وحيث أنَّني شرعت في المقصد فإنِّ من الأولويات الهامة للعمل في حقل الدعوة الإسلامية ؛ الفهم الناضج لدى طلَّبة العلم، ومتعلمي الشريعة بالذات، ليخرجوا لنا بمحصِّلات مدروسة، ونتائج محروسة في فقه البديل الإسلامي المواكب لروح هذا العصر ومتطلباته ، وكيفية إنقاذ هذه الأمَّة المنكوبة من الأزمات التي تحلُّ بها سواء أكانت تعليمية أو تربوية أو اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية أو عسكرية وغيرها من ألوان المشاكل، وأشكال المحن.
والعالم الحق هو من وصفه الإمام أبو العباس ابن تيمية ـ رحمه الله ـ بأنَّه ( الذي يعرف الحق، ويرحم الخلق) وأنَّه (كلَّما اتسعت معرفته بالشريعة وروحها ، كان أرحم بالعباد وأعظم الناس تيسيرًا عليهم ورفقًا بهم) .
وحين يتأمل الإنسان الهدي الربَّاني في القرآن الكريم يجد أنّه ـ سبحانه وتعالى ـ ما حرَّم على عباده شيئًا إلَّا وأبدلهم عوضًا عنه ما هو خير منه ، بل وصل ذلك إلى الألفاظ فإنَّه تعالى قال ( يا أيُّها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم) البقرة (104) فقد نهاهم ـ تعالى ـ عن ذلك لأنَّ فيه شبهًا بيهود حين كانوا يقولون ذلك لمحمد ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ ويقصدون بذلك السخرية به ـ عليه الصلاة والسلام ـ فنهى الله صحابة رسوله أن يقولوا هذه الكلمة لمحمد ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ وأبدلهم بأن يقولوا له (انظرنا) .
كذلك من تدبر سيرة المصطفى ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ يجد ذلك واضحًا في منهجيته في التربية والتعليم، فإنَّه كان إذا حرَّم شيئًا أتى بالبديل المشروع مقابل ذلك الأمر المُحَرَّم لأنَّه يعلم أنَّ النفوس ضعيفة ، ومجبولة على حبِّ العوض والبديل ، وخذ أمثلة على ذلك/
فعن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال: جاء بلال إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ بتمر برني، فقال له: النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ من أين هذا ؟ قال بلال: كان عندنا تمر رديء ، فبعت منه صاعين بصاع لنُطعم النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ فقال ـ عليه السلام ـ أوَّه أوَّه عين الربا عين الربا لاتفعل ، ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر ثمَّ اشتره) رواه البخاري (2201) ومسلم (1593)
أتأملت أيها المبارك كيف أنَّه ـ عليه الصلاة والسلام ـ حين حرَّم فعل بلال ـ رضي الله عنه ـ نقله نقلة توعوية بديلة ومشروعة قبالة ذلك الأمر المحرم، وتلك صفة العالم الرباني ، والبصير بالواقع الذي حوله ولهذا قال الإمام ابن القيِّم في ذلك: (من فقه المفتي ونصحه إذا سأله المستفتي عن شيء فمنعه منه،وكانت حاجته تدعوه إليه ،أن يدلَّه على ما هو عوض له منه،فيسد عليه باب المحظور، ويفتح له باب المباح ، وهذا لا يتأتى إلَّا من عالم ناصح مشفق قد تاجر الله وعامله بعلمه ، فمثاله في العلماء مثال الطبيب النَّاصح في الأطباء يحمي العليل عمَّا يضره ، ويصف له ما ينفعه ، فهذا شأن أطباء الأديان والأبدان ، وفي الصحيح عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنّهَ قال:(ما بعث الله من نبي إلأَّ كان حقًَّا عليه أن يدلَّ أمَّته على خير ما يعلمه لهم ، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم ) وهذا شأن خلق الرسل وورثتهم من بعدهم ، ورأيت شيخنا ـ قدَّس الله روحه ـ يتحرَّى ذلك في فتاويه مهما أمكنه ، ومن تأمَّل فتاويه وجد ذلك ظاهرًا فيها ) أعلام الموقعين (4/121ـ 122) و سأنقل كلامًا للشيخ ابن تيمية في ذات الموضوع الذي مدحه به تلميذه ابن القيِّم حيث قال ابن تيمية: (إذا أراد تعريف الطريق الَّتي يُنَالُ بها الحلال ، والاحتيال للتخلص من المأثم بطريق مشروع يقصد به ما شرع له ، فهذا هو الذي كانوا يفتون به ـ أي السَّلف الصالح ـ، وهو من الدعاء إلى الخير، والدَّلالة عليه ، كما قال ـ صلَّى الَّله عليه وسلَّم ـ بع الجمع بالدراهم، ثمَّ ابتع بالدراهم جنيبًا) وكما قال عبد الرحمن بن عوف لعمر الخطَّاب: ( إنَّ أوراقنا تُزيَّفُ علينا أفنزيد عليها ونأخذ ما هو أجود منها؟ قال: لا ولكن ائت النقيع فاشتر بها سلعة ، ثمَّ بعها بما شئت) بيان الدليل على بطلان التحليل / صـ133.
ومن الأمثلة على ذلك من هدي المصطفى ـ عليه الصَّلاة والسلام ـ في أنَّه إذا منع شيئًا فتح لمن منعه بابًا آخر من الأمر المشروع، والبديل المنضبط بمعيار الشَّريعة، ما رواه أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: قدم النبي ـ صلى الله عليه وسلَّم ـ ولأهل المدينة يومان يلعبون فيهما في الجاهلية ، فقال: (قدمت عليكم ولكم يومان تلعبون فيهما في الجاهلية ، وقد أبدلكم الله بهما خيرًا منهما: يوم النحر، ويوم الفطر) أخرجه أحمد في المسند (3/103ـ178ـ235) وأبو داود (1134) والنَّسائي (3/179) بسندٍ صحيح. (واليومان الَّذين يلعبون فيهما أهل الجاهلية هما / يوم النيروز ويوم المهرجان . وللمزيد انظر/ عون المعبود(3/485) للعظيم آبادي)
أرأيت ـ أخي القارئ ـ إلى هديه ـ عليه الصلاة والسَّلام ـ في ذلك، حيث أنَّه لا يرضى بوقوع المنكر، ولا أن يؤلف ، ولكنَّه ـ عليه الصلاة و السَّلام ـ يبيِّن خطر الشيء المحرَّم، ومن ثمَّ يبين البديل الشرعي عن ما حرَّمه الله ، ومن هنا فطن علماء الإسلام لتوضيح هذه القضيَّة في مدوناتهم ، ورسائلهم ومنهم شيخ الإسلام / ابن تيمية ـ طيَّب الله ثراه ـ فقد بيَّن بأنَّ المبتلى بالمنكر أو البدعة فإنَّه يتوجب على ناصحه أن يدعوه للإقلاع عن هذا الأمر المحرَّم ولو كان في ظاهره الخير، ومثَّل لذلك ابن تيمية، بالبدعة فقال: (إذا كانت في البدعة من الخير فعوِّض عنه من الخير المشروع بحسب الإمكان، إذ النفوس لا تترك شيئًا إلَّا بشيء...فالنفوس خلقت لتعمل لا لتترك، وإنَّما الترك مقصود لغيره) اقتضاء الصراط المستقيم (2/125)
ومن هذا المنطلق فإنَّ البحث المضني من العالم أو المربي أو المفكر لما يخدم به أمَّة الإسلام من برامج جذَّابة تكون بديلًا عن ما هو متاح ويستطاع الوصول إليه بأسرع الوسائل، وأدنى السبل ؛ من الضرورة بمكان وخاصَّة في هذا العصر الراهن فأمتنا تحتاج لبدائل كثيرة في عدَّة مضمارات ، وتحتاج للبدائل المفيدة عن القنوات الفاسدة التي تنشر الغثَّ بلا سمين ، وتلهي النَّاس عن دين ربِّ العالمين ، وإيقاعهم بفتن الشبهات أو الشهوات ، وما البرامج الأخيرة التي نشرت في هذه القنوات الفضائحية كسوبر ستار، وستاركلوب ، وستار أكاديمي ، وتحدي الخوف، وغيرها إلَّا شاهدًا قويَّا على أنَّ أهل العلمنة والكفر والفجور يريدون إلهاء الأمة وشبابها عن قضاياها الكبرى ، وشؤونها المصيرية ، بل كانت تعرض بعض هذه البرامج العاهرة في الوقت الذي تضرب فيه بلاد الرافدين (العراق) بالصواريخ ، وتقصف بالطائرات ، وتجتاح بالدبَّابات والمجنزرات ، وكذلك في فلسطين المباركة في أزمة الحصار المشدد على مدنها وقراها ، وعمليات الاغتيال الصهيوني لقادة الجهاد والصمود ، في الوقت الذي كان فيه كثير من شباب العالم الإسلامي قد أطلق بصره ، وأرخى سمعه لما يعرض في هذه الفضائيات من مشاهد مخزية ، يستحيا والله من ذكرها.
إنَّ شباب وفتيات المسلمين اليوم يعانون من أزمة الفراغ المدقع ، فليس لهم من الأعمال التي تشغلهم أيُّ أثر ، ولذا يحاول الكثير منهم أن يفرَّ إلى هذه الشاشة ويسمِّر عينيه صوبها ، لعَّلَّهم يلبون بعض رغبات النفس وهواها ، وكما هو معلوم فإنَّ الفراغ للرجال غفلة ، وللنساء غلمةـ أي تحريك للشهوة ـ وصدق من قال: