أيها المسلمون: ينبغي أن نعي لعبةَ الأسهم ، فهناك مجموعاتٌ لا تخافُ الله تعالى ولا ترجو الدارَ الآخرة، يتحكمون في السوق ويعقدون اتفاقاتٍ خاصة؛ مع بعضِ الشركاتِ التي يرغبونَ في زيادة أسعارِ أسهمِها؛ وبالمقابلِ يكسرونَ أسعارَ أسهمِ شركاتٍ أخرى بما يملكون من سيطرةٍ ماليةٍ احتكاريةٍ على السوق، ولهذا فهم يتلاعبون بأسعارِ الأسهم؛ كما يفعلُ لاعبو اليانصيبِ بما قد يؤدي فعلُه هذا إلى أضرارٍ اقتصادية؛ فها نحن اليوم نرى انصرافَ فئامٍ من الناسِ عن المشاريعِ الإنتاجيةِ الفاعلة ، ركضًا وراءَ الأرباحِ العاجلة؛ فقلي بربك؟!
ألا يعدُ هذا ضررًا على المجتمع ؟!
ألم تتراكمْ الأموالُ في البنوك دون أن يكون لها أثر في تطوير البلد، وإنشاء المصانعِ وإقامة المشاريع ؟!!
ألم ترتفع أسعار الإيجارات ؟!! فمن المتضرر !!!
ألم تتقلص حركة البناء في البلد ؟!!
ألم تتقلص الحركة التجارية في البلد ؟!!
ألم يخسر أصحاب المصانع والمحلات بسبب وقوف المشاريع التجارية أو بسبب تأخر دفع المستحقات ؛ لأن الأموال تحرك في الأسهم ؟!!
وبناءً على ما سبق فإنني لا أنصحُ بالتعاملِ في هذه السوقِ بحالتِها الراهنةِ، فهي شبهاتٌ بعضُها فوق بعض، وإنني آملُ من أهلِ العلمِ الشرعي وأصحابِ الخبرةِ الاقتصادية والماليةِ إعادةَ النظرِ في الآلياتِ التي تُدارُ بها السوق؛ لإيجادِ مخرجٍ شرعيٍ و اقتصادي يُحققُ المصالحَ المعتبرة .
الوصية الثانية:
فإنْ أبيتَ إلا الدخولَ في هذا السوقِ وقد سبقَ لك أن تعلمتَ ما فيه من الحلالِ والحرام، فإني أنصحكَ ألا تستعملْ جميعَ ما تملكِ في الأسهم؛ لأنك قد تصبحُ طعمًا سهلًا للكبارِ دون أن تشعر، فإذا بي أراك تُساهم في بدايةِ أمركَ بمبلغٍ رمزيٍ، فيعطونَك طعمًا يسيلُ له لعابك؛ ثم تطمعُ فتزيدَ من رأسِ المالِ فتربح؛ فتبيعَ بيتك من أجلِ الفوزِ بمكاسبَ ضخمةٍ في وقتٍ قياسي؛ فلا تشعرْ بنفسِكَ إلا وقد أصبحتَ من المفلسين، ولا حول ولا قوة إلا بالله !! إذن ليس من الحكمةِ أن تضعَ البيضَ كلَّهُ في سلةٍ واحدة، ولا مانعَ أن يشترك اثنانِ أحدهُما يُساهُم باسمهِ والآخرُ بماله ويكون الربحُ بينهما على حسبِ الاتفاق ؛ ولكن الذي يُمنعُ منه أن تبيعَ الاسمَ للمساهمةِ به في الشركات؛ (لأن الاسمَ ليس بمالٍ ولا في حكمِ المال، ولما يترتبُ في ذلك من الكذب، ولأن المشتريَ يأخذُ بالاسمِ أسهمًا زيادةً على ما خُصصَ له وهو لا يستحقُها ) هكذا قالت اللجنةُ الدائمةُ للبحوثِ العلميةِ والإفتاء .
الوصية الثالثة:
لا تتعاملْ مع الشركاتِ التي تتعاملُ بالربا أو فيها نسبةُ ولو قليلةٌ من الربا، فالربا إعلانٌ للحربِ على الله ورسوله، فيا ترى من يحاربُ الله ورسولَه أتراه ينتصر ؟!! يقول الله جل جلاله: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ ) ) (البقرة:279) .
وقال- صلى الله عليه وسلّم-: (( درهم ربا يأكلُّه الرجلُ وهو يعلم ؛ أشدُّ من ستةٍ وثلاثين زنية ) ) [رواه أحمد و صححه الألباني [صحيح الترغيب - الرقم 1855 ] عن عبد الله بن حنظلة- رضي الله عنه-] .
وقال عليه الصلاة و السلام: (( الربا ثلاثٌ وسبعون بابا ؛ أيسرُها مثلُ أن ينكحَ الرجلُ أمه ) ) [صححه الألباني في صحيح الترغيب (1851) ] .
فاتق الله في نفسك ولا تعرضْ نفسَك وأهلكَ لأكلِ الحرام .
يقولُ النبي صلى الله عليه وسلّم: (( لا يدخلُ الجنةَ لحمٌ ولا دمٌ نبتَ من سحتٍ، النارُ أولى به ) ) [رواه الطبراني ورجاله ثقاة، عن كعب بن عجرة- رضي الله عنه-، ورواه أحمد عن جابر- رضي الله عنه- ورجاله رجال الصحيح ] .
ولذلك أيها المسلمُ إذا أردتَ شراءَ أسهمِ أيَّ شركةٍ فعليك أن تتثبتَ من أنَّ نشاطَها مباحًا، فلا يصحُّ بحالٍ أنْ تساهمَ في شركاتِ التأمينِ التجاري، أو البنوكِ الربوية ، أو الشركاتِ المصنعةِ للسلعِ التي حرمها الله تعالى، كالدخانِ أو الخمرِ وما شابه ذلك، و أنْ تسلمَ الشركةُ من الربا إيداعًا واقتراضًا، فما انطبقتْ عليه هذه الشروطُ جازَ تداولُه حين يطرحُ في السوقِ المالية، وهذا ما يقودنا .
أيها الأخوةُ في الله:
للحديثِ عن صناديقِ الاستثمارِ الموجودةِ في البنوكِ التجارية، فكلُّها تقومُ على فتوى بجوازِ أسهمِ الشركات،ِ التي تقترضُ وتُقرِضُ بالربا حسبَ تفصيلٍ لا يسعُ المقامُ له، وقد أصدرَ مجمعانِ فقهيانِ مشهورانِ [1] قرارينِ يقضيانِ بتحريمِ هذا النوعِ من الشركات، وهذان المجمعانِ يحويانِ ثلةٌ من علماءِ العصرِ المعتبرين، وممن ذهبَ إلى هذا القولِ: اللجنةُ الدائمةُ للبحوثِ العلميةِ والإفتاءِ بالمملكةِ، وعلى رأسِها سماحةُ الشيخِ عبدُ العزيزِ بنِ باز، رحمه الله .
فاتق الله أيها المسلم ، و استبرأ لدينك؛ فالحسابُ عسيرٌ ، والموقفُ مهول ، والدنيا زائلةٌ، والآخرةُ باقية .
أيها المسلمون:
وهنا قضيةُ حريٌ التنبيهُ عليها، وهي أن غالبَ البنوكِ الموجودةِ اليومَ، يوجد لها لجانٌ شرعية، ولكنها تفتقرُ إلى إداراتٍ للرقابةِ الشرعية، والتي تتولى التدقيقَ على ما يقومُ به البنكُ من عملياتٍ تجارية، ومن هنا تحدثُ المخالفاتُ والتي أحيانا تُخالف ما أفتتْ به الهيئاتُ الشرعيةُ في ذلك البنك .
ولذا لا يجوزُ الاشتراكُ في أي صندوقٍ يعملُ حسبَ ما ذكر، وعليه أن يعملََ بنفسِه في الشركاتِ التي توفرتْ فيها الشروطُ السابقة، أو أن يبحثَ عن بعضِ المستثمرين الثقاة ليستثمرَ له أموالَه فيها، وإنْ وقعَ أحيانًا دون علمٍ بشراءِ أسهمٍ لشركاتٍ تبينَ له أنها أسهمٌ لشركاتٍ غيرِ نقية، فإن عليه أن يتخلصَ منها ببيعها، وما ربحَ من هذه الأسهمُ فهي له .
الوصية الرابعة:
أخي الكريم: إذا دخلتَ مضمارَ الأسهم فعليكَ بالأمانةِ في التعاملِ مع الناسِ، والنصحِ لهم، فلا غشَ ولا خداع ، فلا يحقُ لك بحالٍ أن تكذبَ على الناسِ في أسعارِ الأسهم ، أو أن تُوهِمَهُم أن أسهمَ هذه الشركةِ في ازدياد، وفي حقيقتِها أنها في خسارةٍ ، أو تدعي أنك تستثمرُ أموالَهم في شركاتٍ نقية، وأنتَ قد خلطتَ الحلالَ بالحرام ، فالنبيُّ- صلى الله عليه وسلم- يقول: (( من غشنا فليس منا ) )رواه مسلم ، وقال- صلى الله عليه وسلم-: (( لا يحلُ لأحدٍ يبيعُ شيئًا إلا بيَّن ما فيه، ولا يحلُ لمن علم ذلك إلا بيَّنه ) ) [رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه .] .
وقال- صلى الله عليه وسلّم-: (( البيعانِ بالخيارِ ما لم يتفرقا، فإنْ صدقا وبينا بُورك لهما في بيعهما، وإنْ كتما وكذبا مُحقت بركةُ بيعهما ) ) [متفق عليه عن حكيم بن حزام رضي الله عنه] .
الوصية الخامسة:
الأسهمُ والمكاسبُ المالية، لها بريقٌ ولمعان؛ قد تصدُّ الإنسانَ عن ذكرِ الله تعالى وعن الصلاة ؛ فليتق الله أولئك ؛ فإنْ فعلَهم ذاك خطرٌ وعظيم ، فقل لي بربك ؟ ماذا بعد أن جمعتَ الأموالَ الطائلة، وتركتَ بعدك الملياراتِ الهائلة، وأنت قد ضيعتَ صلاتَك، وفرطتَ في طاعةِ ربك، ماذا تنفعُك تلك الأموال ؟!!
ماذا ينفعُك حرصُك على جمعِ حطامِ الدنيا إذا أُوقفتَ على سقر؟ وما أدراك ما سقر ؟ لا تُبقي ولا تذر ، لواحةٌ للبشرِ، عليها تسعةُ عشر ؟!!