فهرس الكتاب

الصفحة 997 من 1226

والفقه الإسلامي بحمد الله أعظم وأجلّ من أن تنطلي عليه هذه الحيل المذمومة، وإن كان قد يقع خلاف بين الفقهاء في بعض المعاملات هل هي من الحيل المذمومة أم لا. لكن فيما اتفقوا عليه وفي الأدلة الصحيحة ما يكشف وجه الحق في هذه المسائل، لأن الله تعالى عصم هذه الأمة من الاجتماع على ضلالة. وفي النهاية فإن الله عز وجل هو المطلع على قلب كل إنسان ومراده، فمن قصد الحق وبحث عنه وتجرد للدليل فسيتبين له الحق عاجلًا أو آجلًا، وهو في ذلك مأجور إن شاء الله. ومن أراد تتبع الرخص والتلفيق بين الآراء بما يرضي هواه لا بما يرضي مولاه، فسيجد عمله عند من لا تخفى عليه خافية.

الأسماء لا تغير الحقائق

وأما تسميتها بالهبة، فهو من تسمية الأشياء بغير اسمها الذي حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث عديدة، في الصحيح وغيره. والأحكام الشرعية لا تتعلق بالأسماء إذا كانت تنافي الحقائق. فسواء سميت هبة أو هدية أو مكافأة أو منحة أو غير ذلك من الأسماء، فهذا لا يغير حقيقة أنها المقصود الأهم في المعاوضة.

وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن الهدية قد تكون رشوة وغلولًا، كما في قصة الرجل الذي بعثه النبي صلى الله عليه وسلم لجمع الصدقة، فلما جاء للنبي صلى الله عليه وسلم قال: هذا لكم وهذا أهدي إلي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أفلا قعدت في بيت أبيك وأمك فتنظر أيهدى إليك أم لا ؟"ثم قام خطيبًا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:"أما بعد فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله، فيأتي فيقول هذا لكم وهذا هدية أهديت لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقًا؟ والله لا يأخذ أحد منكم شيئا بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة"الحديث، متفق عليه، ورواه أحمد أبو داود.

فهذه التي أسماها الرجل هدية إنما هي سحت وغلول، فمجرد التسمية لا يغير من الحقيقة شيئًا، وإنما هي من التحايل المذموم على الشرع. ولذلك ذكر البخاري رحمه الله هذه القصة في كتاب الحيل. والتحايل لا يجعل الحرام حلالًا، بل يزيده تحريمًا، لأنه يجمع بين حرمة الفعل وبين حرمة التحايل والتدليس.

فيقال لمن يسمي مبلغ الـ 15000 ريالًا هبة أو هدية: هلا جلست في بيت أبيك وأمك فتنظر هل يهدى إليك هذا المبلغ أم لا؟ فهذه الهدية لا تعطى إلا لمن اشترى ودفع الثمن، فتكون إذن جزءًا من المعاوضة، وليست هبة كما سموها.

وفي صحيح البخاري أن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال لأبي بردة بن أبي موسى الأشعري:"إنك بأرض الربا بها فاش، إذا كان لك على رجل حق فأهدى إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قت فلا تأخذه فإنه ربا". فبين رضي الله عنه أن هذه التي تبدو هدية ظاهرًا هي ربا في حقيقتها، وإخراجها على صورة هدية لا يغير من الحكم شيئًا. وعبد الله بن سلام رضي الله عنه كان من أحبار اليهود قبل أن يسلم، فهو خبير بالربا وصوره وأنواعه. فقوله هذا مبني على علم وخبرة بحقيقة الربا، مع ما منّ الله به عليه من العلم والفقه والصحبة.

ولذلك قرر شيخ الإسلام أن الهدية إذا وجدت لسبب أخذت حكم ذلك السبب، وجعل ذلك من أصول الشريعة:"وهو أن كل من أهدي له شئ أو وهب له شئ بسبب، فإنه يثبت له حكم ذلك السبب، بحيث يستحق من يستحق ذلك السبب، ويثبت بثبوته، ويزول بزواله، ويحرم بحرمته، ويحل بحله حيث جاز له قبول الهدية. مثل من أُهدي له للقَرض، فإنه يثبت له حكم بدل القَرض. وكذلك من أُهدي له لولاية مشتركة بينه وبين غيره، كالإمام وأمير الجيش وساعي الصدقات، فإنه يثبت في الهدية حكم ذلك الاشتراك. ولو كانت الهدية قبل العقد (أي عقد النكاح) ، وقد وعدوه بالنكاح فزوجوا غيره، رجع بها" (الاختيارات ص334) وهذا يرجع في النهاية إلى قاعدة الشريعة في اعتبار المقاصد والنيات، وهي قاعدة كلية ثبتت من نصوص متواترة تبلغ حد القطع.

إذا ثبت ذلك فإن ما سمي هبة في هذه المعاملة ما هو في الحقيقة إلا عوض عن الثمن المدفوع، إذ لا يحصل على الهبة إلا من اشترى ودفع الثمن. ولما كان هذا العوض هو المقصود أساسًا، وكان احتماليًا قد يحصل وقد لا يحصل، فالمعاملة إذن من الميسر المحرم بالنص والإجماع. ولا يفيد تسمية العوض الاحتمالي هبة أو هدية إلا زيادة الإثم والتحريم، كما سبق.

ثانيًا: حكم النظام بمجموعه

سبق أن مصدر"الهبة"في هذه المعاملة هو مشتريات المتسوقين التالين للمتسوق الأول، وكل من يحصل على الهبة إنما يحصل عليها ممن يأتي بعده من المتسوقين. فالطبقات الأخيرة من المتسوقين لا تربح الهبة إلا إذا وجد بعدها طبقات جديدة. وهذا يعني أن من يكسب الهبة إنما يكسبها على حساب من يأتي بعده، وهذا لا يكسب إلا على حساب من بعده، وهكذا. فالطبقات الأخيرة دائمًا خاسرة، لأن المقصود من الثمن هو الهبة كما سبق، والهبة لا تتحقق إلا بوجود طبقات تالية تتحمل هي الثمن لتحصل الهبة لمن سبقهم، وتحصل هي على الهبة ممن بعدهم. فلا يوجد من يربح إذن إلا بوجود من يخسر، وهذا هو حقيقة أكل المال بالباطل المحرم شرعًا.

أضف إلى ذلك أن من طبيعة النظام الهرمي الذي ينشأ بهذا الأسلوب أن الطبقات الدنيا الخاسرة أكبر بكثير من الطبقات العليا الرابحة. ورياضيًا فإن نسبة من يربح في الهرم لا تتجاوز 6%، بينما 94% من أعضاء الهرم يخسرون. فالغالبية تخسر لكي تربح الأقلية، وهذا مع ما فيه من الظلم وأكل المال بالباطل، فإنه يؤدي إلى سوء تركيز الثروة الذي تحرمه جميع الشرائع التي تراعي العدالة الاجتماعية، فضلًا عن الشريعة الإسلامية.

فالنظام الهرمي في أصل طبيعته وتكوينه قائم على ربح الأقلية في أعلى الهرم على حساب الأكثرية ممن دونهم. وهذا النظام يجمع بين أكل المال بالباطل وبين سوء توزيع الثروة وتركيزها في يد الأقلية، وهي عين المفسدة التي تنشأ عن الربا والاحتكار، وحرمها القرآن بقوله تعالى:"كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم". فلا يشك عاقل درس هذا النظام وأدرك حقيقته وكيفية عمله أنه مناقض للشريعة الإسلامية مناقضة صريحة، فهو كما قيل: تصوره كاف في إبطاله.

الغاية لا تبرر الوسيلة

تفخر الشركة في موقعها بأن من ثمرات النظام زواج عدد من المتسوقين عن طريق الهبات التي حصلوا عليها، وتملك بعضهم بيوتًا بعد أن كانوا في منازل مستأجرة،"وما علم الله به أكثر وأعظم."ثم أشاروا إلى ما لهذا النظام من"الأثر الكبير في مكافحة الفقر والارتفاع بمستوى المعيشة بإذن الله تعالى. ومعلوم أن الشريعة الغراء من مقاصدها رفع الفقر عن المسلمين"إلى آخر ما جاء فيه.

وأول ما يلاحظ هنا هو الاعتماد على مقاصد الشريعة بعد أن كانت مغيبة عند تبرير بيع القُرص وأنه عوض الثمن المدفوع. فإن كانت العبرة بالمقاصد فما الحاجة إذن لبيع الأقراص؟ إن هذه الأقراص لا تسمن ولا تغني من جوع في مكافحة الفقر وتزويج الشباب وإيواء المشردين. وكما سبق، فإن هذا من أوضح الأدلة على أن المقصود من النظام هو الهبات وليس الأقراص، فالواجب إذن تقويم النظام بهذا الاعتبار. ولكن هذا يعني أن النظام لا يعدو أن يكون صورة من الميسر، لأنه نقد مقابل نقد قد يحصل وقد لا يحصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت