فهرس الكتاب

الصفحة 996 من 1226

أما من الناحية الاقتصادية، فالسؤال الذي يطرح نفسه: من أين تأتي هذه"الهبة"التي تعادل أكثر من 32 ضعف الثمن المدفوع؟

إن الموقع نفسه يصرح بأن منح الهبة يعتمد على"قوة السوق"، كما ينص على أنه يتم توزيعها بين المتسوقين أو العملاء"بالاعتماد على مبدأ الأول ثم الذي يليه". وواضح أن هذه الهبات الكبيرة إذن تعتمد على تسلسل العملاء في الشراء، فالهبة تذهب لمن اشترى أولًا، ثم الذين اشتروا بعدهم وهكذا.

والموقع يشير إلى أن منح الهبة مرتبط بقوة السوق، والمقصود بذلك هو مستوى الإقبال على شراء المنتج من الشركة. فكلما ارتفع الإقبال وازداد عدد المتسوقين، كلما كانت فرصة الحصول على"الهبة"أكبر.

والموقع يذكر أن مصدر هذه الهبات هو الأرباح التي تحصل عليها الشركة بعد استقطاع نصيبها البالغ 10%. وبناء على ما جاء في الموقع، فإن سعر القُرص يجب ألا يقل عن 300 ولا يزيد عن 1000 ريال. وهذا يعني أن التكلفة لا تتجاوز 300 ريال بحال من الأحوال. فإذا افترضنا تنزلًا أن التكلفة في حدود 150-200 ريال، فهذا يعني أن الربح يبلغ 300-350 ريال للقرص الواحد.

ويمكننا من باب التبسيط أن نفترض أن صافي الربح بعد استقطاع نصيب الشركة يبلغ 300 ريال للقرص. فكم يجب أن يكون عدد الأقراص المباعة لتمنح الشركة هبة 15000 ريال للمتسوق الأول؟ الجواب بحسب الافتراض السابق: 15000/300 = 50 قرصًا. أي أنه يجب أن يوجد 50 متسوقًا بعد المتسوق الأول، إذا كان كل متسوق يشتري قرصًا واحدًا. ولكي يمنح المتسوق الثاني 15000 ريال فيجب أن يوجد بعده 50 متسوقًا أيضًا، وهكذا. وكل واحد من هؤلاء يحتاج 50 متسوقًا بعده ليحصل على هذه"الهبة."

أي أن المتسوق الأول يحصل على هبات مالية من خلال ما يدفعه من يأتي بعده، ومن بعده ممن بعده، وهكذا. وكل منهم لا بد أن يوجد بعده عدد أكبر من المشتركين ليمكن تحقيق مبلغ"الهبة"، فتكون النتيجة النهائية هرمًا من المتسوقين، كل طبقة فيه أكبر من التي تليها. وينمو هذا الهرم بحسب"قوة السوق"وبحسب مستوى الانضمام للهرم.

وهذا هو بعينه نظام التسلسل الهرمي الذي تقوم عليه شركات التسويق الشبكي، والذي تزعم الشركة أنه لا علاقة لها به إطلاقًا. إن النظام الهرمي في جوهره لا يختلف بين هذه الشركات، بما فيها شركة هبة الجزيرة، لكن قد تختلف هذه الشركات فيما بينها في الإجراءات والتنظيمات التفصيلية. لكن المبدأ والجوهر واحد: كل عضو يدفع لكي يحصل على مبلغ ممن يليه، وكل طبقة من المشتركين يجب أن تليها طبقة أكبر منها ليمكن جمع العمولات أو"الهبات"الموعودة.

وكما سبق بيانه في مناسبات عديدة، فإن الهرم لا يمكن أن يستمر في النمو إلى ما لا نهاية. فإذا توقف كانت الطبقات الأخيرة قد دفعت الثمن دون أن تحصل على"الهبة"التي كانوا يحلمون بها. فهي في حقيقة الأمر خاسرة لأنها لم تحقق الغرض الذي دفعت الثمن لأجله. وحتى في أثناء نمو الهرم، فإن كل طبقة لا يتحقق مقصودها إلا إذا جاءت بعدها طبقة أو أكثر لتحصل على العمولات أو الهبات الموعودة. فالطبقات الأخيرة دائمًا خاسرة إلا إذا وجد بعدها من يدفع ويتحمل الخسارة إلى أن يأتي بعدها من يتحملها بدوره، وهكذا.

فالقول بأن نظام هبة الجزيرة لا علاقة له بالتسلسل الهرمي قول ينافي الواقع ويناقض المعطيات المصرح بها في موقع الشركة. وليس هذا غريبًا عن هذه الشركات التي تجتهد بكل وسيلة لإخفاء الحقيقة عن أعين الناس، ولو كانت كالشمس في رابعة النهار.

المقام الثاني: حكم هذا النظام وفق القواعد الشرعية

إن الحكم على هذا النظام يتناول جانبين: جانب العقد بين المتسوق والشركة، وجانب مجموع المتسوقين وكيفية عمل النظام بمجموعه.

أولًا: العقد بين المتسوق وبين الشركة

إن الشركة تصرح في أنظمتها أن المتسوق يدفع 500 ريال ليحصل على القُرص بالإضافة إلى حافز قدره 700 ريال وهبة قدرها 15000. وكل من الحافز والهبة غير مضمون، بل هو بحسب ما أسموه قوة السوق. أي أن الحوافز والهبات غير متيقنة ولا مضمونة، بل هي احتمالية. وإذا قصرنا النظر على الهبة فتكون النتيجة أن المتسوق يدفع 500 مقابل قُرص بالإضافة إلى 15000 احتمالية الحصول.

وسبق في المقام الأول أن مقصود المتسوق الأهم والأكبر هو الهبة وليس القُرص، وأن هذا هو شأن العقلاء الذين يبحثون عن مصالحهم. فالمقصود إذن هو مبادلة 500 ريال بـ 15000 ريال قد تحصل وقد لا تحصل، وهذا هو القمار والميسر المحرم شرعًا. وفوق ذلك فإنه مبادلة لنقد بنقد مع التفاضل والتأخير ، فيدخل في الربا.

وأما وجود القُرص فهو إما أن يكون غير مقصود أصلًا، أو على أحسن الأحوال مقصودًا تبعًا، وإنما المقصود الأكبر والأعظم هو مبلغ الهبة. ومما يؤكد ذلك ما صرح به موقع الشركة أن من ثمرات النظام أنه"تم عقد قران أربعة من الشباب الذين استفادوا من هبات هذا النظام. وقد امتلك ثلاثة من المتسوقين منازل خاصة بعد أن كانوا في منازل مستأجرة ..."إلخ.

ولك أن تتخيل أخي القارئ كم حجم الهبات التي حصل عليها من تمكن من الزواج أو شراء بيت. إنها لا بد أن تبلغ عشرات الألوف بل المئات منها. أليس هذا أوضح دليل على أن المقصود من النظام هو الهبات وليس الأقراص؟ فالأقراص لا تزوج عزبًا ولا تشتري بيتًا. فإذا كان هذا هو المقصود الحقيقي من النظام فما الداعي إذن لوجود الأقراص ابتداء؟ ولم لا يكون النظام اشتراكات نقدية مقابل"هبات"تحصل بحسب"قوة السوق"؟ الجواب واضح، فإن غياب القُرص يكشف حقيقة النظام وأنه مبادلة نقد بنقد، من جنس اليانصيب. فكم من فقير وأعزب ومستأجر استغنى وتزوج وامتلك بيتًا بسبب جوائز اليانصيب، فهل هذا كاف في الحكم بالجواز؟ وهل بهذا تصدر الأحكام الشرعية؟

فإذا كان المقصود الحقيقي والأغلب من المبادلة هو الهبة، كان الحكم مبنيًا على ذلك، فتكون مبادلة نقد بنقد محتمل، مع التفاضل والتأخير، فيجتمع فيها الميسر والربا. وأما الاحتجاج بأن هذا من أسباب مكافحة الفقر، فتأتي مناقشته إن شاء الله عند مناقشة النظام بمجموعه.

ضابط الحيل

تتنوع صور التحايل على الربا والقمار، إلا أن من أبرزها أن يضم صاحب الحيلة سلعة غير مقصودة إلى أحد البدلين، ثم يزعم أن المقصود هو السلعة وليس البدل المحرم.

ولكن الفقهاء كانوا أكثر فطنة من أصحاب الحيل، ولهذا اتفقوا على منع مبادلة نقد بنقد أكثر منه، ومع النقد الأكثر سلعة. وهذ المسألة تسمى عندالفقهاء: مُدّ عَجوة. وذلك كمن يبادل 1000 ريال بسلعة ومعها 1500، فلا خلاف بينهم في منع هذه المبادلة، وذلك أن الزيادة في النقد المضموم للسلعة لا يقابلها شئ في الطرف الآخر. والبائع لا يقبل في الحقيقة هذا التبادل إذا كان النقد الأكثر حاضرًا، لأنه زيادة بلا مقابل، فتكون خسارة محضة. وإنما يمكن أن يقبل ذلك إذا كان النقد الأكثر إما مؤجلًا في الذمة، فتكون المبادلة في الحقيقة قرضًا بزيادة وأدخلت السلعة تمويهًا وتحايلًا على الربا. أو يكون النقد الأكثر محتمل الحصول، فتكون تحايلًا على الميسر والقمار.

وهذا هو الحاصل بالضبط في نظام"هبة الجزيرة": فالمتسوق يدفع 500 مقابل القُرص ومعه 15000. ومعلوم أنه لا يمكن أن يقبل بذلك البائع إلا إذا كان مبلغ الـ 15000 احتماليًا قد يحصل ولا يحصل، فيكون وجود القُرص حيلة وتلبيسًا لحقيقة المعاملة وهي الميسر والمقامرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت