مع ازدياد الوعي التأميني في الخليج والعالم العربي والإسلامي، وتزايد وتيرة الشعور بالحاجة إلى التأمين من قبل رجال المال والأعمال والمؤسسات العامة والحكومية والأفراد، يساور الكثير من الأشخاص القلق والشكوك حول الأبعاد الشرعية لعمليات وعقود التامين، ويطرح بين الحين والآخر -في وسائل الإعلام المختلفة- مقالات ودراسات وبحوث تتضارب دعواتها بين )القبول المطلق ( لكافة أشكال التأمين، ) والرفض المطلق( أيضًا لهذه الأشكال.
والذي لاريب فيه أن دين الإسلام مبني على الوسطية واليسر، فيعطي حلولًا عديدة ويفتح آفاقًا واسعة، مع الابتعاد عن المحرمات الرئيسية المحدودة والمعدودة، فهو معتدل يقوم على أن الأصل في المعاملات الحل ما لم يرد ما يمنعها.
وفي هذه المقالة سيتم البدء في طرق الأسباب الرئيسية والعلل الجوهرية لتفسير مصادر هذه البلبلة الفكرية، والتي تعتري ليس فقط التأمين أو القضايا الاقتصادية، بل تبرز أيضًا في قضايا رئيسية تتعلق بمختلف الجوانب الاجتماعية والسياسية والثقافية وغيرها… إذ تظل مثل هذه القضايا -التي تؤثر على مسارات المجتمع وازدهاره لتطوره، بل قد تعمل على انهياره وتدهوره- حائرة تائهة بين تضارب مختلف الآراء الأولية غير الرصينة، لتترك بعد حين مهمشة وجانبية تنمو في إشكالاتها وتناقضاتها . وبعد تناول المعلومة العامة يتم تناول قضية التأمين بطرح العلة والأساس الجوهري أو المحوري الذي يتبين به اختلاف التأمين التجاري التقليدي عن التأمين التجاري التعاوني اختلافا يؤثر في هيكل علاقاته وثمراته، ومن ثم حكمه الشرعي.
ثم ننتقل بعد ذلك إلى بيان أهم الثغرات التي وجدت عند كل من الفريقين (المؤيد المطلق والرافض المطلق) ، والتي أدت بهما إلى عدم رؤية هذا الفرق الأساسي الجوهري بين النوعين (التأمين التجاري التقليدي والتأمين التجاري التعاوني) ، حتى ساوى أحد الفريقين بينهما في الحل والإباحة، بينما ساوى الفريق الآخر بينهما في الحظر والحرمة. ويختم الحديث بتناول بعض المسائل التفصيلية والتي يطرحها كل من الفريقين، وهي في عامتها تتولد نتيجة عدم رؤية الفرق الأساسي الجوهري بين النوعين. وكقضية التأمين فكثيرًا ما يواجه مجتمعنا المعاصر قضايا محيرة في كثير من الحقول المتعلقة خاصة بالعلوم الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية، وهي في الغالب قضايا متخمة وربما مصيرية، إذ يقع الباحثون والدارسون لها -ومن ثم الممارسون والمتعاملون- في تردد كبير، وحيرة واسعة وتناقض صارخ. ويعود ذلك -حتمًا- إلى عدم نضج في المقدرات والخبرات، وندرة -أو عدم وجود الراسخين- في التحصيل العلمي والتطبيقي والشرعي في الحقول العلمية المختلفة.. ولا شك أن قضايا عصرنا الحاضر غدت متطورة بشكل كبير، تتداخل وتتشابك فيها الكثير من العوامل والأبعاد التي تتطلب من الباحث والمؤلف والكاتب أن يكون متخصصًا بارزًا في عدة حقول، ولذلك فإني أنادي -قبل الدخول في طرح منهج هذه الورقة في تحليل قضية التأمين- طلبة العلم والدارسين، بل والمشهورين بالإفتاء الفقهي في جانب المعاملات إلى الأمور التالية:
أولًا: سلوك درب التخصص في مجال معين وفي حقل واحد؛ وذلك نتيجة لما يتطلبه العصر الحاضر من تخصصات دقيقة لمواجهة النقص الواضح في المقدرة على الرسوخ في التخصص الواحد، فضلًا من الجمع بين عدة تخصصات .
ثانيًا: إذا تتطلب المجتمع التوجه والتصدي لمناقشة أو دراسة قضايا حيوية ضخمة كالتأمين وكتحديد النسل وعمل المرأة … وغيرها، فإن الطريق الأسلم والأكثر موضوعية وجدوى أن يتم إتمام وتكامل الرؤية عبر المجموعات المختلفة المتعددة، وورش العمل التي تشمل المتخصص الفقيه في القضية والمتخصص المنظر في الحقل والمتخصص والممارس. ومن ثم تخرج الدراسات والبحوث والمقالات أكثر إيجابية، وأعظم فائدة وأقرب إلى الصواب.
وبعد هذا النداء (وريثما تتواجد مثل تلك المجموعات ولجان الدراسات) فإن استخدام المنهج التحليلي في قضية دراسة التأمين التعاوني التجاري في مقابل التأمين التجاري التقليدي -والذي يتطلب الجمع بين التخصص الشرعي والاقتصادي- قد يسهم سريعًا في توضيح الرؤية الاقتصادية الفقهية لسد جزء من الفجوة المتَّسعة بين الفريقين المتباعدين، وهذا ما تصبو إليه هذه المقالة التي تستهل هذا العرض بطرح النتيجة والخلاصة البحثية التالية.
إن العلة الجوهرية في رفض التأمين التجاري والتقليدي يعود إلى علة الغرر التي ترجع إلى أن الشركة طرف مستقل، والعملاء طرف آخر كلاهما يريد الاستفادة والمصلحة من الآخر عبر استخدام نظرية الاحتمالات العشوائية وقوانين الإحصائيات الكبيرة، وهذا شرط كافٍ يجعل هذا التأمين التقليدي التجاري ممنوعًا من الناحية الشرعية، ومع ذلك فإن الشركة التأمينية التجارية التقليدية تتعدى ذلك، إذ لا تكتفي بأن تجعل نفسها مع عملائها (50/50) ، والتي يطلق عليها (Zero Sum Game) بل تسعى لجعل الميزان بعد ذلك لصالحها على الدوام. فتصبح 60/50 أو 70/50 أو غير ذلك. فتزيد في الأقساط عن متوسط الاحتمالات العشوائية؛ لتحقق فائضًا مستمرًا مؤكدًا، وهذا ممنوع محظور آخر تقدم عليه الشركة التأمينية التجارية بفعل قوتها الاحتكارية، وذلك لأنها -بحكم قوتها الانفرادية الكبيرة أمام العملاء الكثيرين المتنافسين- تستطيع الزيادة عليهم، وهذا ما يجعلها مرابية أيضًا؛ لأنها تأخذ على الأموال زيادة مقابل الأجل دون أي مشاركة في الإنتاج، وذلك بعد أن دفعت جميع عوائد عناصر الإنتاج قبل حساب الفائض الربوي..
وبعد بيان علة الغرر المانعة من قبول شركات التأمين التجاري التقليدية نوضح الآن أن هذه العلة منتفية وغير موجودة وغير متوجهة في شركات التأمين التعاونية التجارية، ويعود ذلك إلى أن هذه الشركات ليست أطرافًا (مجموعة المساهمين) ، تعمل في مواجهة ومقابلة أطراف أخرى (مجموعة المتعاملين) ، بل يمثل كل من هذه الشركات التعاونية التجارية شخصية واحدة، المساهمون فيها هم المتعاملون معها، فمن تعمل لحسابهم وعلى ضمانهم هم أنفسهم الذين تسعى لتحقيق المكاسب التجارية لهم مع الغير، وتحمل تكاليف الأخطار والحوادث التي تخصهم في أحد الحقول المتعلقة بهم، فتكون حقيقة الشركة التأمينية التعاونية جهة واحدة ومؤسسة واحدة وشخصية واحدة . فالمساهمون (الذين هم المتعاملون) عبارة عن خلايا في الوجهين من عملة واحدة، فلا يتوجه القول إذًا إلى أن هناك وجودًا أو مجالًا لنظرية الاحتمالات العشوائية للربح والخسارة مادامت الجهة واحدة، فالشركة التأمينية التجارية التعاونية لها حسابات واحدة وميزانية واحدة، وهي وحدة واحدة تمثل عملاءها المساهمين المتحدين، فما تتحمله هذه الوحدة من مكاسب وإيرادات، أو مغارم ونفقات تعود إلى الجميع وعلى الجميع. فالمساهمون هم المتعاملون، وهم جميعًا المستفيدون والغارمون في حالات انخفاض الحوادث، أو تحقيق المكاسب الرأسمالية أو التجارية، وهم جميعًا الخاسرون والغارمون في حالات ارتفاع الحوادث أو الإخفاق في الأصول الرأسمالية والتجارية، فلهم جميعًا الأصول، وعليهم جميعًا الخصوم.
والتساؤل الذي يُطرح هو: ما الذي جعل هذا الفرق الجوهري والعلة الرئيسية والمحور الفاصل بين النوعين من التأمين (التأمين التجاري التقليدي والتأمين التجاري التعاوني) لا يكاد يأبه به أو يلتفت إليه كلا الفريقين (المؤيد المطلق والرافض المطلق) ؟! والجواب عن هذا التساؤل يأتي من عدة زوايا: