على أي حال فلسنا في مجال التفضيل بين تعاريف الربا ، ولا تصحيح بعضها وتخطئة البعض الآخر ، وإنما يكفينا منها الاتفاق على أن الربا زيادة في غير مقابلة عوض . أما الاختلاف بين أهل العلم فيما يجري فيه الربا عن بعض الأموال فلأنه يرى أن زيادة بعضها على بعض في مقابلة عوض مشروع . ومن أثبته رأى أن زيادة بعضها على بعض في مقابلة عوض غير مشروع .
فالربا بعبارة مختصرة هو الزيادة في غير مقابلة عوض مشروع . أو كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع فتاواه: (وحرم الربا لأنه متضمن للظلم ، فإنه أخذ فضل بلا مقابل له(1) ا هـ .
فكل معاملة استهدفت هذه الزيادة بصفة مباشرة ، أو كانت وسيلة إليها فهي معاملة ربوية ، وبالتالي فهي محرمة ، لأن زيادة أحد العوضين على الآخر في غير مقابلة مشروعة تعتبر من أكل
(1) ج20، ص341.
أموال الناس بالباطل ، وأكل أموال الناس بالباطل يعتبر عدوانا اجتماعيا ، يهدد العالم بالفوضى والفساد قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } (1) { فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ } (2) .
وفي مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية إشارة إلى سر تحريم الربا حيث يقول (3) : ( وأما آخذ الربا فإنما مقصوده أن يأخذ دراهم بدراهم إلى أجل ، فيلزم الآخذ أكثر مما أخذ بلا فائدة حصلت له ، لم يبع ولم يتجر . والمربي آكل مالا بالباطل بظلمه ، ولم ينفع الناس لا بتجارة ولا بغيرها ، بل ينفق دراهمه بزيادة بلا منفعة حصلت له ولا للناس ، فإذا كان هذا مقصوده فبأي شيء توصلوا إليه حصل الفساد والظلم ) ا هـ .
على أن القول بأن تحريم الربا دفع للظلم المحقق وقوعه عن طريق المعاملات الربوية ، لا يعني انحصار حكمة التحريم في دفع الظلم ، فهناك معان إنسانية أخرى كانت من أسباب تحريمه ، تظهر هذه المعاني فيما يكون عليه المرابي من الغلظة في الطباع ، والشح في الإنفاق ، والعزوف عن الصدقات ، والبعد عن فعل الخيرات . يدل على هذا أنه لا تكاد توجد آية من آيات الربا إلا وهي مسبوقة أو متبوعة بآيات الحض على الإنفاق والصدقة ، والعطف على الفقراء والمساكين . فهذه آيات الربا في البقرة مسبوقة بأربع عشرة آية كلها ترغب في الصدقات ، وتحض على
(1) سورة البقرة الآية 278
(2) سورة البقرة الآية 279
(3) ج 20 ، ص 349 .
الإنفاق في سبيل الله .
على أن هناك حكمة تختص بجريان الربا في النقدين ، أشار إليها ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين حيث يقول (1) : ( فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات . والثمن هو المعيار الذي به يعرف تقويم الأموال ، فيجب أن يكون محدودا مضبوطا لا يرتفع ولا ينخفض ، إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع ، لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات ، بل الجميع سلع ، وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة ، وذلك لا يمكن إلا بسعر تعرف به القيمة ، وذلك لا يكون إلا بثمن تقوم به الأشياء ويستمر على حالة واحدة ، ولا يقوم هو بغيره . إذ يصير سلعة يرتفع وينخفض ، فتفسد معاملات الناس ويقع الخلاف ، ويشتد الضرر ، كما رأيت من فساد معاملاتهم ، والضرر اللاحق بهم حين اتخذت الفلوس سلعة تعد للربح ، فعم الضرر وحصل الظلم . ولو جعلت ثمنا واحدا لا يزداد ولا ينقص ، بل تقوم به الأشياء ولا تقوم هي بغيرها لصلح أمر الناس- إلى أن قال- فالأثمان لا تقصد لأعيانها ، بل يقصد التوصل بها إلى السلع ، فإذا صارت في أنفسها سلعا تقصد لأعيانها فسد أمر الناس . وهدا معنى معقول يختص بالنقود لا يتعدى إلى سائر الموزونات ) ا هـ .
وذكر الغزالي في كتابه: (إحياء علوم الدين) ، ونقلها عنه صاحب تفسير المنار في معرض تفسير آيات الربا ، ولتمام الفائدة نستحسن نقل قول الغزالي فيها قال رحمه الله: ( من نعم الله تعالى
(1) ج 2، ص 137، 138 من الإعلام.
خلق الدراهم والدنانير ، وبهما قوام الدنيا ، وهما حجران لا منفعة في أعيانهما ، ولكن يضطر الخلق إليها ، من حيث إن كل إنسان محتاج إلى أعيان كثيرة في مطعمه وملبسه وسائر حاجاته ، وقد يعجز عما يحتاج إليه ويملك ما يستغني عنه ، كمن يملك الزعفران مثلا ، وهو محتاج إلى جمل يركبه ، ومن يملك الجمل ربما يستغني عنه ويحتاج إلى الزعفران ، فلا بد بينهما من معاوضة ، ولا بد في مقدار العوض من تقدير ، إذ لا يبذل صاحب الجمل جمله بكل مقدار من الزعفران ، ولا مناسبة بين الزعفران والجمل حتى يقال يعطي منه مثله في الوزن أو الصورة . وكذلك من يشتري دارا بثياب ، أو عبدا بخف أو دقيقا بحمار ، فهذه الأشياء لا تناسب فيها . فلا يدري أن الجمل كم يساوي بالزعفران ، فتتعذر المعاملات جدا ، فافتقرت هذه الأعيان المتنافرة المتباعدة إلى متوسط بينها ، يحكم فيها بحكم عدل ، فيعرف من كل واحد رتبته ومنزلته ، حتى إذا تقررت المنازل ، وترتبت الرتب ، علم بذلك المساوي من غير المساوي .
فخلق الله تعالى الدنانير والدراهم حاكمين ومتوسطين بين سائر الأموال ، حتى تقدر الأموال بهما ، فيقال هذا الجمل يساوي مائة دينار ، وهذا القدر من الزعفران يساوي مائة . فهما من حيث إنهما متساويان بشيء واحد إذن متساويان . وإنما أمكن التعديل بالنقدين إذ لا غرض لأعيانهما . ولو كان في أعيانهما غرض ربما اقتضى خصوص ذلك الغرض في حق صاحب الغرض ترجيحا ، ولم يقتض ذلك في حق من لا غرض له ، فلا ينتظم الأمر . فإذن خلقهما الله تعالى لتتداولهما الأيدي ، ويكونا حاكمين بين الأموال بالعدل ، ولحكمة أخرى وهي: التوصل بهما إلى سائر الأشياء ، لأنهما عزيزان في أنفسهما ، ولا غرض في أعيانهما . ونسبتهما إلى سائر الأموال نسبة واحدة ، فمن ملكهما فكأنه ملك كل شيء . لا كمن ملك ثوبا فإنه لم يملك إلا الثوب ، فلو احتاج إلى طعام ربما لم يرغب صاحب الطعام في الثوب ، لأن غرضه في دابة مثلا . فاحتيج إلى شيء هو في صورته كأنه ليس بشيء ، وهو في معناه كأنه كل الأشياء . والشيء إنما تستوي نسبته إلى المختلفات إذا لم تكن له صورة خاصة تفيدها بخصوصها ، كالمرآة ، لا لون لها وتحكي كل لون ، فكذلك النقد لا غرض فيه وهو وسيلة إلى كل غرض ، وكالحرف لا معنى له في نفسه وتظهر به المعاني في غيره ، فهذه هي الحكمة الثانية .
وفيهما أيضا حكم يطول ذكرها ، فكل من عمل فيهما عملا لا يليق بالحكم ، بل يخالف الغرض المقصود بالحكم فقد كفر نعمة الله تعالى فيهما . فإن من كنزهما فقد ظلمهما وأبطل الحكمة فيهما ، وكان كمن حبس حاكم المسلمين في سجن يمتنع عليه الحكم بسببه ، لأنه إذا كنز فقد ضيع الحكم . ولا يحصل الغرض المقصود به ، وما خلقت الدراهم والدنانير لزيد خاصة ، إذ لا غرض للآحاد في أعيانهما ، فإنهما حجران ، وإنما خلقا لتتداولهما الأيدي ، فيكونا حاكمين بين الناس- إلى أن قال-: وكل من عامل معاملة الربا على الدراهم والدنانير فقد كفر النعمة وظلم ، لأنهما خلقا لغيرهما لا لأنفسهما ، إذ لا غرض في عينيهما ، فإذا اتجر في عينيهما فقد اتخذهما مقصودا على خلاف وضع الحكمة ، إذ طلب النقد لغير ما وضع له ظلم ) (1) اهـ .