قال ابن عبد البر: (قال مالك: ومن البيوع ما يجوز إذا تفاوت أمره وتفاحش رده، فأما الربا فإنه لا يكون فيه إلا الرد أبدًا، ولا يجوز منه قليل ولا كثير ولا يجوز فيه ما يجوز في غيره؛ لأن الله تعالى يقول في كتابه:"وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ"(5) .
ثم قال: (هذا قول صحيح في النظر وصحيح من جهة الأثر فمن قاده ولم يضطرب فيه فهو الخيِّر الفقيه...) (6) .
وقال: ( وقد اتفق الفقهاء على أن البيع إذا وقع بالربا مفسوخ أبدا ) (7) .
جاء في سؤال موجهٍ إلى اللجنة الدائمة:
(س: أنا كنت أساهم في البنوك، واستفدت منها بعض الشيء، فإذا هي حرام ونويت التوبة والابتعاد عنها، فهل هذا يكفي أو لا ؟
ج: أولًا: عليك التوبة والاستغفار من ارتكاب جريمة المشاركة في هذا الأمر المحرم، والإقلاع عن ذلك، وسحب مساهمتك عسى الله أن يتوب عليك، فهو سبحانه القائل:"وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى" (8) .
ثانيًا: عليك التخلص من الأرباح التي حصلت لك بسبب هذه المساهمة بصرفها على الفقراء والمساكين) (9) .
وقالت في جوابٍ لسؤال آخر:
(إذا تاب العبد من المعاملة الربوية، وهي لا تزال قائمة بينه وبين الناس، فيجب عليه استلام رأس ماله فقط، ويترك الزيادة الربوية؛ امتثالًا لقوله تعالى:"وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ"(10) ، وإذا استلم قيمة المعاملة الربوية مع ربحها فيجب عليه تملك رأس ماله الأصلي فقط، والربح الربوي ينفقه في وجوه البر ) (11) .
واستدل أصحاب هذا القول بأربعة أدلة:
الدليل الأول:
قوله تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ" (12) .
وجه الدلالة من الآية: أن هذه الآية عامة في الجاهل والعاصي والكافر إذا أسلم وغيرهم، تجب عليهم التوبة، ويذرون ما قبضوه من الربا والأموال المحرمة، وليس لهم إلا رؤوس أموالهم.
وقد يناقش: بأن المقصود بالآية هو ما لم يقبض من العقود، فإن غير المقبوض يجب إبطاله وترك ما بقي منه، وليس للعاقد إلا رأس ماله، وليس المراد هو ما قبض من العقود بجهل وتأويل ونحو ذلك، فإن هذه له بقوله تعالى:"فله ما سلف"، أي: من العقود المقبوضة حال العذر.
الدليل الثاني:
استدلوا بحديث عائشة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (( من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد ) ) (13) .
وجه الدلالة من الحديث: أن هذا النص عام في العبادات والمعاملات فكل ما وقع منهما على خلاف الشرع يجب رده وإبطاله، والعقود المقبوضة بهذه الحال يجب ردها وإبطالها؛ لدخولها تحت هذا الحديث.
قال الخطابي: (في هذا الحديث بيان أن كل شيء نهى عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من عقد نكاح وبيع وغيرهما من العقود، فإنه منقوض مردود؛ لأن قوله فهو رد يوجب ظاهره إفساده وإبطاله إلا أن يقوم الدليل على أن المراد به غير الظاهر فينزل الكلام عليه؛ لقيام الدليل فيه) (14) . قال ابن حزم (ولم يستثن -صلى الله عليه وسلم- عالمًا من غير عالم، ولا مكلفًا من غير مكلف، ولا عامدًا من غير عامد(15) ، والعقود المحرمة ليست من أمر الدين فيجب ردها).
الدليل الثالث:
ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: (( جاء بلال بتمر برني، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( من أين هذا؟ ) )فقال بلال: تمر كان عندنا رديء، فبعت منه صاعين بصاع؛ لمطعم النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عند ذلك: (( أوه عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري التمر فبعه ببيع آخر ثم اشتر به ) ) (16) وفي رواية لمسلم: (( فردوه ثم بيعوا تمرنا واشتروا لنا من هذا ) ) (17)
قالوا: إذا أوجبنا فسخ العقود والقبوض على الجاهل المعذور فعلى العالم بالتحريم العاصي أولى وأحرى، فهو عاصٍ ظالم بترك التعلم والالتزام، ولا يلزم من العفو عن الجاهل العفو عن هذا .
ويجاب عنه:
بأن المسلم العاصي إذا تاب ليس بأشقى من الكافر، فإذا لم نوجب الفسخ على الكافر وصححنا عقوده وقبوضه فالمسلم التائب أولى .
القول الثاني:
أن تلك العقود والقبوض الفاسدة تملك بعد التوبة، ويقر عليها، ولا يجب عليه ردها، ولا فسخها والتخلص منها إلا من تاب من الحرام وكان بيده فإنه يجب عليه رده، فإن لم يعرف مالكه تصدق به عنه، أو صرفه في مصالح المسلمين، وعليه فإن تلك العقود والقبوض الفاسدة التي قبضتها الشركة تملك بعد التوبة، وتقر عليها، ولا يجب عليها ردها لأصحابها، ولا فسخها ولا التخلص منها إلا إن تابت من الحرام وكان بيدها، فإنه يجب عليها ردها إلى أصحابها إن أمكن، وإلا تتصدق به عنه، أو تصرفه في مصالح المسلمين، وهذا قول في المذهب (18) ، وانتصر له شيخ الإسلام ابن تيمية (19) .
واستدلوا على ذلك بأربعة أدلة:
الدليل الأول:
القياس على الكافر إذا أسلم قياسًا أولويًا وبيانه:
أن هذا المسلم الذي تاب وأناب ليس بأسوأ حال من الكافر المعاند الذي ترك استماع القرآن كبرًا وحسدًا وهوىً، أو سمعه وتدبره واستيقنت نفسه أنه حق من عند الله، ولكن جحد ظلمًا وعلوًا كحال فرعون وأكثر أهل الكتاب والمشركين الذين لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون (20) ، فإذا عفي عن الكافر ما قبضه من المحرمات إذا أسلم، فالمسلم كذلك يعفى عنه إذا تاب بجامع أن كليهما رجع وأناب إلى الله وعرف الحق.
وقد يناقش: بوجود الفرق بينهما من حيث إن الكافر وقعت معاملته وهو غير مكلف، وغير مخاطب بآيات أصول الربا، بخلاف المسلم العاصي العالم، فإن معاملته وقعت في حال هو مكلف فيها.
الدليل الثاني:
أن التوبة كالإسلام (21) فإن الذي قال: (( الإسلام يهدم ما كان قبله ) ) (22) هو الذي قال: (( التوبة تهدم ما كان قبلها ) ) (23) وذلك في حديث واحد رواه مسلم في صحيحه .
فإذا عفي عن الكافر إذا أسلم أنواع المحرمات التي ارتكبها، وأبيحت له الأموال المقبوضة بالحرام، فكذلك المسلم إذا تاب إلى الله، ولا فرق، فالحديثان مخرجهما واحد، ولا يجوز تفسير أحدهما بخلاف الآخر.
ويناقش: بأن من مقتضى التوبة أن يتخلص من هذه الأموال المحرمة، ويبعدها عنه، ويعدل إلى غيرها من المكاسب (24) ؛ فإن التوبة قول وفعل فالقول بإكثار الاستغفار، والفعل بالإقلاع عن هذه الأموال، والتخلص منها بالتصدق بها على المحتاجين.
الدليل الثالث:
ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولًا الجنة، وآخر أهل النار خروجًا منها، رجل يؤتى به يوم القيامة، فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، وارفعوا عنه كبارها فتعرض عليه صغار ذنوبه فيقال: عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا، وعملت يوم كذا وكذا كذا وكذا، فيقول: نعم، لا يستطيع أن ينكر، وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه، فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة، فيقول: رب قد عملت أشياء لا أراها ها هنا، فلقد رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ضحك حتى بدت نواجذه ) ) (25) .