القضية الخامسة: وليس وقود هذه الأسهم هم الأثرياء وحدهم والراغبون في أكل أموال الناس من أي طريق بل اصطلى بنارها ضعفاء ونساء ودخلت فيها أموال مساكين ويتامى وأرامل وأيامى طلبًا للرزق الحلال وتغطية للتكاليف الأسرية، وسدادا لديون سابقة ... ومن هنا وجب على المسئولين وفقهم الله وصنَّاع القرار وأهل الحل والعقد أن ينظروا في هذه القضية ويحفظوا أموال المسلمين ولا يدعوها تنزف يوميًا وتذوب كما يذوب الجليد، على مرأى ومسمع من الجميع وعهدُنا بالمسئولين وولاة الأمر اهتمامهم بأمور الرعية وأحوالها في قضايا كثيرة ليست هذه بأقل منها بل حقيقة هي أشد ووقعها أنكى حيث إن الإحصائيات تقول: إن ما يزيد على أربعة ملايين فرد قد دخلوا في سوق الأسهم .
وقلما تجد بيتًا إلا وله نصيب منها بقليل أو كثير .
وإذا كان يقال"إن النظام لا يحمى المغفلين"فكيف يترك للمتلاعبين خلال فترات ماضية مزيدًا من النجش وبثّ الإطمئنان وتصدير التوصيات الكاذبة وإغراء المجتمع بقوة السوق ومتانته من خلال وسائل الإعلام وتسابق المحللين الفنيين في الإذاعات والقنوات لبث الثقة والطمأنينة ، ودراسة المؤشرات وتبادل التوصيات ورفع معدلات المضاربة في شركات لا تستحق عشر قيمتها الحالية .
ثم بين غمضة عين وانتباهتها يحصل هذا الانهيار ويخرج كبار المضاربين من السوق وتختفي السيولة مباشرة ويتضاعف العرض ولا يقابله طلبات شراء بلا مسوغات اقتصادية أو أسباب أمنية أو اجتماعية بل على العكس، الأوضاع الاقتصادية والأمنية بحمد الله على أحسن حال ... ثم لم نرى أولئك بعد ... بل تواروا عن الأنظار وتلاشت تلك التوصيات والتحليلات و في بعضهم شبه بمن قال الله عنه: (( وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ) (إبراهيم: 22) .
الخطبة الثانية
الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى اله وصحبه إلى يوم الدين:
القضية السادسة: إن الخسارة في المال مهما كانت فلن تعادل خسارة الدين والأخلاق وخسارة الأنفس والأرواح .
فالمال كالريش ينبت ثم يزول ثم ينبت وهكذا ..
وقد قيل: أحتال للمال إن ضاع فاجمعه
ولست للدين إن ضاع بمحتال
فهل تساوي أموالك كلها أن تسهر ليلة على السرر البيضاء ، ثم ماذا لو أصيبت إحدى رجليك أو يديك بألم شديد وقرر الأطباء بتر هذه الرجل أو تلك اليد ؟ .
أرأيت لو قيل إن هناك علاجًا في أقاصي الدنيا وقيمته جميع ما تملك أتراك تدفع هذا المال لصحتك ؟! ..
قطعًا لا أظن عاقلًا يتردد في ذلك ... إذًا ألا تحمد الله أن عافاك في بدنك وأطرافك فلقد أعطى كثيرا وأخذ قليلا ورزق وأنعم ووسَّع في الرزق فله الحمد على ما أعطى وله الحمد على ما منع .
ولا تنظر - أخي المسلم - إلى النعم المفقودة وإنما انظر إلى النعم الموجودة واستمتع بها واشكر الله على أن أبقاك صحيحًا مسلمًا ، والخسارة هي خسارة النفس والأهل يوم القيامة بالكفر والمعاصي: (( إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) ) (الزمر: 15) .
القضية السابعة: ومن دروس هذه الحادثة أن لا ينظر المسلم إلى الأسباب المادية وحدها ويعتمد عليها وينسى سؤال الله تعالى وطلب الرزق منه وتعليق الأمور بمشيئته تبارك وتعالى .
وكم نرى من يجزم بأخبار مستقبلية دون تعليق ذلك بالمشيئة وتذكر جميع الأمور والمحفزات والتوصيات وكون مستوى السوق بفضل كذا وكذا وبسبب كذا وكذا وليس لمشيئة الله وذكر الله وفضل الله وعطائه أي ذكر على لسان الكثيرين من رجال الأعمال وأهل الاقتصاد والمال وقد عد العلماء ذلك نوعًا من كفر النعم قال تعالى: (( يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا ) ) (النحل: 83) .
يقول مجاهد: هو قول الرجل: هذا مالي ورثته عن آبائي .
وقال عون بن عبد الله: يقولون: لولا فلان لم يكن كذا .
وقال ابن عباس: عند قوله تعالى: (( فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) ) (البقرة: 22) .
قال: الأنداد هو: الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل ،
وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلان وحياتي .
وتقول: لولا كليبة هذه لأتانا اللصوص ولولا البط في الدار لأتى اللصوص... وقول الرجل لولا الله وفلان ..."."
ومن دروس هذه الحادثة: أن لا يتعلق الإنسان بأخبار شائعة ويبني تجارته على توصيات خادعة لم تبنى على أسس مالية واقتصادية صحيحة
القضية الثامنة: الواجب أن يقتصد الإنسان في طلب الدنيا ولا يصاب بالسعار والهيام ورائها فكم رأينا ورأى الجميع الأسراب المتكاثرة في الاكتتابات ، وازدحام الطرقات والمصارف ، بل والقيام بالأسفار إلى دول مجاورة مع العنت والمشقة وترك الأهل والأولاد والوظيفة لأجل لمعان المكاسب وبريقها
وكم تساهل الناس في الطاعات والعبادات ورأينا أقواما تركوا صلة الرحم والاجتماع بالقرابة وقضاء حقوق الوالدين لأجل العكوف في صالات الأسهم أو أمام جهاز الحاسب يقول صلى الله عليه وسلم: (( قد أفلح من أسلم ورزق كفافًا وقنه الله بما آتاه ) ) [12] .
والقناعة أعظم كنز وإذا رزق العبد القناعة أشرقت عليه شمس السعادة .
ومن جميل ما يروى لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-:
أفادتني القناعة كل عز *** وهل عز أعز من القناعة
فصيّرها لنفسك رأس مال *** وصيّر بعدها التقوى بضاعة
تحز ربحا وتغنى عن بخيل *** وتنعم في الجنان بصبر ساعة
وقال الشافعي رحمه الله:
رأيت القناعة كنز الغنى *** فصرت بأذيالها ممسك
فلا ذا يراني على بابه *** ولا ذا يراني به منهمك
وصرت غنيًا بلا درهم *** أمرّ على الناس شبه الملك
وقال آخر:
اقنع بما ترزق يا ذا الفتى *** فليس ينسى ربنا نمله
إن أقبل الرزق فقم قائمًا *** وإن تولى مدبرًا نَمْ له
القضية التاسعة: ولا يجوز أن تنعكس آثار هذه الحادثة على الأسرة والأولاد أو الزوجة أو الإخوان بسبب الديون وتداخل الأموال وحصول الخسارة لأن هذا أمر خارج عن قدرة الإنسان فلا تضاعف خسارتك فتغضب من أي موقف ويتغير مزاجك ، وتتبدل أخلاقك على والديك وزوجتك وأولادك .
وبهذه المناسبة نذكر إخواننا الدائنين والمقرضين: أن يتقوا الله ويرحموا المعسرين وينظرونهم أو يتجاوزوا عنهم قال صلى الله عليه وسلم"من أنظر معسرا أو وضع عنه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله". أخرجه مسلم من حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه .
القضية العاشرة والأخيرة: فلنعلم أن ما يقضي الله قضاءً للمؤمن إلا كان له فيه خير كما ثبت بذلك الخبر عن المعصوم صلى الله عليه وسلم فكم في هذه المحنة من منحة وفي هذه النقمة من نعمة ففيها عبر وعظات ودروس للجميع وفيها تقوية للمؤمن وتدريب له على الصبر وفيها النظر إلى قهر الربوبية وذل العبودية .