فهرس الكتاب

الصفحة 754 من 1226

هذا النوع من الشركات اختلف فيه العلماء المعاصرون اختلافًا كبيرًا، وقبل أن نبدأ في ذكر الأقوال في هذا النوع من الشركات يحسن بنا أن نحرر محل النزاع في هذه المسألة: أن المساهمة في الشركات التي يغلب عليها المتاجرة بالأنشطة المحرمة، محرمة ولا تجوز لما فيها من الإعانة على الإثم والعدوان.

وأن من يباشر إجراء العقود المحرمة بالشركة- كأعضاء مجلس الإدارة الراضين بذلك- أن عملهم محرم، قلّت نسبة الحرام في الشركة أم كثرت.

وأن الاشتراك في تأسيس شركات يكون من خطة عملها أن تتعامل في جملة معاملاتها بالعقود المحرمة، أو كان منصوصًا في نظامها على جواز ذلك، فإن هذا الاشتراك محرم.

وأن المساهم لا يجوز له بأي حال من الأحوال أن يدخل في ماله كسب الجزء المحرم من السهم ، بل يجب عليه إخراجه والتخلص منه، حتى على القول بجواز مساهمته.

واختلفوا في حكم المساهمة في الشركات المشروعة من حيث الأصل لكنها تتعامل في بعض معاملاتها بالأنشطة المحرمة أو تقترض أو تودع بالفوائد على قولين:

القول الأول: الجواز

وممن ذهب إلى هذا القول: الهيئة الشرعية لشركة الراجحي، والهيئة الشرعية للبنك الإسلامي الأردني ، والمستشار الشرعي لدلة البركة ، وندوة البركة السادسة، وعدد من العلماء المعاصرين منهم الشيخ عبد الله بن منيع حفظه الله.

وقد اشترط أصحاب هذا القول شروطًا ؛ إذا توفرت جاز تداول أسهم هذا النوع من الشركات، وإذا تخلف منها شرط لم يجز، و منها:

ما جاء في قرار الهيئة الشرعية لشركة الراجحي المصرفية رقم (485)

يجب أن يراعى في الاستثمار والمتاجرة في أسهم هذا النوع من الشركات المساهمة الضوابط التالية:

إن جواز التعامل بأسهم تلك الشركات مقيد بالحاجة، فإذا وجدت شركات مساهمة تلتزم اجتناب التعامل بالربا وتسد الحاجة فيجب الاكتفاء بها عن غيرها ممن لا يلتزم بذلك.

ألا يتجاوز إجمالي المبلغ المقترض بالربا- سواء أكان قرضًا طويل الأجل أم قرضًا قصير الأجل- (25%) من إجمالي موجودات الشركة، علمًا أن الاقتراض بالربا حرام مهما كان مبلغه.

ألا يتجاوز مقدار الإيراد الناتج من عنصر محرم (5%) من إجمالي إيراد الشركة، سواء أكان هذا الإيراد ناتجًا عن الاستثمار بفائدة ربوية أم عن ممارسة نشاط محرم أم عن تملك المحرم أم عن غير ذلك .

وإذا لم يتم الإفصاح عن بعض الإيرادات فيجتهد في معرفتها، ويراعي في ذلك جانب الاحتياط.

ألا يتجاوز إجمالي حجم العنصر المحرم- استثمارًا كان أو تملكًا لمحرم- نسبة (15%) من إجمالي موجودات الشركة.

والهيئة توضح أن ما ورد من تحديد للنسب في هذا القرار مبني على الاجتهاد، وهو قابل لإعادة النظر حسب الاقتضاء

وذهبت الهيئة الشرعية لدلة البركة إلى التفريق بين الأنشطة المحرمة التي تزاولها الشركة:

فإن كان أصل نشاطها مباحًا، ولكنها تتعامل بجزء من رأس مالها مثلًا بتجارة الخمور، أو إدارة صالات القمار، ونحوها من الأنشطة المحرمة، فلا يجوز تملك أسهمها ولا تداولها ببيع أو شراء.

أما إن كانت تودع أموالها في البنوك الربوية، وتأخذ على ذلك فوائد، أو أنها تقترض من البنوك الربوية، مهما كان الدافع للاقتراض، فإنه في هذه الحالة يجوز تملك أسهمها بشرط احتساب النسبة الربوية وصرفها في أوجه الخير.

واستدل أصحاب هذا القول بقواعد فقهية عامة ، منها:

-1 قاعدة: الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة". وقالوا: إن حاجة الناس تدعو للمساهمة بهذه الشركات."

