فهرس الكتاب

الصفحة 1016 من 1226

ومنها: إجماع الأمة على حرمة بيع الدين بالدين، وقد حكى ذلك الإمام أحمد (19) .

ويعترض على هذا الدليل: بأن الإجماع لم يقع على كل صور بيع الدين بالدين بل وقع على بعض الصور دون بعض (20) ، وحينئذٍ فإن التحريم يثبت في الصور التي وقع الاتفاق عليها دون التي وقع الخلاف فيها، وهذه المسألة مما وقع فيه الخلاف فلا يثبت لها التحريم.

وقد يجاب عن هذا الاعتراض بأنه: يستصحب حكم الإجماع في موضع الخلاف، فإذا كان بيع الدين بالدين ابتداء وقع الإجماع على تحريمه، فإننا نستصحب هذا الحكم في موضع الخلاف.

ولكن يقال في الإجابة عن هذا الإيراد بأن: الصحيح من أقوال الأصوليين أنه لا يصح استصحاب حكم الإجماع في موضع الخلاف؛ لأن موضع الخلاف لم يثبت فيه إجماع، والأصل فيه الجواز، فيستصحب هذا الجواز حتى يأتي دليل يمنع من الجواز، ولا دليل يدلّ على التحريم فيبقى الأصل وهو الجواز (21) .

دليل القول الثاني:

أجاز أصحاب هذا القول هذه الصورة استحسانًا، وإن كان القياس يخالفه واستندوا في هذا الاستحسان على ما كان عليه عمل أهل المدينة، ففي المدونة (22) ،: (.. عن سالم بن عبد الله قال: كنا نبتاع اللحم كذا وكذا رطلًا بدينار، يأخذ كل يوم كذا وكذا، والثمن إلى العطاء، فلم ير أحد ذلك دينًا بدين، ولم يروا بذلك بأسًا) (23) .

الاعتراض على هذا الدليل:

أن هذا الأثر يحمل على أنه في كل مرة يتم الشراء يجب على المشتري ثمن ما يأخذ، ويكون وقت تسليم الثمن عند العطاء، فيكون هناك عقد بينهما في كل مرة يأخذ المشتري من البائع شيئًا، وعلى ذلك لا يكون هناك بيع دين بدين، بل هو عقد متجدد، ويترتب على ذلك أنه لا يلزم أحدًا منهما التمادي على هذا الفعل بل له أن يمتنع متى ما شاء عن هذا البيع (24) .

الإجابة عن هذا الاعتراض:

ما ذكر في الاعتراض خلاف ما يظهر من فعل أهل المدينة، بل الظاهر أنهم كانوا يعقدون العقد ويتسامحون في هذا التأخير للبدلين، ولهذا صرّح سالم أنهم لم يكونوا يرون ذلك من قبيل بيع الدين بالدين.

الترجيح:

الظاهر ـ والله أعلم بالصواب ـ أن الراجح هو قول المالكية؛ لأن النهي عن بيع الكالئ بالكالئ مردّه إلى الإجماع، وأما الحديث فلم يثبت مرفوعًا إلى النبي - صلى لله عليه وسلم - وعلى ذلك فأي صورة يتخلف عنها الإجماع فالأصل فيها الجواز إذا خلت من محظورين:

(1) الربا.

(2) الغرر.

وهذه الصورة لا يوجد فيها ربا ولا غرر، ولم يثبت فيها إجماع، فتبقى على الأصل وهو الإباحة، والله أعلم.

وعلى ذلك فإذا كان عقد التوريد بين تاجر وبين مصنع ينتج سلعة من السلع، وبعد العقد تم توريد هذه السلعة للتاجر وتم الاتفاق على قدر (كمية) السلع الموردة، وتم الاتفاق على موعد سداد الثمن، وكان تحصيل ثمن هذه السلع مأمونًا في الأحوال المعتادة، كأن يكون التاجر صاحب مكانة اقتصادية بحيث يستطيع تصريف هذه السلع وردّ ثمنها، أو كان التاجر يتعامل مع الدولة والدولة لم يعهد عنها جحد لحقوق التجار، أقول إذا توفرت تلك الشروط فما المانع من القول بصحة عقد التوريد؟

في رأيي المتواضع لا يوجد مانع من ذلك، خاصة وأن مصالح الناس متعلقة بهذه العقود، والله أعلم وصلى وسلم على نبينا محمد.

(*) عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

(1) القرار لم يكن بالأغلبية كما هو واضح من مناقشات اِلأعضاء، كما أن الموضوع ـ على أهميته ـ لم يأخذ حقه من البحث والمناقشة، وليت أن مجمع الفقه يذكر في قراراته كلها هل صدر القرار بالإجماع أم بالأغلبية؟ مع إدراج الرأي المخالف ـ إن وجد ـ كما يفعل المجمع الفقهي التابع للرابطة و هيئة كبار العلماء في السعودية.

(2) انظر: البحر الرائق (5/279) وحاشية ابن عابدين (4/12) ودرر الحكام لعلي حيدر (شرح م205) (1/157)

(3) تحفة المحتاج (4/217) ونهاية المحتاج (3/375) وحاشية الجمل (3/9) وحاشية البجيرمي على المنهج (2/168)

(4) المقاييس في اللغة مادة (جر) (1/413) والصحاح مادة (جرر) (2/612) ولسان العرب (2/242) والقاموس (464)

(5) القاموس المحيط (464)

(6) مواهب الجليل (6/517) ومنح الجليل (3/36)

(7) النكت على المحرر (1/300) وأعلام الموقعين (4/7)

(8) البرقيات لأحمد تيمور باشا (75) ، وانظر: القاموس (وجب) (180)

(9) انظر: البحر الرائق (5/279) والموطأ مع شرح الباجي (5/15) والمجموع (9/163ـ164) والنكت على المحرر (1/300)

(10) انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية (9/43)

(11) المبسوط (12/127) وبدائع الصنائع (4/343و397و486) والهداية مع البناية (8/353)

(12) مواهب الجليل (6/517) منح الجليل (3/36)

(13) المهذب مع المجموع (9/399ـ400) وتحفة المحتاج (5/4) ونهاية المحتاج (4/184)

(14) انظر: الشرح الكبير والإنصاف (12/105) كشاف القناع (3/265) ومطالب أولي النهى (3/171)

(15) العطاء هو: الذي يعطيه الإمام من بيت المال لمستحقه. تسهيل منح الجليل (3/36)

(16) مواهب الجليل (6/516ـ517) ومنح الجليل (3/35ـ36) وشرح الخرشي مع حاشية العدوي عليه (5/223) والشرح الصغير مع حاشية الصاوي (3/220ـ221)

(17) انظر: الشرح الكبير والإنصاف (11/102ـ103) والمبدع (4/27) والإنصاف (3/163) وقولهم يحتاج مزيد تأمل وتحرير.

(18) الحديث أخرجه: الدارقطني (269) (3/71) والحاكم (2/57) من طريق الخصيب بن ناصح ثنا عبد العزيز الداروردي عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.

كما أخرجه الدارقطني (270) (3/72) والحاكم (الموضع السابق) من طريق حمزة بن عبد الواحد عن موسى بن عقبة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر.

وهذا الإسناد وإن كان ظاهره الصحة، إلا أن الطحاوي في شرح معاني الآثار (5554) (4/21) وفي شرح مشكل الآثار (795) (2/265) وأحمد بن منيع (كما في المطالب العالية(2/97 ) ) والبيهقي في الكبرى (5/290) والعقيلي في الضعفاء الكبير (4/162) أخرجوه من طريق موسى بن عبيدة الربذي (لا عقبة) عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر، وأخرجه البيهقي (الموضع السابق) وابن عدي في الكامل (6/335) من طريق موسى بن عبيدة عن نافع عن ابن عمر، ثم ناقش البيهقيُّ الدارقطنيَ والحاكمَ ووهمهما في ذكر موسى بن عقبة وبيّن أنه موسى بن عبيدة الربذي، وقال: ( الحديث مشهور بموسى بن عبيدة مرة عن نافع عن ابن عمر، ومرة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر) .

وعلى ذلك فالحديث ضعيف من أجل ضعف موسى بن عبيدة، (انظر الضعفاء للعقيلي(4/160) و الكامل لابن عدي (6/333 ) ) ولهذا قال فيه الإمام أحمد إنه لا يصح فيه حديث.

وانظر في تضعيف الحديث: نصب الراية (4/40) وتلخيص الحبير (3/26) وإرواء الغليل (5/220) والتحديث (113) والمغني عن الحفظ والكتاب مع جنة المرتاب (405) .

ومع ضعف الحديث فقد قال الطحاوي في شرح المشكل (2/266) : ( واحتمل أهل الحديث هذا الحديث من رواية موسى بن عبيدة وإن كان فيها ما فيها) .

ومعنى الكالئ بالكالئ: أي النسيئة بالنسيئة أو الدين بالدين، انظر: سنن الدارقطني (3/71) وشرح معاني الآثار (2/21) ومستدرك الحاكم (2/57) وسنن البيهقي الكبرى (5/290) والمطالب العالية (2/97)

(19) انظر في حكاية الإجماع: العقود لابن تيمية (451) وأعلام الموقعين (2/10) وطبقات الشافعية لابن السبكي (10/231)

(20) انظر: العقود وأعلام الموقعين (الموضعين السابقين)

(21) انظر: التمهيد لأبي الخطاب الكلوذاني (4/254) وروضة الناظر (2/509) وأعلام الموقعين (1/318) والبحر المحيط (8/20)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت