المحور الرابع هو المحور الدبلماسي . إن إقامة علاقات مع القوى العربية والإسلامية الداعمة لتحرير العراق أمر مهم وضرورة جهادية ، وإن في خارج العراق قوى عربية وإسلامية تعيش الهم العراقي بكل جوارحها ، كما أن خارج العراق قوى تكيد للعراق وأهله ، وفيهم من العبيد الغلاظ الذين لا يعصون لأمريكا أمرًا ويفعلون ما يؤمرون ، وغالبية هؤلاء في الجانب الرسمي في البلاد العربية والإسلامية وأجهزتها"الأمنية". هم سدنة الاحتلال ورسل الشر والجريمة في الخارج ، وتجربة الجزائر غنية بالنماذج الاخطبوطية التي شوهت الجهاد والعمل السياسي الجزائري حتى كبر الفتق على الراتق . من هنا يجب على الذين يكتبون عن الشأن العراقي أن يتأكدوا من المعلومة قبل نشرها ، وأن يتعاونوا فيما بينهم لتمحيص الخبيث من الطيب ، ويسهموا بتوعية الناس بأساليب التضليل والخداع ويكونوا ، على الأقل ، لسان صدق لشعب مجاهد وأمة مناضلة ، وكل مانفعله هو قليل فيما يجب فعله . لو صرف أهل الثراء بعض فضول أموالهم في دعم الكلمة الصادقة والبيان الحصيف ، لبارك الله لهم في مالهم ، وأسدوا للأمة خيرًا .
أثناء كتابتي هذا البحث طالعتني الصحف بخبر يثير الدهشة ويبعث عل الحيرة وهو: أن مكتب السيد آية الله السيستاني دعا إلى المشاركة الكثيفة في الانتخابات المزمع عقدها في العراق قبل زوال الاحتلال . وهذا اجتهاد له وعليه . أما أن يعلن المكتب أن عدم المشاركة بالانتخابات المقبلة يدخل صاحبه في جهنم ، والعياذ بالله ، فهذا أمر مرفوض جملة وتفصيلًا . من ضرورات الإيمان بالغيب التسليم به ، والقول: هذا في الجنة وذاك في النار من الأمور الغيبية التي لا يملك أحد من الناس أن يجزم أو يتأول بها ، حتى الإنبياء المعصومين ، لا يحق لهم قول مثل هذا القول ، ولا أعتقد أن رجلًا مثل السيستاني ، قضي حياته بالعلم والفتيا يسمح لنفسه أو لغيره أن يتفوه بمثل هذا القول المرفوض شرعًا وغير المقبول عقلًا ، فضلًا أنه يعيد للأذهان قصة صكوك الغفران التي قصمت ظهر الكنيسة الكاثوليكية ، وأفقدتها المصداقية . . إن كل مسلم ، شيعي أو سني ، يعرف أن الأمام علي ، كرم الله وجهه ، لم يسمح لنفسه أن يقول بالخوارج ، الذين خرجوا عليه وناصبوه العداء قولًا مماثلًا لما نقل عن مكتب السيستاني: أن عدم المشاركة بالانتخابات العامة تدخل صاحبها جهنم . بل قال فيهم مقالته المشهورة"طلبوا الحق فأخطؤه". صحيح أن الرجل بلغ من العمر عتيًا ، ولكن لا نسمح لأنفسنا أن نقول أن الرجل أصبح خرفًا لا يعي ما يقول ، والدين على كل حال ليس اتباع رجل ، بل يعرف الرجال بالحق ولا يعرف الحق بالرجال ، كما قال الإمام علي ، رضي الله عنه . ويبدوا لنا أن بعض القوم أخذوا بفقه اليهود وجعلوا الدين اتباع رجل يصنعونه على أعينهم وحسب أهوائهم ويكرهون الناس على اتباعه بزخرف قولهم وخبث مكرهم . من قال أن الانتخابات ؛ عقدها والمشاركة بها أو عدم المشاركة بها من أمور العقيدة يكون عدم المشاركة بها من الكبائر التي تدخل صاحبها بالنار ؟ من أين جاء هذا العلم ؟ . الانتخابات من الأمور المحدثة ، وقد تكون من الطيبات ، التي يندب الأخذ بها ، لمعرفة من ترتضيه الأمة ليقوم بدور الولاية نيابة عنها ، كما كان شأن سراة القوم في العهد النبوي والراشدي . إذا استمر هؤلاء القوم بالإستخفاف بعقول الناس وعقائدهم وجعلوا الدين مطية الدنيا وأفتوا لأنفسهم مالم ينزل الله به سلطانًا ، فسيتبؤون خزي الدنيا ، ونوكل أمرهم إلى الله .
* باحث في الفقه السياسي الاسلامي المعاصر
مخبرون على كبر..!! / ياسر الزعاترة
28-10-1425 هـ
ليبراليونا العظام يطالبون بإنشاء محكمة دولية تحاكم الإرهابيين من أفراد وجماعات، وعلى رأسهم العلماء، لكنهم لا يتحدثون أبدًا عن إرهاب شارون، ولا إرهاب القوات الأمريكية في العراق ولا عن"أبو غريب"، ولا عن أفغانستان، ولا عن كل ممارسات القتل التي تنفذها الولايات المتحدة بحق أبناء هذه الأمة.
لا أحب الانشغال بتلك النخب العلمانية المتطرفة، أو بتعبير أدق، الأمريكية الصهيونية المتطرفة، التي تتحدث بلغتنا في بعض الأحيان، فيما هي غريبة عن هذه الأمة؛ لغة وحضارة وقلبًا وعقلا.
لكن بيان من أسموا أنفسهم الليبراليين العرب كان مثيرًا للفضول، فكان أن أضعت بعض الوقت في استخراجه من الإنترنت ومن ثم قراءته للتعرف على مضمونه الذي أثار الكثيرين فكتبوا عنه تأييدًا أو تحفظًا أو شتمًا وازدراءً.
والحال أننا إزاء بيان يثير الكثير من الازدراء لمن كتبوه، وهم ثلة من خريجي مدرسة اليسار الذين تأمركوا"على كبر"كما يقال، وحين أرادوا التكفير عما سلف من ذنوبهم، لم يكن أمامهم سوى التحول إلى مخبرين من العيار الرخيص.
ونقول من العيار الرخيص، لأن ثمة فئة أخرى من المخبرين لا تعمل إلا وفق ما يطلبه المعلم، لكن عناصر هذه الفئة التي نحن بصددها غالبًا ما يتطوعون باجتراح سخف وهراء لم ولن يتوقعه حتى الذين وظفوهم.
من العفيف الأخضر، ذلك المخبر التونسي الرخيص الحاقد على كل ما يمت إلى الإسلام والمسلمين والعروبة بصلة، خريج مدرسة الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وصاحب شعار"كل السلطة للمقاومة"هاهنا في الأردن نهاية الستينات، إلى صاحبه الفلسطيني شاكر النابلسي الذي كان حتى سنوات قليلة يلبس الدشداشة البيضاء والغترة والعقال ويعيش في السعودية ويكتب عن محمود درويش والشعر الرافض في"رغيف النار والحنطة"، وعن الغناء الرافض أيضًا، كما في"الأغاني في المغاني"الذي يؤرخ لتجربة الشيخ إمام، وذلك قبل أن يرحل إلى الولايات المتحدة ويعمل مخبرًاُ رخيصًا للأجهزة هناك، مع أن طبيعة العمل لا تغير الكثير إذ يكفي أن يكون لأحدهم تاريخ ما حتى يشرع في مسابقة الزمن لتأكيد ولائه الجديد!!
البيان في جوهره لا يستحق النقاش، فهو عبارة عن نداء تحريض ضد علماء المسلمين بوصفهم الركن الأساسي في صناعة الإرهاب، وبالطبع من دون أن يقول لنا أصحابه الليبراليون الأشاوس ما هي المقاومة وما هو الإرهاب، لأن المقاومة في فلسطين والعراق بحسب تعريفهم هي إرهاب، وكل شكل من أشكال التحدي للإرادة الأمريكية الإسرائيلية هو إرهاب، بل إن كل نشر للقيم الدينية في الأمة هو نشر للإرهاب وللتخلف أيضًا.
ليبراليونا العظام يطالبون بإنشاء محكمة دولية تحاكم الإرهابيين من أفراد وجماعات، وعلى رأسهم العلماء، لكنهم لا يتحدثون أبدًا عن إرهاب شارون، ولا إرهاب القوات الأمريكية في العراق ولا عن"أبو غريب"، ولا عن أفغانستان، ولا عن كل ممارسات القتل التي تنفذها الولايات المتحدة بحق أبناء هذه الأمة.
لا حاجة لذلك كله، فالموت الذي تصنعه أمريكا هو موت من أجل الحياة والرقي والتقدم، أما الموت الذي نصنعه نحن فهو موت فقط من أجل الجنة، ولا يملك أي هدف نبيل على
الإطلاق. تلك هي خلاصة الرأي الذي تتبناه وتروجه هذه الحفنة من العملاء. سيقولون إننا نمارس التخوين والتكفير، ونقول نعم بالفم الملآن، وإلا فهل يكون من حقهم ممارسة الكفر والخيانة في وضح النهار، ولا يحق لنا بالمقابل أن نشير بأصابعنا أو نرفع أصواتنا ونقول إن ذلك خيانة وكفر.