-2 قاعدة: يجوز تبعًا ما لا يجوز استقلالًا". وقالوا: إن الربا في هذه الشركات تابعٌ غير مقصود فيعفى عنه."

-3 قاعدة: اختلاط الجزء المحرم بالكثير المباح لا يصير المجموع حرامًا"."

فقالوا: إن الربا في هذه الشركات يسير جدًّا فيكون مغمورًا في المال المباح الكثير.

القول الثاني:

يرى جمهور العلماء المعاصرين، وعدد من الهيئات الشرعية تحريم المساهمة في الشركات التي يكون أصل نشاطها مباحًا، إذا كانت تتعامل ببعض المعاملات المحرمة كالإقراض والاقتراض بفائدة، فيحرم الاكتتاب بها، وبيعها وشراؤها وامتلاكها.

وممن ذهب إلى هذا القول: اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة، وعلى رأسها سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، رحمه الله، والهيئة الشرعية لبيت التمويل الكويتي، والهيئة الشرعية لبنك دبي الإسلامي، وهيئة الرقابة الشرعية للبنك الإسلامي السوداني، وعدد من الفقهاء المعاصرين.

وأصدر مجمعان فقهيان مشهوران قرارين يقضيان بتحريم هذا النوع من الشركات، وهذان المجمعان يحويان ثلة من علماء العصر المعتبرين، فأما المجمع الأول فهو:

المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة، ونص قراره هو: ( الأصل حرمة الإسهام في شركات تتعامل أحيانًا بالمحرمات، كالربا ونحوه، بالرغم من أن أنشطتها الأساسية مشروعة ) .

وأما المجمع الثاني فهو: المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة، ونص قراره هو: ( لا يجوز لمسلم شراء أسهم الشركات والمصارف إذا كان في بعض معاملاتها ربا،وكان المشتري عالمًا بذلك

واستدل أصحاب هذا القول:

1-أدلة تحريم الربا في الكتاب والسنة ، وقالوا: إن هذه الأدلة لم تفرق بين قليل أو كثير، وبين تابع أو مقصود .

-2قول الله تعالى: (( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) ) (المائدة: 2) .

وعن جابر، رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم: (( لَعَنَ آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ ) ). رواه مسلم (1598) .

ووجه الدلالة من هذين النصين: أن الذي يساهم في الشركات التي تتعامل بالمحرمات معين لها على الإثم، فيشمله النهي.

3-قوله عليه الصلاة والسلام: (( دِرْهَمُ رِبًا يَأْكُلُهُ الرَّجُلُ، وَهُوَ يَعْلَمُ، أَشَدُّ مِن سِتٍّ وثَلاثِين زَنْيةً ) ). أخرجه أحمد (21957) ، والدارقطني 3/16، والطبراني في الأوسط (2628) .

ووجه الدلالة منه: أن النبي، صلى الله عليه وسلم ، عد أكل درهم واحد من الموبقات، ورتب عليه هذا الوعيد الشديد، فكيف بمن يضع المئين والآلاف من أمواله في المصارف الربوية؟ وإخراج قدر الحرام تخمين، فمن غير المستبعد أن يدخل ماله شيء من الحرام.

بقي أن يقال:

إن أصحاب القول الأول اشترطوا في جواز المشاركة بمثل هذه الشركات: أن يتخلص المساهم من الكسب المحرم.

ومما يؤكد أن هذا الاشتراط افتراضي وليس واقعيًّا، أنه يستحيل تحديد مقدار الكسب المحرم من عوائد السهم.

ونحن هنا في مقام لا يحتمل الظن والتخمين، بل لا بد من القطع واليقين.

وإيجاب البعض- عند الجهل بالحرام- إخراج نصف ربح السهم أو ثلثه فهم قالوا به من باب الاحتياط، وهو نافع في حالة وجود أرباح حقيقية للشركة من النشاط المباح، وهو أيضًا غير شاق من الناحية العملية، إلا أنه غير عملي ولا يفي بالغرض في صورتين:

الأولى: عندما لا تحقق الشركة أرباحًا تذكر من مبيعاتها في بعض السنوات، فتبقى معتمدة في توزيعات الأرباح على فوائد الودائع، والسندات البنكية والأوراق قصيرة الأجل ذات الدخل الثابت.

الثانية: كما أن بعض الشركات تقوم بتوزيع الأرباح قبل البدء بتشغيل منشآتها وهذه الأرباح تحصلت عليها من إيداع رأس المال في البنوك.

وعليه: إذا كان الأمر محتملًا فلا يكفي التقدير في هذه الحالة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت