من هذه الشركات على أنها عبارة عن شركاء متميزين مستقلين عن بعضهم البعض، بينهم عقود معاوضات لا تبرعات، أو غير ذلك؟. ويبقى أن نقول: إن من يطلق التحريم على شركات التأمين التعاونية بناءً على علل شرعية يراها، فإنه قد يجد بعض هذه العلل أو غيرها مرتسمة أيضًا في صناديق وهيئات التأمين التطوعية التي تمثل لها فيما يلي:

1-أن الغرر فيها موجود؛ لاحتمال حصول حوادث لبعض المتبرعين، فيدفع لهم مقابلها، وعدم حصول حوادث للبعض الآخر من المشتركين فلا يدفع لهم، ويزداد هذا الغرر إذا قلنا: إن المسؤولية تمتد إلى الشركاء إن لم تكف المبالغ الموجودة في الشركة التأمينية التطوعية لتغطية تكاليف الحوادث، لكن يبيح هذا الغرر كون المشاركات على سبيل التعاون و الإحسان، وهذا يماثله قبول مثل هذا الغرر في شركات التأمين التعاونية .

2-أن نية من يشارك في التأمين التطوعي ليس المقصود منه محض الصدفة والوقف، بل تغطية حوادث تتعلق به في مجال معين، و بالتالي فإن المشترك في مثل هذه الشركة قد يكون ألزم بما لا يلزم، وأوجب عليه إخراج مال بغير وجه حق يقوم عليه.

3-أنه من الناحية العملية، فلن ينشط الناس للقيام بتغطية ما يلزم من التكافل و التضامن و التأمين في المجالات التي أخذت تدعو إليها الضرورة و الحاجة في هذا العصر؛ لأنه ليس كلٌ يقدر على ملكة الصدقة والتبرع والوقف بعين ماله، ولأن هذا سيزيد من إرهاق أصحاب الدخول المنخفضة، بدلًا من مساعدتهم.

هذه العلل وأمثالها قد تجنح بالرأي عند طائفة أخرى من الفقهاء، لإيصاد كل أبواب النظم والمشاركة والتعاون في أي هيئة أو شركة أو مؤسسة، و يذهبون بالتالي إلى القول بضرورة التزام الأسلوب الأول، وذلك بأن الضرر أيًا كان نوعه إذا وقع لأي من الناس فلينفر بعض الناس -أو أغنياؤهم- لسد و مواساة المحتاج و المعاق والمصاب، وهذا مما لا يمكن تصوره في هذا العصر و الزمن الذي أصبحت فيه المجتمعات معقدة التركيب، مشتتة الأجزاء متنوعة الصناعات .

رؤية في واقع تطبيقات شركات التأمين التعاونية:

لم تقم شركات تأمين تعاونية عديدة -حتى الآن- في العالم العربي والإسلامي، وفي مقدمتها منطقة الخليج، ولكن يعرف أن هناك ثلاث شركات تأمينية تعاونية أو إسلامية معروفة هي: الشركة الوطنية للتامين التعاوني، والشركة العربية الإسلامية للتأمين، وشركة التأمين الإسلامية العالمية. فما هو نصيب كل منها من تطبيق مبادئ وأسس الشركات التعاونية، والتي تعطي مثل هذه الشركات مصداقية و شرعية على أحقيتها بمثل هذه الأسماء؟ لا شك أن كلًا من هذه الشركات تريد أن تمثل الأسس التعاونية و الإسلامية في التكافل والتأمين، ولكن يبدو أن هناك صعوبات تطبيقية وواقعية، وكذلك تنظيمية و معرفية، ابتداء من كيفيات وضع الأسس و القوانين المشروعة التي تنظِّم وتحكم الشركات التعاونية، ثم كيفيات التطبيق السليم و الصحيح لهذه النظم و الأسس في الممارسات العلمية، مع ما تصطدم به هذه الشركات التأمينية التعاونية من عدم وجود هيئات رسمية منظمة في بعض الدول، أو عدم عمل تلك الهيئات الرسمية على تشجيع تطور مثل هذه المؤسسات، و تمييزها بقواعد و مراسيم توافق طبيعتها المختلفة عن شركات التأمين التجارية، و لذلك فإن هذه الشركات التأمينية التعاونية يمكن أن تنتعش كثيرًا في قبولها وأعمالها لو أخذت بالتوصيات التالية:

1-أن تدعم -بشكل كافٍ- إدارات كل من التطوير والرقابة الشرعية داخلها، أو تنشئ مثل هاتين الإدارتين، أن لم تكونا موجودتين .

2-أن تعمل هذه الشركات في التعاون فيما بينها، في إطار الأبحاث الشرعية و تطوير الممارسات .

3-أن تعمل كل شركة من هذه الشركات على إقناع المسؤولين الحكوميين في بلادها، لإنشاء لجنة أو قسم شرعي و قانوني في إطار هيئة التأمين الحكومية. * أستاذ مشارك قسم الاقتصاد جامعة الملك سعود

شركات التأمين التعاونية:

هيكلة قانونية حديثة للأسس التجارية المتوافقة مع المبادئ الإسلامية

د. يوسف الزامل * 12/4/1424

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت