ولنا قول الله تعالى: { وَحَرَّمَ الرِّبَا } (1) وقوله: { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ } (2) ، وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا } (3) ، وعموم الأخبار يقتضي تحريم التفاضل . وقوله « من زاد أو ازداد فقد أربى » (4) عام . وكذلك سائر الأحاديث . ولأن ما كان محرما في دار الإسلام كان محرما في دار الحرب ، كالربا بين المسلمين ، وخبرهم مرسل لا نعرف صحته ، ويحتمل أنه أراد النهي عن ذلك ، ولا يجوز ترك ما ورد بتحريمه القرآن ، وتظاهرت به السنة ، وانعقد الإجماع على تحريمه بخبر مجهول ، لم يرد في صحيح ، ولا مسند ، ولا كتاب موثوق به ، وهو مع ذلك مرسل محتمل . ويحتمل أن المراد بقوله: لا ربا النهي عن الربا ، كقوله: { فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ } (5) ، وما ذكروه من الإباحة منتقض بالحربي إذا دخل دار الإسلام ، فإن ماله مباح إلا فيما حظره الأمان ، ويمكن حمله بين المسلمين على هبة التفاضل ، وهو محرم بالإجماع فكذا هاهنا (6) .
ز - أموال أهل الحرب:
من صاحب الإمضاء مدير جريدة الوفاق ببيتبزرغ - جاوا: محمد بن
(1) سورة البقرة الآية 275
(2) سورة البقرة الآية 275
(3) سورة البقرة الآية 278
(4) صحيح مسلم المساقاة (1587) ,سنن الترمذي البيوع (1240) ,سنن النسائي البيوع (4563) ,سنن أبو داود البيوع (3349) ,مسند أحمد بن حنبل (5/314) ,سنن الدارمي البيوع (2579) .
(5) سورة البقرة الآية 197
(6) المغني 4 \ 39 .
محمد سعيد الفتة . بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله وحده .
ما قول السيد البار بالمسلمين ، والرشيد الحريص على أحكام رب العالمين ، في فتوى بعض العلماء: بحل أموال أهل الحرب فيما عدا السرقة والخيانة ونحوها مما كان برضاهم وعقودهم ، فهو حل لنا مهما يكن أصله حتى الربا الصريح ؟ !
أليست هذه الفتوى وأمثالها الضربة القاضية على جميع ما حرمه الله ، والتعدي على الحدود التي لم يستثن منها اضطرارا ولا عذرا لفاعل ؟ الشرك والكفر بغير إكراه ، والقتل عمدا ، وفي القصاص ( كذا ) والسرقة والربا ونحو ذلك ، لا كالخمر والميتة والدم ونحوها للمضطر ، وتأجيل بعض العبادات لعذر ؛ كما بينه الشارع مع بقاء الحرمة والحكم والقضاء والكفارة إلا في الخطأ والنسيان ، عدا ما استثناه منهما ؛ كما هو الحق المنصوص به في كتاب الله المؤيد بالتواتر والحق المهيمن بالإجماع والتواطؤ ! ! أفتونا بما أمر الله به أن يوصل ؟
ج - أصل الشريعة الإسلامية أن أموال أهل الحرب مباحة لمن غلب عليها وإحرازه بأي صفة كان الإحراز ، إلا أن الفقهاء خصصوا هذا العموم بما ورد في الشريعة من التشديد في تحريم الخيانة ، فقالوا: إن المسلم لا يكون خائنا في حال من الأحوال ، فإذا ائتمنه أي إنسان وإن كان حربيا على مال وجب عليه حفظ الأمانة وحرمت عليه الخيانة ، فإذا كان الأصل في مال الحربي أنه غنيمة لمن غنمه بالقهر أو بالحيلة أو بكل وسيلة ما عدا الخيانة أفلا يكون حله أولى إذا أخذه المسلم برضاه ، ولو بصورة العقود الباطلة في دار الإسلام بين المسلمين والخاضعين لحكمهم من غيرهم ؟
إنه لم يظهر لي أدنى وجه لقياس حل سائر المحرمات كالكفر والخمر والميتة ، وهي من المحرمات لذاتها في دار الإسلام ودار الحرب على مال الحربيين المباح في أصل الشريعة ؛ إذ الأصل في القياس أن يلحق الشيء بمثله في علة الحكم لا بضده .
هذا وإن الربا الذي حرمه الله تعالى في دار الإسلام ، وكذا في دار الحرب بين المسلمين إن وجدوا فيها ، هو نوع من أنواع أكل المال المحترم بالباطل ، وأخذ المال من صاحبه برضاه واختياره ليس من أكله بالباطل ، والمضطر إلى أخذ المال بالربا لا يعطي الزيادة برضاه واختياره ، والشرع لم يجعل له حقا بأخذها فكانت حراما ؛ لأنها من قبيل الغصب على كونها بدون مقابل ، ولذلك عللت في نص القرآن بأنها ظلم ؛ إذ قال تعالى: { وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ } (1) ، وظلم الحربي غير محرم ؛ لأنه جزاء على ظلمه ، فإنه لا يكون إلا أشد ظلما من المسلم ؛ لأنه يخون والمسلم لا يخون ، ولأن المسلم يمنعه دينه من أعمال في الحرب ، ومع أهل الحرب لا يمنع الكافر دينه منها ؛ كقتل غير المقاتلين والتمثيل بالقتلى وغير ذلك مما هو معروف في الإسلام ، ونرى غير المسلمين يرتكبونه ، حتى في البلاد التي جعلوها تحت حكمهم لا المحاربة لهم فقط ،
(1) سورة البقرة الآية 279
والمسلمون يساوون غيرهم ممن يدخل تحت حكمهم بأنفسهم .
على أن المسلم في دار الإسلام يجوز له أن يقضي دائنه دينه بأفضل مما أخذ منه إذا كان بمحض اختياره ، وقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم من كان اقترض منه بعيرا بسن فوق سن بعيره ؛ كما في الصحيحين . ولو كان ذلك مشروطا لكان ربا . قال أبو هريرة كما في البخاري: « إن رجلا تقاضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأغلظ له ، فهم به أصحابه ، فقال: دعوه ، فإن لصاحب الحق مقالا ، واشتروا له بعيرا فأعطوه إياه فقالوا: لا نجد إلا أفضل من سنه ، فقال: اشتروه فأعطوه إياه فإن خيركم أحسنكم قضاء » (1) . وما رواه الحارث عن علي: « كل قرض جر منفعة فهو ربا » فسنده ضعيف ، بل قالوا: إنه ساقط ، فإن راويه سوار بن مصعب متروك يروي المنكر ، بل اتهم برواية الموضوعات .
لولا كتاب خاص شرح لنا فيه صديقنا السائل سبب سؤاله لما فهمنا قوله فيه: إن تلك الفتوى ضربة قاضية على جميع ما حرمه الله تعالى . فقد كتب إلينا: إن بعض المستمسكين بحبل الدين في جاوه قد استنكروا الفتوى المسئول عنها ؛ لأنهم فهموا منها أن استحلال الربا في دار الحرب يفضي إلى استحلال سائر المعاصي ؛ كالزنا واللواط والقتل وغير ذلك فيها أو مطلقا . وهذا سوء فهم منهم ، فإن الفتوى ليست في استحلال الربا مطلقا ؛ كما تقدم . ولا يخفى على أحد منهم أن حرمة سفك الدم بغير حق أشد من حرمة أخذ المال بغير حق ، فهل يقيسون إذا إباحة قتل المحارب على
(1) صحيح البخاري في الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس (2260) ,صحيح مسلم المساقاة (1601) ,سنن الترمذي البيوع (1316) ,سنن النسائي البيوع (4618) ,سنن ابن ماجه الأحكام (2423) ,مسند أحمد بن حنبل (2/456) .
إباحة قتل المسالم من مسلم وذمي ومعاهد ؟ ولدار الحرب أحكام أخرى تخالف أحكام دار الإسلام منها عدم إقامة الحدود فيها .
ونقول لهم من جهة أخرى: إذا أقام المسلم في غير دار الإسلام فهل يدعون أن الله تعالى يأمره بأن يدفع لأهلها كل ما يوجبه عليه قانون حكومتها من مال الربا وغيره - ولا مندوحة له عن ذلك - ويحرم عليه أن يأخذ منهم ما يعطونه إياه بحكم ذلك القانون من ربا وغيره برضاهم واختيارهم ؟ أعني هل يعتقدون أن الله تعالى يوجب على المسلم أن يكون عليه الغرم من حيث يكون لغيره الغنم ، أي يوجب عليه أن يكون مظلوما مغبونا ؟