من رباه بعد إسلامه ؛ إما من قبل بدر وإما من قبل فتح خيبر إلى أن ذهبت الجاهلية بفتح مكة ، وإنما وضع منه ما كان قائما بما لم يقبض دل ذلك على إجازته إذا حكم له بحكم ما كان من الربا قبل تحريمه ، وبحكم الربا بين أهل الذمة والحربيين إذا أسلموا ، وبحديث الحجاج بن علاط الذي دل على أن العباس كان مسلما حين فتح خيبر ، هو ما روى أنس بن مالك أنه قال للنبي عليه الصلاة السلام حين فتح خيبر: إن لي بمكة أهلا ، وقد أردت أن آتيهم فإن أذنت لي أن أقول فعلت ، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ، فأتى مكة وأشاع بها أن أصحاب محمد قد استبيحوا وأني جئت لأخذ مالي فأبتاع من غنائمهم ، ففرح بذلك المشركون ، واختفى من كان بها من المسلمين ، فأرسل العباس بن عبد المطلب غلامه إلى الحجاج يقول له: ويحك ما جئت به فما وعد الله به رسوله خير مما جئت به ، فقال له: اقرأ على أبي الفضل السلام وقل له: ليخل لي بيتا فإن الخبر على ما يسر ، فلما أتاه الغلام بذلك قام إليه فقبل ما بين عينيه ، ثم أتاه الحجاج بن علاط فخلى به في بعض بيوته ، وأخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فتحت عليه خيبر وجرت فيها سهام المسلمين ، واصطفى رسول الله منها صفية لنفسه ، وأن رسول الله أباح له أن يقول ما شاء فيستخرج ماله ، وسأله أن يكتم ذلك عليه ثلاثا حتى يخرج ففعل ، فلما أخبر بذلك بعد خروجه فرح المسلمون ، ورجع ما كان بهم من المقت على المشركين ، والحمد لله رب العالمين . نقلت الحديث بالمعنى واختصرت منه الحديث لطوله ، وبالله التوفيق .
واحتج الطحاوي لإجازة الربا مع أهل الحرب في دار الحرب بحديث النبي عليه الصلاة والسلام: « أيما دار قسمت في الجاهلية فهو على قسم الجاهلية » (1) الحديث . وإنما اختلف أهل العلم فيمن أسلم ، وله ثمن خمر أو خنزير لم يقبضه ، فقال أشهب والمخزومي: ( هو له حلال بمنزلة ما لو كان قبضه ) ، وقال ابن دينار وابن أبي حازم: ( يسقط الثمن عن الذي هو عليه كالربا ) ، وأكثر قول أصحابنا على قول أشهب والمخزومي (2) .
هـ - قال النووي: ( فرع الربا يجري في دار الحرب جريانه في دار الإسلام ) . وبه قال مالك ، وأحمد ، وأبو يوسف ، ومحمد بن الحسن ، وعن أبي حنيفة: أن الربا في دار الحرب إنما يجري بين المسلمين المهاجرين ، فأما بين الحربيين وبين مسلمين لم يهاجرا أو أحدهما فلا ربا ، وقال: ( إن الذميين إذا تعاقدا عقد الربا في دار الإسلام فسخ عليهما ) . فالاعتبار عنده بالدار ، وعندهما الاعتبار بالعاقد ، فإذا أربى الذي في بلاد الإسلام من الذمي لم يفسخ ، كذا قال القفال في شرح التلخيص قال: ( وهكذا سائر البياعات الفاسدة ) . والله أعلم .
واحتج أبو حنيفة رضي الله عنه بحديث مكحول أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « لا ربا بين مسلم وحربي في دار الحرب » ، وبأن أموال أهل الحرب مباحة للمسلم بغير عقد ، فالعقد أولى ، ودليلنا عموم الأدلة المحرمة للربا ؛ لأن كل ما كان حراما في دار الإسلام كان حراما في دار الشرك ، كسائر الفواحش
(1) موطأ مالك الأقضية (1465) .
(2) المدونة الكبرى - للإمام مالك ، ومعها كتاب المقدمات لابن رشد - الطبعة الأولى سنة 1324هـ بالمطبعة الخيرية ج 3 حاشية ص ( 23 - 39 ) .
والمعاصي ، ولأنه عقد فاسد يستباح به المعقود عليه كالنكاح .
قلت: وهذا الاستدلال إن كان أبو حنيفة يوافق على فساده في دار الحرب فلا دليل عنده ، وأما حديث مكحول فمرسل إن صح الإسناد إلى مكحول ، ثم هو محتمل لأن يكون نهيا فيكون المقصود به تحريم الربا بين المسلم والحربي ؛ كما بين المسلمين ، واعتضد هذا الاحتمال بالعمومات ، وأما استباحة أموآله م إذا دخل إليهم بأمان فممنوعة ، فكذا بعقد فاسد ، ولو فرض ارتفاع الأمان لم يصح الاستدلال ؛ لأن الحربي إذا دخل دار الإسلام يستباح ماله بغير عقد ، ولا يستباح بعقد فاسد ، ثم ليس كل ما استبيح بغير عقد استبيح بعقد فاسد ، كالفروج تستباح بالسبي ولا تستباح بالعقد الفاسد .
ومما استدلوا به على أنه لا ربا في دار الحرب أن العباس بن عبد المطلب كان مسلما قبل فتح مكة ، فإن الحجاج بن علاط لما قدم مكة عند فتح خيبر واجتمع به في القصة الطويلة المشهورة دل كلام العباس على أنه مسلم حينئذ ، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الفتح: « وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب » (1) ، فدخل في ذلك الربا الذي من بعد إسلامه إلى فتح مكة ، فلو كان الربا الذي بين المسلم والحربي موضوعا لكان ربا العباس موضوعا يوم أسلم .
والجواب: أن العباس كان له ربا في الجاهلية من قبل إسلامه فيكفي حمل اللفظ عليه ، وليس ثم دليل على أنه بعد إسلامه استمر على الربا ، ولو
(1) مسند أحمد بن حنبل (5/73) ,سنن الدارمي البيوع (2534) .
سلم استمراره عليه لم يكن فيه حجة ؛ لأنه قد لا يكون عالما بتحريمه ، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم إنشاء هذه القاعدة وتقريرها من يومئذ (1) .
وسئل هل يجوز للمسلم أخذ الربا من الحربي ويقرر عليه في المعاملات وبالتطفيف وغيره ، وما المراد من الحربي وما علامته ؟ ( فأجاب ) بأن الذي صرح به أئمتنا أن العقد مع الحربي بالاختيار كهو مع المسلم ، فلا بد من حل ما أخذه المسلم منه بعقد أن توجد جميع شروط البيع فيه ، وإلا لم يحل له أكله ولا التصرف فيه فعلم أنه لا يجوز أخذ الربا منه ولا التطفيف في كيل أو وزن ، ومن فعل ذلك عزر عليه التعزير الشديد ، والمراد بالحربي: الكافر الذي ليس له أمان بنحو عقد جزية أو تأمين مسلم بشروطها المعروفة في كتب الفقه (2) .
و - ( فصل ) ويحرم الربا في دار الحرب ، كتحريمه في دار الإسلام .
وبه قال مالك ، والأوزاعي ، وأبو يوسف ، والشافعي ، وإسحاق ، وقال أبو حنيفة: ( لا يجري الربا بين مسلم وحربي في دار الحرب ) . وعنه في مسلمين أسلما في دار الحرب: ( لا ربا بينهما ) ؛ لما روى مكحول عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « لا ربا بين المسلمين وأهل الحرب في دار الحرب » ، ولأن أموآله م مباحة ، وإنما حظرها الأمان في دار الإسلام ، فما لم يكن كذلك كان مباحا .
(1) المجموع شرح المهذب 10 \ 438 .
(2) الفتاوى الكبرى الفقهية 2 \ 238 .